اتحاد الكتاب السودانيين ينعي نيلسون مانديلا

برحيله انطفأ مصباح ضخم في تاريخ البشرية

ببالغ الحزن، وعميق الأسى، ينعي اتحاد الكتاب السودانيين الزعيم والقائد الفذ نلسون روليهلاهلا مانديلا الذي بذل حياته، ليس، فحسب، كنموذج رائع للتصدي للعنصرية، والفقر، والظلم، والاستبداد، أو كثوري ملتزم قاد شعبه في مسيرة طويلة وشاقة على طريق تفكيك نظام الأبارتيد، وإرساء قواعد العدل والمساواة في جنوب أفريقيا، بل، وبوجه عام، كمشعل وهاج من مشاعل الاستنارة والديموقراطية في التاريخ المعاصر بأسره.
تعكس حياة ماديبا، وفق اللقب القبلي الذي يطلق على عظماء بلاده في معنى العظيم المبجل، كما تعكس سيرته النضالية، من العبر ما هو جدير بالاعتبار، عن حق، وأبرز ذلك المشوار الذي قطعه، مع رفاقه في المؤتمر الوطني الأفريقي، من منابر المقاومة السلمية إلى ساحات الكفاح المسلح. لقد كانت مجزرة شاربفيل ضد الأفارقة عام 1960م، وما استتبعت من تشريعات تستهدف النشاط السياسي للمؤتمر، الحد الفاصل بين النهجين. اعتقل مانديلا في العام التالي. وعند إطلاق سراحه أنشأ وقاد الجناح العسكري للمؤتمر، حيث غادر، عام 1962م، إلى الجزائر لتلقي وترتيب دورات تدريبية لمقاتليه. وفور عودته إلى البلاد في نفس العام، اعتقل، وحوكم بتهمة السفر غير المشروع، والتحريض على الإضرابات وأعمال العنف. وانتهت تلك المحاكمة الجائرة بسجنه لمدة خمس سنوات.لكنه ما لبث أن قدم، وهو لما يزل في السجن، إلى محكمة أخرى لا تقل جوراً، أدانته بتهمة التخريب، وقضت بسجنه سجناً مؤبداً بجزيرة روبن. منذ ذلك الحين، وعلى مدى سبع وعشرين سنة، تحول مانديلا إلى أيقونة للصمود والبسالة، وصار النداء بتحريره أنشودة على شفاه مختلف أجيال الأحرار في كل أنحاء المعمورة. ولم يغير مانديلا من مواقفه، أو يتزحزح عنها، رغم الإغراءات الكثيرة، حتى رضخ نظام الفصل العنصري، فأطلق سراحه في 11 فبراير 1990م، حيث أعلن عن نهاية الصراع المسلح، والدخول في عملية سياسية، نتج عنها، في خواتيم 1993م، دستور جديد، أقر حكم الأغلبية، لأول مرة في تاريخ البلاد، وسمح للأفارقة بالتصويت، فكان أن منح مانديلا، بالاشتراك مع رئيس جنوب إفريقيا، وقتها، فريدريك ويليام ديكليرك، جائزة نوبل للسلام. ومثلما كان متوقعاً اكتسح مانديلا، في 27 أبريل 1994م، أول انتخابات رئاسية أجريت، على ذلك الأساس، ليصبح أول رئيس أفريقي لجنوب أفريقيا خلال دورة امتدت حتى يونيو 2000م.
على أن المأثرة العظمى من مآثر مانديلا التي سيحفظها التاريخ، وتلهج بذكرها الأجيال، هي تعاليه الإنساني النبيل على جراحه الشخصية جراء اضطراره لسلخ تلك السنوات الطوال من عمره في السجن، وقيادته، من ثمَّ، مع القس ديزموند توتو والبروفيسير أليكس بورين، لإحدى أهم تجارب “العدالة الانتقالية” في العالم، والتي تقوم على فكرة “العفو” و”المصالحة الوطنية” مقابل الكشف عن “حقيقة” ما جرى، بغرض إبراء الجراح، وتسوية تركة الماضي المثقلة، والتمهيد لاستشراف المستقبل الجديد.
في 2004م قرر مانديلا التقاعد لأسباب صحية، حيث ظل يعاني من الأمراض التي نجمت عن سنوات السجن الطويلة، حتى وافته المنية بالخميس الخامس من ديسمبر 2013م. واتحادنا، إذ ينعيه، فإنما يعبر عن عميق الأسف لكون رحيله إنما يمثل، بالحق، انطفاء مصباح ضخم في تاريخ البشرية. ومع ذلك فإن العزاء الحقيقي يبقى في ما خلفه من إرث نضالي وإنساني ملهم لكل عقل ووجدان شريفين، في الحاضر كما في المستقبل.
اللجنة التنفيذية
7 ديسمبر 2013م

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

نقابة الصحفيين السودانيين: بيان عاجل للرأي العام: 100 يوم على صمت العالم أمام اعتقال الزميل الصحفي معمر إبراهيم

مرّت مئة يوم على الاعتقال التعسفي للزميل الصحفي معمر إبراهيم على يد الدعم السريع أثناء …

اترك تعليقاً