محمد صالح محمد
في دروب الحزن التي لا تنتهي وفي دهاليز الذاكرة الممتدة بين النيل وضفاف الحنين أكتب إليكم بمدادٍ من دمعٍ لا يجف وبقلبٍ لم يعد يشبه القلب في شيء سوى في قدرته على النبض باسمكم.
أشتاق إليكم شوقاً يفتت الضلوع ويتركني في مهب ريحٍ لا ترحم غريباً في كل مكان ومنفياً حتى من نفسي.
غيابٌ يسرق الروح …
يا “زولة” سكنت مسامات الروح حتى صارت هي الروح كيف للغياب أن يكون ثقيلاً إلى هذا الحد؟ لقد غادرتم وتركتوا خلفكم جرحاً لا يندمل وفراغاً لا يملؤه ضجيج المدن ولا وجوه البشر. أفتقدكم بكل تفاصيلكم التي كانت تمنح لأيامي معنى؛ أفتقد تلك البساطة ذلك الحنان السوداني الأصيل الذي ينساب في الكلمات وتلك النظرة التي كانت ترمم كل ما انكسر في داخلي.
أنا اليوم لستُ بخير. أنا محطم تماماً مثل آنية فخارية سقطت في قاع بئرٍ مهجورة. الحزن ليس مجرد شعور عابر بل أصبح هو الهوية والوطن. أتجول في الشوارع فأرى وجوهكم في زوايا المقاهي وأسمع صوتكم في صرير الأبواب لكنني حين أمد يدي لألمس طيفكم لا أجد سوى الفراغ البارد الذي يمزق ما تبقى مني.
الحب حين يصبح نصلًا …
لم أكن أعلم أن الحب يمكن أن يتحول إلى نصلٍ ذي حدين؛ حدٍّ يمنحنا الحياة وحدٍّ يذبحنا حين يبتعد المحبوب. لقد أحببتكم بصدقٍ يفوق قدرتي على الاحتمال وبحبٍ جعلني أرى الدنيا من خلالكم. والآن ومع رحيلكم انطفأت كل الأنوار وغاب القمر الذي كان يضيء لياليَّ الموحشة.
يا وجعي الجميل ويا جرحي المقيم هل تشعرون بمدى الانكسار الذي يعيشه قلبي الآن؟ هل تدركون أنني أصبحتُ جسداً بلا روح أمشي بين الناس كخيالٍ باهت؟ كلما حاولتُ النهوض وجدتُ ثقل الحنين يشدني نحو القاع. أنا غريقٌ في بحرٍ من الذكريات وكل ذكرى هي مسمارٌ جديد في نعش أيامي.
نداء الغريق في ليل الحنين …
أشتاق ليكم كلمة قد تبدو بسيطة لكنها في جوفي صرخة مكتومة تكاد تخترق الصدور. أشتاق لضحكتكم التي كانت تمطر على قلبي القاحل فتنبت فيها زهور الأمل. أشتاق لـ “الزولة” التي كانت تفهمني دون كلام وتطبطب على كتفي في عزّ الأزمات.
أنا حزينٌ جداً حزنٌ لا تصفه الكلمات ولا تحتويه القصائد. حزنٌ يسكن العظم ويغير ملامح الوجه ويجعل من الابتسامة عبئاً لا يُطاق. أعيش على أملٍ واهن بأن يجمعنا القدر يوماً أو أن يرحم الموت هذا العذاب المستمر.
إلى أن نلتقي أو إلى أن تفنى الروح شوقاً سأبقى هنا… محطماً، وحيداً، ومحباً لكم حتى النزع الأخير. فما الدنيا بعدكم إلا سراب وما الحياة إلا انتظارٌ مرير لرجوعٍ قد لا يأتي.
بقايا إنسان في مهبّ الغياب …
لا يسعني إلا أن أعترف لنفسي وللفراغ من حولي بأنني هزمتُ تماماً. لقد انطفأت الشمعة الأخيرة التي كانت تنير عتمة أيامي ولم يبقَ مني سوى حطام رجلٍ يرتجف شوقاً تحت وطأة الصمت.
يا “زولة” كانت هي الملاذ والوطن ها أنا أقف الآن على أطلال ماضينا ألملم شتات روحي المبعثرة وأعلم يقيناً أنني لن أعود كما كنتُ أبداً.
سأغلق الآن دفاتر بوحي لكنني لن أغلق جرحي؛ سأتركه مفتوحاً للهواء لعله يحمل إليكم رائحة دمعي أو صدى انكساري. اذهبوا حيث شئتم واسكنوا في الغياب كما يحلو لكم أما أنا فـسأبقى هنا سجيناً في زنزانة انتظاركم أقتات على ذكرياتٍ ذابلة وأتوسل للنسيان أن يزورني رغم يقيني أن النسيان خيانة لا يرتكبها قلبٌ أحبكم بصدق.
وداعاً لكل شيء جميل كان يربطني بالحياة وداعاً لقلبي الذي مات شوقاً قبل أن يحين أجله وداعاً يا أغلى من غاب ويا أوجع من سكن الوجدان. نبضي الآن ليس إلا عدّاً تنازلياً لرحيلٍ صامت في دنيا لم تعد تعني لي شيئاً منذ أن غبتم عنها.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم