اختصاص الجنائية الدولية والقضاء الجنائي الوطنى بمحاكمة مرتكبى جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية اثناء النزاع المسلح فى السودان بين الجيش والدعم السريع
بقلم الدكتور ناجى احمد الصديق الهادى / المحامى/ السودان
قامت عدد من المنظمات الحقوفية السودانية بتقديم طلب الى المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق فى ارتكاب جرائم تختص المحكمة بها حيث تتهم تلك المنظمات بان قوات الدعم السريع قد ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية فى اقليم درافور اثناي النزاع المسلح الذى نشيب بينها وبين الجيش السودانى فى 14\4\2023م وعليه فاننا نبحث فى هذا المقال عن قانونية تقديم الطلب ثم فى امكانية اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة المتهمين باتكاب تلك الجرائم
تنص المادة 18 من النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية فى فقرتها الاولى على انه اذاى احيلت الى المحمكة عملا بنص المادة 13أ وقرر المدعى الاعم ان هناك اساسا معقولا لبدر تحقيق ، او باشر المدعى العام التحقيق عملا بالمادتين 13ج و15 يقوم المدعى العام باشعار جميع الدول الاطراف والدول التى يرى فى ضوء المعلومات المتاحة ان من عادتها ان تمارس ولايتها على الجرائم موضوع النظر على المدعى العام ان يشعر هذه الدول على اساس سرى كما تنص المادة 13 من ذات النظام على ان للمحكمة ان تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار اليها فى المادة 5 وفقا لاحكام النظام الاساسى فى الاحوال التالية :
أ اذا احالت دولة طرف الى المدعى العام وفقا للمادة 14 حالة يبدو فيها ان جريمة او اكثر قد ارتكبت
ب\ اذا احال مجلس الامن متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة حالة الى المدعى العام يبدو فيها ان جريمة او اكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت
ج اذا كان المدعى العام قد باشر تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقا للمادة 15
وتنص المادة 15 المشلر اليها على انه يجوز للمدعى العام ان يباشر التحقيقات من تلقاء نفسه على اساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل فى اختصاص المحكمة
من هذه المواد نجد ان المحكمة الجنائية الدولية ببسط اختصاصها على الجرائم المنصوص عليها فى نظامها الاساسى بثلاث طرق وهى ان تكون الدولة التى وقعت فيها الانتهاكات طرف فى النظام الاساسى ا وان يكون مجلس الامن قد احال اليها متصرفا وفقا للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة حالة يبدو فيها ان وجود الانتهاكات ا وان يبدأ المدعى العام بمباشره تحقيق من تلقاء نفسه . وبالنظر الى الانتهاكات للقانون الدولى الانسانى فى اقليم دارفور فى النزاع المسلح بين الجيش والدعم السريع نجد ان السودان لم يكن من الاطراف الموقعة على نظام روما الاساسى كما انه لم يصدق على ذلك النظام حيث توقفت اجراءت التصديق فى مرحلة موافقة السلطة التشريعية عليه وبالتالى فان المحكمة الجنائية الدولية لا يجوز لها قبول اختصاصها بالتحقيق فى تلك الانتهاكات ، فيما يتعلق بالبند االثانى من المادة والذى يقرر وجوب احالة الامر الى المحكمة من مجلس الامن الدولى فان مجلس قد اصدر القرار رقم 1593 احال الحالة فى اقليم درفور الى المحكمة الجنائية الدولية وكان ذلك فى عام 2005م بعد حدوث انتهاكات جسيمة للقانون الدولى انسانى من قبل مليشيات الجنجويد والمدعمة من الحكومة فى ذلك الوقت وبالفعل فقد تم فتح التحقيق فى ذلك الوقت حتى وصل الى مرحلة اصدار مذكرات توقيف ضد الرئيس المعزول عمر البشير وعددا من معاونيه عليه فاننا نرى ان المنطمات الحقوقية السودانية التى قد طلب التحقيق الى المحكمة الجنائية الدولية قد استندت الى ذلك القرار ومن المفارقات ان تدعم الحكومة السودانية الان هذا الطلب الذى تم تقديمه وفق قرار مجلس الامن المشار اليه فى الوقت الذى عارضت فيه حكومة عمر البشير ذلك القرار وامتنعت عن التعاون مع المحكمة . ويبرز فى هذا الصدد سؤالا مشروعا وهو هل يجوز استناد مقدمو طلب التحقيق الان على القرار الذى صدر فى عام 2005م لتحريك سلطة المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية لمباشرة التحقيق فى جرائم تدخل فى اختصاصها تم ارتكابها فى الحرب الدائرة الان بين الجيش والدعم السريع فى اقليم دارفور.
من المسلم به ان مجلس الامن الدولى يصدر قراراته تحت الفصل السابع متى ما كانت الحالة المعروضة اماه تهدد السلم والامن الدوليين كما انه من الواضح ان الحالة فى اقليم دارفور والتى صدر القرار فى ظلها كانت تمثل بالفعل تهديدا للسلم والامن الدوليين فى ذلك الوقت وبما ان القرار لم ينص فى ثناياه على المدى الزمنى التى تستمر فى تلك الحالة ولم ينص على وقت محدد تصبح فيه تلك الحالة غير مهددة للسلم والامن الدوليين فاننا نرى ان الحالة فى اقليم دارفور ستظل مهددة للسلم والامن الدوليين طالما ان مجلس الامن نفسه لم يصدر قرارا اخر ينهى به وجود حالة التهديد وانه يجوز للمدعى العام ان يباشر التحقيقات مع ار شخص متهم بارتكاب جرائم تنتهك القانون الدولى الانسانى فى اقليم دارفور طالما ان ذلك القرار موجود هذا من الناحية النظرية البحت هاما من ناحية الواقع العملى على الارض فان انتهاكات القانون الدولى الانسانى فى اقليم دارفور لم تتوقف منذ صدور ذلك القرار وظل الاقليم ملتهبا بالصرعات والنزعات القبلية حينا وعسكرية بواسطة الحركات المسلحة حينا اخر وظلت تلك النزعات بما فيها من انتهاكات واسعة للقانون الدولى الانسانى حاضرة فى المشهد الميدانى لهذا فانه لم يكن هنالك مبررا لمجلس الامن لالغاء ذلك القرار ولكن المحكمة الجنائية الدولية لم تقم بفتح تحقيقات جديدة ضد من قاموا بارتكاب انتهاكات بعد سقوط الرئيس عمر البشير واكتفت فقط بملاحقة الرئيس المعزول وعدد من مساعديه والذين اصدرت فى حقهم مذكرات توقيف ولم يتم تسليم اولئك المتهمون الى الان
اذن فنه من الناحية النظرية على اثل تقدير يوجد هنالك تحقيقا مفتوحا امام المحكمة الجنائية الدولية لم تكتمل اجراءته حتى الان وعليه فانه يجوز للمدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية ان يباشر اى تحقيق مع اى متهم محتمل اخر طالما ان الجرائم الذتى يتم اتهامه بها قد وقت فى اقليم دارفور اثناء نزاع مسلح دولى ويبوا ان المنظمات الحقوقية السودانية والتى طالبت بفتح تحقيق مع قوات الدعم السريع ارتكابها جرائم تدخل فى نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية قد استند على هذه الحيثيات
اذن فانه يجوز للمحكمة الجنائية الدولية ان تقوم باى تحقيقات فى جرائم محتملة تدخل فى اختصاصها وقعت فى اقليم درافور وفقا للقرار رقم 1593 والذى احال بموجبه مجلس الامن الدولى الحالة فى درافور اليها وفقا لنص المادة 13\ب من النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية واستنادا على كل ذلك قامت بعض المنظمات الحقوقية السودانية بتحريك سلطة المحكمة الجنائية الدولية للمارسة سلطاتها فى التحقيق والمحاكمة للمتهمين بارتكاب تلك الجرائم هذا من الناحية النظرية على الاقل ولكن من الناحية العملية ووفقا للتقارير الصادرة من بعض المنظمات الدولية وو التقارير الصحفية او التقارير الصادرة من الامم المتحدة نفسها نجد ان قوات الدعم السريع متهمة على نطاق واسع بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية فى دارفور ونشير فى هذا الصدد الى حادثتين ، الحاثة الاولى هى اغتيال والى غرب درفور من جانب قوات الدعم السريع او قوات موالية لها اما الحادثة الثانية فهى العثور على جثث 87 شخصا من قبيلة المساليت بمقابر جماعية وتوجيه اتهام مباشر لقوات الدعم السريع من قبل الامم المتحدة بعد عدد من التحقيقات اجرتها فى هذا الخصوص
نحن نظن ان هنالك ارضية صلبة لتأسيس اتهام بصورة جدية لقوات الدعم السريع امام المحكمة الجنائية الدولية وانه على الجهات الداعمة لهذا الاتجاه توفير ادلة كافية امام المحكمة لكى يقوم المدعى العام بفتح دعاوى جنائية ثم احالتها الى المحكمة لتنظر فيها عبر دوائرها المختلفة . وتبقى فقط العقدة الرئسية وهى امكانية تسليم الحكومة السودانية للمتهمين السودانيين الى المحكمة فى ظل وجود عقبات اجرائية نص عليه قانون الاجراءت الجنائية السودانى من عدم امكانية تسليم اية متهم بالجرائم ضد الانسانية او جرائم الحرب ىة جهة خارج السودان بغرض التحقيق او المحاكمة
هذا فيما يتعلق بالجرائم المراكبة فى اقليم دافور ولكن ماذا بشأن الجرائم والانتهاكات التى تم ارتكابها فى ولاية الحرطوم المسرح الرئيسى لذلك النزاع.؟
بالرجوع الى موقف السودان من انضمامه للنظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية نجد انه قد وافق على ذلك الانضمام من جانب مجلس الوزراء الانتقالى ومن مجلس السيادة ولكن اجراءت ذلك الانضمام لم تكتمل نسبة لعدم الحصول على موافقة الهيئة التشريعية انذاك واصدارها كقانون ملزم وعليه فان المحكمة واستنادا على البند الاول من المادة 13 والتى تعطى المحكمة صلاحية فتح تحقيق فى حال كانت الدولة طرف فى النظام الاساسى لا تستطيع فتح تحقيق فى الجرائم التى تم ارتكابها فى ولا ية الخرطوم او اية ولاية اخرى خلاف دارفور ، كما ان المحكمة لا تستطيع بسط سلطتها على الجرائم الواقعة خارج اقليم درافور بموجب القرار 1593 الصادر من مجلس الامن الدولى بما فيها ولاية الخرطوم حيث ان ذلك القرار متعلق بحدود اقليم دافور فقط وعليه فان الانتهاكات للقانون الدولى الانسانى التى وقعت داخل ولاية الخرطوم تكون خارج سلطة المحكمة الجنائية الدولية الى حين صدور الموافقة النهائية من الهيئة التشريعية فى السودان بعد انشاءها او تمديد مجلس الامن للنطاق المكانى للقرار 1593 ليشمل ولاية الحرطوم او اية ولايات اخرى ومع ذلك ووفقا لنصوص القانون الجنائي السوداني فانه يمكن فتح دعاوى جنائية فيما يتعلق بجرائم ضد الانسانية او جرائم حرب ومحاكمتها امام القضاء السودانى
ينص الباب الثمن عشر من القانون الجنائي السودانى على الجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية والجرائم الخاصة بالحرب وهذه نفس الجرائم المنصوص عليها فى المادة الخامسة من النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية وقد قام المشرع السودامى باضافة هذه الجرائم عندما شعر بان المجتمع الدولى مهتم بها حيث اراد ان يقطع الطريق امام تدخل المحكمة الجنائية الدولية للتدخل بمحاكمة الاشخاص السودانيين الذين يقومون بارتكابها وذلك ان تلك المحاكمة تعمل وفق مبدأ القضاء التكميلى وليس الاصيل اى انها تدخل فقط فى حالة عدم وجود قدره او رغبة للدولة المعنية بارتكاب افرادها لتلك الجرائم بمحاكمتهم وبالتالى فان الدولة التى تجرم تلك الافعال من الاساس فانها لا تحظى بما قرره مبدأ التكميل لعمل المحكمة وفى تتدخل هذه الحالة المحكمة مباشرة بعد توفر شرظم الاختصاص والمقبولية
اشتمل هذا الباب بمواده التى تبدأ بالمادة 186 وتنتهى بالمادة 192 (شاملة) على كل الافعال التى تشكل جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وبذلك يكون القانون الجنائي السودانى قد التزم بما تفرضه الاتفاقيات الدولية فى هذا المجال
اردنا القول بان كل الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب التى ارتكبتها قوات الدعم السريع داخل ولاية الخرطوم ا وفى ولايات درفور تقع تحت طائلة القانون ويمكن ان يتم فتح دعوى جنائية ومحاكم المتهمين بارتكابها سواء امام المحكمة الجنائية الدولية فىما يتعلق بالجرائم المرتكبة فى دارفور او امام القضاء الجنائي الوطنى فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة فى ولاية الخرطوم
بالرجوع الى الافعال التى يمكن ان تشكل جرائم محتملة ضد الانسانية او جرائم حرب والتى قانمت بارتكابها قوات الدعم السريع نجد انه وفةى اقليم دافور قد تم توثيق ارتكاب جراءم قتل للمدنيين داخل منازلهم كما تم توثيق – بحسب الامم المتحد – مجمعة من جرائم الابادة الجماعية والتطهير العرقى على اساس الهوية او الجنس ومن بينها فتل مجموعة من قبيلة المساليت ودفنهم فى مقابر جماعية تم اكتشافيها بواسطة الامم المتحدة ومن بين تلك الجرائم قتل والى ولاية رب دارفور الجنرال خميس عبد الله بعد احتطافه بواسطة قوات الدعم السريع كما تم توثيق جرائم اختطاف واتجار تنساء وفتيات داخل منازل تابعة للدعم السريع وقيام تلك القوات ببيعهن وفق بعض المصادر اما فى ولاية الخرطوم فقد قامت قوات الدعم السريع باحتلال مرافق الخدمية للمواطنيين وتحويلها الى ثكنات عسكرية مما يعتبر تعد على الاعيان المدنية المحمية بمجوجب اتفاقية جنيف الرابعة والبرتوكول الاضافى الاول الملحق بها كما قامت قوات الدعم السريع باعتقال وقتل عدد من المدنيين ونهب اموال المدنيين وممتلكاتهم من سيارات ومجوهرات وغيرها هذا فضلا عن احتلالها منازل المواطنيين وطردهم منها
نحن نعتقد ان للجنة التى كونها مجلس السيادة برئاسة النائب العام للتحقيق فى جرائم الدعم السريع لها اختصاصات عدة منها ما يتعلق بالجرائم التى تنتهك القانون الدولى الانسانى فى دارفور ومنها ما يتعلق بالجرائم التى تنتهك القانون الوطنى من سرقة ونهب وقتل فى درافور وهذه الاختصاصات يجب ان تكون واضحة المعالم فى مرسوم تكوين اللجنة حيث ان يجب على اللجنة ان تقوم بتنسيق العمل بين القضاء الوطنى والمحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب التى تم ارتكابها فى دارفور حيث ان هنالك عدد من المنظمات الحقوقية السوادانية قد قامت بتقديم طلب الى المحكمة الجنائية الدولية بشأن التحقيق فى نفس تلك الجرائم وبالرغم من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية اختصاص تكميلى للقضاء الوطنى الا ان التحقيق المفتوح منذ صدور القرار 1593 باحالة الوضع فى دارفور المحكمة الجنائية الدولية يعطى الاولوية لها فى مواصلة عملها فى كل الجرائم المرتكبة فى الاقليم بما فيها الجرائم التى تم ارتكابها فى الحرب الاخيرة بين الجيش والدعم السريع ، اما فيما يتعلق بالجرائم الاخرى المرتكبة فى اقليم دارفور وكل الجرائم المرتكبة فى ولاية الخرطوم فان اختصاص اللجنة يكون بالتحقيق فيها وجمع الادلة وتقديم المتهمين الى القضاء السودانى لمحلكمتهم
najisd2013@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم