الأم شجاعة: عسكرية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

أقرأ جريدة “الخرطوم” من الغلاف إلى الغلاف لأنه لا منافس لها حيث أنا. فتحريرها حريص على أن تصلنا كل صباح (ما عدا الجمعة) في بي دي أف والأخريات غياب. ولفت نظري فيها مؤخراً حكايات صحفية غاية في المتعة والنفع.
أعجبني تحقيق لآمال محمد الحسن عن التبييض. ووقفت على مخاطره القاتلة على لسان الدكتور مامون الرشيد. فليس من عضو بالجسد يسلم من صدأ التبييض. وتوقفت عند أن المبيضة ستنتهي إلى الإدمان لأن مفعول التبيض ينقضي بالتعرض للشمس مما يستدعي أن تسترده بتبييض جديد. وودت مع ذلك لو لم تفسر آمال الإقبال عليه كبحث “عما لا يجده الواحد في نفسه”. فالتبييض صار من عدة تسويق المرأة لنفسها ويكفي لغط الإعلان الخرع عن “غير الدكن” شاهداً على ذلك.
ثم أعجبتني قصة أماني عقار عن الشاب الذي قتل صاحبه في نزاع حول كأس من الخمر. كان يمكن لها أن ترويها كجريمة قتل مثيرة محض كما تجد في الصحف. ولكنها عادت بنا إلى أسرة الشاب في ملابسات تردي معايشه تردياً اضطر الأب العاطل ليهرب بجلده من التزاماته ولا يعود. فنشأ الشاب كارهاً لأمه التي اتهمها بأنها كانت سبب أنه بلا أب مثل رفاقه. فأخذ إلى الشراب بقوة ثم قتل صديقه لنزاع حول كاس من الخمر.   
لم أقرأ عن غزوة الجبهة الثورية روايات مؤثرة من شهود عيان مثل ما قرأت لأحدهم عن عسكرية في الرهد ولأحمد عبد المنعم عن الترزي أبو الرجال في حي مايو بالخرطوم. واستثني يوسف عبد المنان في “المجهر”في أخذه روايات شهود عيان عن أب كرشولا (وليس أم  كرشولا كما كتبتها خطأ قبل أيام). وأرشحه لجائزة أفضل تحقيق عن ضحايا جزافيين بدا أن الصفوة على الضفتين في طريقها المعجل لنسيانهم لتخرج لنا بضحايا آخرين.
كلبت شعرة جلدي روعاً وورعاً وأنا أقرأ عن عسكرية والعم محمد علي. أما عسكرية فقد فرت من أب كرشولا راجلة مع طفلها. ثم عثرت في الطريق على جماعة من الأطفال ممن أضاعهم أهلهم. فما هانوا عليها. فعادت إلى البلدة بخفاء وأعدت لهم طعاماً أخذته لهم ثم أشرفت على رحلتهم العصيبة إلى مأمن في بلدة الرهد. واجتمع حولها نازحو أب كرشولا واستعادوا أطفالهم من أم شجاعة. وتعريف الشجاعة هو رباطة الجاش عند الفزع. أما محمد فقد فتح بيته العشوائي بمايو الخرطوم لأهله من أب كرشولا فأجتمعت فيه 25 نفساً عيشهم على ماكينة خياطة مؤجرة ب25 جنيهاً شهرياً. وساء نازحة جفاء الوطن الذي أخرجها من بلد قالت إنها لم تجع فيها كما جاعت في الخرطوم. أما المفاجأة فقد كانت محمد نفسه. مد له الصحفي شيئا من المال من فرط تأثره بالقصة التي غطاها فرده محمد قائلاً: “ديل أهلي وما بغلب منهم”. وهذه مادة الوسامة والتوكل والدراما الغراء.
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً