إن كانت “الدوحة” هي التسليم للجنائية… فماذا يكون الخروج الآمن؟

لبنى احمد حسين

في كل مرة يظن الناس أن سقف العبث السياسي قد بلغ مداه، يخرج علينا من يرفعه قليلاً او كثيراً… ثم يقف فوقه و يمد لسانه..
آخر فصول هذا العبث ما كشفت عنه سلمى نور، عضوة تجمع المهنيين وسكرتارية قوى الحرية والتغيير، حول مقترح قدمه أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، يقضي بمحاكمة الرئيس المعزول عمر البشير في العاصمة القطرية الدوحة.. و تم نشر خبر المقترح في عدة منصات و صحف سودانية اونلاين و لم يتم النفي رغم مرور اسبوع.

فبحسب ما نشرته صحيفة الصيحة في ٢٥ مارس الجاري إن أولى المهام لمستشار العلاقات الخارجية الجديد للبرهان كانت عرض مقترح نقل المخلوع البشير الى دولة قطر لتتسلمه المحكمة الجنائية الدولية هناك و تحاكمه في الدوحة بدلا عن لاهاي و يشمل العرض أيضاً تنفيذ العقوبة هناك في حال الإدانة..

بلاش استعباط!

المحكمة الجنائية الدولية ليست شركة شحن تختار لها عنوان التسليم، ولا منصة “أوبر” تحدد فيها الوجهة مسبقاً.
إن كنت جاداً في التسليم، سلّم المطلوبين بلا شروط… وانتهى.
أما أن يُطرح تسليمه للجنائية مع تحديد الدوحة كمكان للمحاكمة و العقوبة فعلى سيادة المستشار ان يخبرنا : اذن ما هي الوصفة و السيناريو اذا كان الهدف هو الخروج الآمن؟..و انه لمن المؤسف ان يدردق الكرة لهذا الخروج الآمن من كان يوما وصفه ثائر.

قليل إدراك لطبيعة المؤسسة التي نتحدث عنها .. وشيء من الحكمة… يكفيان لإدراك أن ما يحاول المستشار ترسيخه اليوم — بافتراض جدلاً أن محكمة لاهاي ستوافق على اختيار بلد المحاكمة— فان ذلك لن يكون استثناءً للمخلوع البشير، بل سابقة قانونية و ميزة يستفيد منها كل المطلوبين من عتاة المجرمين بعده.
وهنا ترتفع درجة المستشار إلى رتبة“غشيم”.
يا هذا…
إذا سمحت محكمة لاهاي اليوم بانعقاد محاكمة المخلوع البشير في الدوحة… فلماذا سترفض غداً محاكمة حميدتي في أبوظبي إذا صار مطلوباً للجنائية؟

ثم انه لمن المضحك ان الذي قدّم “عزومة” انعقاد محاكمة البشير في دولة قطر ليس أهل الدار…
ليس سمو الشيخ تميم بن حمد و لا مستشار الديوان الاميري..
إنما مستشار البرهان!..
في أبسط الأعراف الاجتماعية،
في حفلات الشاي…
و في “بيوت السماية”…
فإن صاحب الدار هو من يوجه الدعوة، وليس طرف ثالث.

القانون الدولي واضح:المحكمة الجنائية الدولية هي وحدها من تقرر مكان المحاكمة. المادة (3) من نظام روما الأساسي واضحة:
قد تعقد المحكمة جلساتها خارج مقرها في لاهاي… لكن بقرار منها وحدها، وبناءً على اعتبارات أمنية أو لوجستية أو قضائية،
وليس بناءً على رغبات المتهمين خفت او ثقلت موازينهم في صحيفة الاتهامات.

فالمخلوع البشير، صانع الجنجاويد و الذي اعترف بنفسه بسفك دماء عشرة الاف في دارفور يصعد الى الجنائية و في جعبته مجموع عشرة تهم دولية خطيرة. ثلاث منها جرائم إبادة جماعية، و خمسة تهم جرائم ضد الإنسانية، و تهمتي جرائم حرب.

سمعنا بالسياحة الدينية
و السياحة العلاجية..
و الآن جاء دور دور السياحة العقابية!..
اذا كان هذا هو مفهوم “التسليم”،
فليستعد العالم لمرحلة جديدة من العدالة الانتقائية…
حينها فقط… لن يكون السؤال: أين تُقام المحاكمة؟
بل سيخطّط الجناة سلفاً ، قبل ارتكاب جرائمهم وفظائعهم ، لوجهتهم المفضلة، ويحجزون مبكراً… تذاكر سياحتهم العقابية!

lubbona@gmail.com

عن لبنى أحمد حسين

شاهد أيضاً

من التحريض على الإبادة الجماعية إلى تعليق صفقة السلاح !

لبنى احمد حسين ضابط برتبة عميد طبيب في الجيش السوداني يصرف روشتة يفهم منها انها …