إنّهُم يقتلون عبدَالناصـر ثانيـة !! .. بقلم: جمَال مُحمّـد إبراهيْــم
22 أغسطس, 2015
جمال محمد ابراهيم, منبر الرأي
125 زيارة
أقرب إلى القلب :
(1) إستوقفني برنامج بثته قناة العربية، بدءاً بتاريخ 23 يوليو 2015 ، عن لقاءات مع قيادي فلسطيني سابق هو السيد عاطف أبوبكر، مسئول المخابرات السابق بالمنظمة الفلسطينية، يورد معلومات يدعي صدقيتها ، تتصل بأسباب وفاة رئيسمصر الأسبق ، الزعيم جمال عبد الناصر. تقول رواية السيد عاطف أنه قد جرى تسميم الزعيم المصري جمال عبدالناصر في السودان، من طرف عناصر لها صلة بالقائد الفلسطيني المنشق عن الحركة الفلسطينية ، السيد صبري البنا “أبونضال” (1937-2002)، وذلك إبان زيارة الرئيس المصري للخرطوم في فبراير من عام 1970.
تلك رواية يتحمّل راويها وحده مسئولية تبعات إشاعتها بين الناس ، فقد غاب معظم من يدعي أنهم شاركوا فيها . رحل عبدالناصر ، مثلما رحل النميري وأيضا “أبونضال”.
(2) لكأنّ كل الأزمات والنزاعات التي تحيط بمصائر السودان وأقداره الملتبسة، منذ أن نال ذلك البلد إستقلاله في عام 1956 وإلى التاريخ الحالي، في حاجة لاضافة المزيد من حلقات المحاصرة بالتشكيك وبالتهم، الجزافي المختلق منها ، أو بالحقيقي الأكيد . لكأنّ طين ذلك البلد يحتاج لمزيد بلة ، وإلى المزيد مما يسود ولا يبيّض إسمه، في عالم تتمحور جلّ سياساته على مستوى العالم ، لمنازلة الإرهاب الدولي ، والذي كاد أن يشكل عقيدة عالمية قد تتبناها هيئة الأمم المتحدة ، حفاظاً على السلم والأمن الدوليين، كما ينص ميثاق الأمم المتحدة . ولعلّ من الطبيعي ان تجد ظاهرة الإرهاب الدولي ، تدارسا وبحثا معمقاً لرصد بداياتها ، وتحديد مرجعياتها الجنينية، وأيضاً تداعياتها المستقبلية على مستوى العلاقات بين البلدان والشعوب. على سبيل تأصيل الإرهاب الدولي ، فإن الظاهرة لها أبعادها الأمنية والسياسية، ولقد تباينت محاولات تعريفهأ ، لكن يتفق أغلب الباحثين السياسيين أنها تتصل باستعمال العنف غير المشروع لأغراض وأهداف سياسية ، بما يتجاوز الحدود القطرية ، وتشكل بذلك تهديدا لازما للأمن والسلم.
(3) لقد نصّت المعاهدة العربية لمكافحة الإرهاب الموقعة في القاهرة بتاريخ 22 أبريل عام 1998 وصادق عليها وزراء الداخلية العرب، في تعريف الإرهاب الدولي كونه: أيّ عمل أو تهديد بالعنف، بصرف النظر عن بواعثه ومقاصده، في سبيل تحقيق أجندة جرمية، يسعى إلى تخويف الناس من خلال أذيتهم أو تعريض حياتهم، وحريتهم، وسلامتهم للخطر، أو تعريض البيئة والممتلكات للدمار من أجل أغراض إرهابية. جاء في نصّ المادة الأولى في الباب الأول من تلك المعاهدة، ما يلي: (كلّ فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أوالخاصة، أو احتلالها أوالاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر.) وأكثر ما حرصت عليه النصوص العربية الرسمية، هو التمييز بين الإرهاب المحظور والمقاومة المشروعة، من أجل تقرير المصير أورفع مظلومية الإحتلال. .
(4) الحكاية التي يروّج لها المسئول الفلسطيني عاطف أبوبكر، ولم يسمع بها أحد من قبل ، هي أن إسرائيل قد أقدمت على تسميم الزعيم المصري في السودان عبر مؤامرة، تواطأ فيها الرئيس السوداني الأسبق “جعفر نميري”وقتذاك، مع القائد الفلسطيني المثير للجدل صبري البنا “أبونضال” ، عبر صفقة تعاون أمني بين الطرفين. وتقول روايته أن الرئيس السوداني الأسبق طلب عون “أبونضال”، ممثل “فتح” في الخرطوم، لملاحقة معارضي نظام “نميري” في الخارج ، مقابل تسهيل عملية مخابراتية لـ”أ بو نضال”، قد يكون “نميري” على علم بتفاصيلها و قد لا يكون. تمضي الرواية حسبما يحكي السيد عاطف أبوبكر، إلى أن ترتيبات جرتْومن طرف “أبو نضال”، حين أقام معرضاً في الخرطوم لأسلحة إسرائيلية إقتنتها “حركة فتح” خلال عمليات المقاومة، وأهدي منها مسدس للرئيس عبدالناصر حين زار ذلك المعرض. يقول عاطف أبوبكر أن ذلك المسدس كان مسدساً به سم بطيء المفعول. في المقابل، قامت عناصر من جماعة “أبو نضال” في بيروت، بملاحقة صحفي سوداني يعدّ من المعارضين الشرسين لنظام “نميري”، وسلموه لرجال أمن سودانيين ، حيث نقلوه من بيروت إلى الخرطوم وجرى إعدامه . أكدت روايات كثيرة قصة خطف ومقتل ذلك الصحفي المعارض وإسمه محمد مكي محمد، لكننا نقف عند أمور عديدة تستوجب وقفتنا على هذه الرواية ، ومراجعة ملابسات الحادثة، أفصلها في الفقرة التالية:
(5) أول أمر: أن مِن حقّ مَن يسمع هذه الرواية عن وفاة الزعيم “عبد الناصر”، والتي وقعت قبل أكثر من أربعين عاماً، أن يسأل: فيم نبش قصة تسميم الزعيم المصري، بعد كل هذه السنوات الطويلة. .؟ لم نسمع من قبل بأيّ قصة تربط بين “أبو نضال” القائد الفلسطيني المثير للجدل والرئيس الأسبق “جعفر نميري” ، في مؤامرة تستهدف حياة الزعيم المصري. يشهد التاريخ أن العلاقة بين “نميري” و”ناصر”، والتي كانت أعمق من علاقة الرعاية السياسية بين الرجلين، كانت الأقرب ربما إلى الرعاية الأبوية الحميمة، بين زعيمٍ شاب في دولة شقيقة لمصر، يترسّم خطى زعامة راسخة، ويطمح أن يقتدي بقيادة قومية عربية ذات وزن و”كاريزما”، مثل قيادة الرئيس جمال عبدالناصر.. ثاني أمر : أن “المصلحة المتبادلة” التي قيل إنها جمعت بين “نميري” و”أبونضال” لا تنطوي على التوازن المتوقع ، فلا هما ندان يتعاونان على خير أو شر، كما أن هدفاً يتصل بالتخلص من صحفي معارض لا يعقل أن يتساوى بمؤامرة للتخلص من زعيم قومي عربي بحجم “عبدالناصر” . . ثالث أمر : أنْ لو علمنا أنّ صبري البنا ، المعروف بـ”أبو نضال” قد جرى تعيينه ممثلاً لمنظمة فتح في أواخر عام 1968 ، وأنه غادر الخرطوم منقولاً إلى بغداد ، ممثلا لفتح في يوليو 1970 ، فهل كانت إقامته الوجيزة تلك في الخرطوم كافيةلتعميق علاقاته مع الأجهزة الأمنية في السودان ، حتى يتسنى له تدبير عملية تآمرية، يتواطأ فيها مع الرئيس السوداني شخصياً، لاغتيال أكبر زعيم عربي ، والذي جاء إلى الخرطوم في زيارة لم تستغرق أكثر من يومين. . ؟ رابع أمر: إن شخصية صبري البنا الذي اشتهر بشراسته النضالية، لم تتشكل إلا بعد عام 1974، وهو العام الذي أنشأ فيه المنظمة التي حملت إسمه، وفق ما أورد الكاتب البريطاني باتريك سيل في كتابه عنه عام 1992. . خامس أمر : لربما لا يغيب عن فطنة المتابع لتلك اللقاءات ، أنّ المسئول الأمني السابق للمنظمة الفلسطينية، عاطف أبوبكر، يحمل ضغينة لسبب ما على القائد الفلسطيني المثير للجدل “أبونضال” . فارق الرجل فارق الحياة منذ 2002 مقتولا في بغداد، ولا يملك أحدٌ أن يدفع بقول يناقض ما ادعاه عليه السيد عاطف..
(6) مجمل ما وددنا توضيحه هنا ، هو أن نبش مثل هذه القصص، والتي تلمح لتآمر رئيس سوداني سابق لاغتيال الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر، إن كانت تحمل قدرا من الصدقية أم لا ، فإنها تثير عاصفة من التساؤلات ، وستثير شهية من يريدون إحكام الحبل حول عنق السودان مجازاً ، بما يؤكد أن للإرهاب الدولي جذور ضاربة القدم في السودان . . إن إناء السودان ينضح بما فيه من صراعات ومن اختلافات ، فلا أقل من نتركه على حاله ، لا أن نزيد مواجعاً تثير الطامعين في تصعيد الأذى عليه. .
الخرطوم – 19 أغسطس 2015