احتلال ابيي وخطورة العودة لمربع الحرب .. بقلم: تاج السر عثمان

لم تكن الأحداث الأخيرة في ابيي التي ترتبت عليها خسائر بشرية ومادية مؤسفة مفاجئة لأحد، فهي نتاج لفشل الشريكين في تنفيذ اتفاقية نيفاشا رغم مرور ست سنوات علي توقيعها. لقد اكدت السنوات العجاف الماضية من عمر الاتفاقية: أنه حتي انجازها الوحيد وهو وقف نزيف الدم، بات في مهب الريح، بعد أن أطل خطر الحرب برأسه من جديد، بعد الاحتلال الأخير لقوات حكومة الشمال لابيي، اضافة لاستمرار ذلك الخطر بعد اعلان انفصال الجنوب بعد التاسع من يوليو 2011م، وبالتالي أصبحت النتيجة تمزيق وحدة البلاد دون كسب السلام المستدام، بل زاد خطر المزيد من تمزيق ماتبقي من البلاد نتيجة سياسات المؤتمر الوطني المدمرة التي قادت الي انفصال الجنوب.
جاء توقيع اتفاقية نيفاشا وبقية الاتفاقات( القاهرة، ابوجا، الشرق،..) نتيجة لمقاومة الحركة الجماهيرية وضغط المجتمع الدولي. ولكن كما أشرنا لم يتم تنفيذ الاتفاقية: بالغاء كل القوانين المقيدة للحريات وتحقيق التحول الديمقراطي الذي يكفل الديمقراطية واستقلال القضاء ، ومبدأ سيادة حكم القانون، وتحقيق قومية الخدمة المدنية والعسكرية ، واصدار قرار سياسي لتسوية أوضاع المفصولين تعسفيا، ورد المظالم ومحاسبة كل الذين ارتكبوا جرائم في حق الوطن، وقيام انتخابات حرة نزيهة تفتح الطريق لقيام استفتاء حر نزيه يعزز خيار وحدة السودان.
وكان مطلوبا لنجاح الاتفاقية أن يحس الناس بتحسن في احوالهم المعيشية ، وتوفير احتياجاتهم الأساسية في: التعليم والعلاج والخدمات والسكن..الخ. ولكن حدث العكس فقد تدهورت اوضاع المواطنين والكادحين في الشمال والجنوب ، ولم يذهب جزء من عائدات البترول التي بلغت اكثر من 52 مليار دولار الي دعم الزراعة والصناعة وخدمات التعليم والصحة وبقية البنيات الأساسية في الشمال والجنوب، بل لم يتم صرف استحقاقات ومتأخرات مرتبات العاملين كما يتضح من موجة الاضرابات الكثيرة للعاملين مثل اضراب الأطباء الأخير، وتدهور الخدمات مثل انقطاع مياه الشرب والتي ادت الي موجة المظاهرات والاعتصامات الأخيرة لجماهير بعض الأحياء في العاصمة القومية.
لقد كان الخلل أيضا في ثنائية الاتفاقية واستبعاد وتهميش شعب السودان ممثلا في قواه السياسية ومنظماته المدنية، وخاصة أن الاتفاقية تناولت قضية أساسية تتعلق بمصير السودان ووحدته. اضافة لجوانب الخلل الأخري فيها التي عمقت وكرّست النزعة الانفصالية مثل: تقسيم البلاد علي أساس ديني، وقيام نظامين مصرفيين، واقتسام عائدات البترول (50% لحكومة الشمال، و50% لحكومة للجنوب)، والصراع حول عائدات النفط وعدم الشفافية حولها.
فضلا عن أن الاتفاقية كرّست الصراع بين الشريكين، وهيمنة المؤتمر الوطني في الحكومة المركزية والمجلس الوطني من خلال الأغلبية الميكانيكية، واعادة انتاج الشمولية والقهر والتسلط عن طريق تلك المؤسسات، مما كان له الأثر في في تكريس الوضع الحالي الذي تم فيه تزوير الانتخابات العامة وانفصال الجنوب وتزويرانتخابات جنوب كردفان واحتلال ابيي مما يهدد بالعودة الي مربع الحرب.
وفيما يتعلق بأزمة ابيي الحالية فهي نتيجة لفشل تنفيذ الاتفاقية فيما يتعلق بعدم تنفيذ “بروتكول ابيي” الذي اقترحه السيناتور “دانفورث” بعد اشتداد الخلاف حول ابيي في مفاوضات نيفاشا، ووافق عليه الشريكان، واصبح ملحقا باتفاقية السلام الشامل، نتيجة رفض المؤتمر الوطني لتقرير الخبراء. وحتي بعد أن ارتضي الشريكان محكمة العدل الدولية في لاهاي حكما في النزاع حول حدود منطقة ابيي، لم يلتزم المؤتمر الوطني بحكم المحكمة. اضافة الي خطأ الحركة الشعبية التي اعلنت تبعية ابيي في دستور الجنوب، قبل اجراء الاستفتاء الذي كان مقررا له في 9 يناير 2011م، بل حتي لم يصدر قانونه. اضافة لتصريحات الرئيس البشير التي دقت طبول الحرب والتي أعلن فيها من جانب واحد في خطابه في المجلد أثناء دعمه لحملة أحمد هارون الانتخابية أن ” ابيي شمالية وستظل شمالية ، ان لم تكن عن طريق صناديق الانتخابات، فعن طريق صناديق الذخيرة “. اضافة الي قفل الحدود بين الشمال والجنوب ومنع المواد التموينية عنه. اضافة للانفلاتات الأمنية في المنطقة مثل: حرق القري وموت العشرات من السكان ونزوح الالاف منهم، كل هذه التراكمات الكمية أدت الي الانفجار النوعي الحالي.
وجد احتلال ابيي استنكارا واسعا من أحزاب المعارضة السودانية والمجتمع الدولي التي طالبت بتجنب العودة للحرب مرة اخري، كما يتضح من البيانات التي اصدرتها الأحزاب والدول الراعية للاتفاقية وغيرها.
ويبقي من المهم حل القضية عن طريق الحكمة والتفاوض والحوار، اضافة للعامل الحاسم وهو ضغط الحركة السياسية والجماهيرية في الشمال من أجل اجبار قوات الحكومة علي الانسحاب حتي لاتتجدد الحرب مرة أخري، وسد الطريق أمام المؤتمر الوطني التي تحاصره أزماته الداخلية ونهوض الحركة الجماهيرية ، والذي يحاول الهروب منها الي الحرب، واستغلال اجوائها لمصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية وفرض الدولة الدينية الظلامية في الشمال، والمحاكمات الفكرية والسياسية لكتاب الرأي مثل: محاكمة د. عمر القراي والتي وجدت استنكارا واسعا من الرأي العام المحلي والعالمي. وهذا يؤدي الي المزيد من التدهور وتمزيق ماتبقي وحدة البلاد.
ان الوضع الحالي يتطلب التصدي الجاد لحل قضايا مابعد الانفصال ( ابيي، ترسيم الحدود، البترول، مياه النيل، الجنسية والمواطنة، ديون السودان،..الخ)، وبناء اوسع جبهة من أجل اسقاط النظام وقيام حكومة انتقالية تتصدي لقضايا الوطن الضاغطة والتي تتلخص في: تحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية، وحل قضايا مابعد الانفصال، وتحقيق التحول الديمقراطي بالغاء كل القوانين المقيدة للحريات، وعقد المؤتمر الدستوري الذي يحدد شكل الحكم في البلاد، والاشراف علي محادثات قبائل ابيي، ومتابعة نتائج المشورة الشعبية في جنوب النيل الأزرق ، وقيام انتخابات حرة نزيهة في جنوب كردفان بعد الغاء نتائج الانتخابات المزوّرة الحالية تتبعها آلية جديدة لاستطلاع آراء سكان المنطقة، والحل الشامل والعادل لقضية دارفور، ومعالجة الوضع المتدهور في شرق السودان، ومنع تجدد الحرب بين الشمال والجنوب ، وقيام شراكة استراتيجية بينهما تفتح الطريق لاعادة توحيد الوطن علي أسس طوعية وديمقراطية علي أساس دولة المواطنة التي تسع الجميع، والاشراف علي اجراء انتخابات عامة حرة نزيهة جديدة في نهاية الفترة الانتقالية.  
alsir osman [alsirbabo@yahoo.co.uk]

عن تاج السر عثمان بابو

تاج السر عثمان بابو

شاهد أيضاً

في ذكراه ال ٨٠ كيف استمر الهجوم على الحزب الشيوعي بعد ثورة ديسمبر؟

بقلم : تاج السر عثمان1نواصل بمناسبة الذكرى ال ٨٠ لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني كيف استمر …

اترك تعليقاً