علاء خيراوي
■ الأوغاد لا يهدأون؛ وهذه، ربما، أول حقيقة ينبغي أن يعترف بها السودانيون وهم ينظرون إلى ما يجري حولهم. فمنذ أن أطاحت ثورة ديسمبر برأس نظام الإنقاذ، لم تتوقف قواه يوماً عن العمل للعودة؛ تآمرت على الانتقال، وناورَت داخله، وحشدت ضده، واستثمرت في أخطائه وانقساماته، ثم وجدت في انقلاب ٢٥ أكتوبر طريقاً لإعادة فتح أبواب الدولة أمامها، وفي حرب ١٥ أبريل الكارثة التي يمكن أن تعيد خلط الأوراق كلها. واليوم يتحرك البرهان وقوى النظام السابق وحلفاؤهما في أكثر من اتجاه؛ في الداخل لإعادة ترتيب السلطة ومؤسساتها، وفي الإقليم بحثاً عن المال والسند والاعتراف، وفي الخارج لتقديم الأمر الواقع باعتباره الحقيقة التي ينبغي للعالم التعامل معها. والمفارقة الموجعة أن الذين أسقطهم السودانيون بثورة دفعت أثماناً باهظة يتصرفون اليوم كأنهم أصحاب المبادرة، بينما يتصرف بعض أصحاب الثورة كأنهم ينتظرون دعوة إلى مائدة يصنعها خصومهم! ولذلك فإن السؤال لم يعد؛ ماذا يفعل البرهان؟ وماذا يريد الإسلاميون؟ وماذا تخطط هذه العاصمة الإقليمية أو تلك؟ فنحن نعرف، في خطوطه العريضة، ما يريدون؛ السؤال الذي تأخر كثيراً هو؛ ماذا سيفعل الشعب السوداني وقواه المدنية لاستعادة زمام المبادرة؟
■ البداية هي أن يفهم المدنيون أن مشكلتهم ليست أنهم بلا قوة، وإنما أن قوتهم الهائلة مبعثرة. مبعثرة بين صمود وتأسيس. فالشارع الذي خرج بالملايين في ديسمبر ٢٠١٨ لم يتبخر، بل زادت معاناته الاف المرات، وافقر ونزح واهينت كرامته، ومطلب الدولة المدنية لم يمت لأن المدافع أصبحت أعلى صوتاً، والسودان ما يزال ممتلئاً بالنقابات والمهنيين ولجان المقاومة والنساء والشباب والطلاب والمزارعين والعمال والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني والمستقلين، وإلى جانبهم ملايين السودانيين في المهاجر. لكن هذه الكتلة الاجتماعية الهائلة تحتاج إلى مركز ثقل مدني يجمعها؛ لا تحالف جديد يضاف إلى عشرات التحالفات، ولا مؤتمر آخر تتوزع فيه المقاعد، وإنما جبهة وطنية مدنية عريضة حول الحد الأدنى الذي لا يحتمل المساومة؛ وقف الحرب، ورفض حكم الجيش والمليشيا، ورفض عودة نظام الإنقاذ وشبكاته إلى السلطة، وجيش وطني مهني واحد، ودولة مواطنة وعدالة، وانتقال ينتهي إلى حكم مدني ديمقراطي كامل. ولا يحتاج الذين يجتمعون حول ذلك إلى الاتفاق في الاقتصاد أو شكل الفيدرالية أو تفاصيل الدستور أو من يحكم بعد عشر سنوات؛ فتلك معارك السياسة الطبيعية التي يمكن خوضها غداً. أما اليوم فالمعركة على شيء أسبق؛ من يملك الدولة نفسها؟ ومن هنا ينبغي إعادة بناء أدوات المقاومة المدنية؛ التنظيم النقابي، والعمل الجماهيري السلمي، والإعلام، والتوثيق، والمقاطعة، والضغط الحقوقي، والاستعداد للإضراب والعصيان المدني عندما تتوافر شروطهما. فالخطأ القاتل هو أن نقيس قوة المدنيين بعدد البنادق التي لا يملكونها؛ بينما قوتهم الحقيقية في قدرتهم على جعل حكم السودان ضد إرادة شعبه مستحيلاً.
■ ثم إن هناك جبهة أفريقية تركها المدنيون أقل استثماراً بكثير مما تستحق. فأفريقيا ليست عدواً للتحول المدني في السودان؛ والاتحاد الأفريقي اتخذ بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ موقفاً واضحاً بتعليق مشاركة السودان في أنشطته إلى حين استعادة السلطة الانتقالية بقيادة مدنية، ولا تزال دول أفريقية عديدة تنادي بوقف الحرب والحل السياسي والعودة إلى الحكم المدني. ولذلك لا يجوز أن يُختزل الموقف الأفريقي كله في أداء مسؤول هنا أو بعض المواقف المثيرة للريبة والجدل داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي هناك؛ فأفريقيا أكبر من هؤلاء جميعاً. وكان ينبغي منذ وقت طويل أن تكون للقوى المدنية دبلوماسيتها الأفريقية الخاصة؛ وفود دائمة تتحرك بين أديس أبابا وبريتوريا ونيروبي وأبوجا وأكرا وداكار وغيرها، وعلاقات مباشرة مع الحكومات والبرلمانات والأحزاب والنقابات والجامعات ومراكز الفكر والإعلام والمجتمع المدني الأفريقي، تحمل رسالة بسيطة؛ إن السودانيين لا يريدون تفكيك جيشهم ولا استبداله بمليشيا، وإنما يريدون جيشاً وطنياً يحمي الدولة ولا يحكمها، ويريدون إنهاء الحرب لا مكافأة صانعيها بالسلطة. هذه واحدة من أقوى أوراق المدنيين المعطلة؛ فبينما يتحرك خصومهم بين العواصم بحثاً عن الشرعية، يتركون هم رصيداً أفريقياً كاملاً للتحول المدني بلا استثمار سياسي يوازي أهميته.
■ والأمر نفسه ينطبق على الساحة الدولية، وبصورة خاصة الولايات المتحدة والرباعية. فهناك موقف معلن يمكن للقوى المدنية أن تبني عليه وتطالب أصحابه بالاتساق معه؛ لا حل عسكرياً للحرب، ومستقبل السودان لا ينبغي أن تحدده الأطراف المتحاربة، والمطلوب انتقال إلى حكم مدني، مع موقف أمريكي أكثر وضوحاً تجاه شبكات الإسلاميين وقوى النظام السابق التي تعمل على تقويض الانتقال. والمفارقة هنا أن بعض الدول الإقليمية التي يثير سلوكها تجاه السودان أسئلة واعتراضات هي نفسها جزء من ترتيبات الرباعية ومواقفها المعلنة؛ وهذه ليست حجة للتخلي عن الرباعية، وإنما ورقة لمحاسبة أعضائها بما وقعوا عليه هم أنفسهم. وعلى القوى المدنية ألا تنتظر المبعوث الأمريكي حتى يستدعيها، بل أن تكون لها دبلوماسية محترفة ودائمة في واشنطن؛ داخل الإدارة والكونغرس ومراكز التفكير والإعلام والمنظمات الحقوقية، تحمل ملفات موثقة عن شبكات النظام السابق، وتمويل الحرب، والتدخلات الخارجية، ومحاولات تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية. وأوروبا تظل مهمة في ملفات السلام والحكم المدني والعدالة والعقوبات، لكنها ليست بالضرورة رأس الحربة في المعركة الخاصة بإبعاد شبكات الإسلاميين عن مستقبل الحكم. ولذلك ينبغي ترتيب ساحات القوة بذكاء؛ أمريكا والرباعية في مركز الضغط الدولي، وأفريقيا ظهير سياسي طبيعي للتحول المدني، وأوروبا قوة مساندة، والشتات السوداني شبكة ضغط تمتد بينها جميعاً. فالسياسة الخارجية ليست بيانات شكر للمواقف الدولية؛ إنها معركة مصالح، ومن لا يذهب إلى العواصم ليشرح قضيته سيجد خصمه هناك يشرحها نيابة عنه.
■ الأوغاد لا يهدأون؛ ولذلك لا يجوز لأصحاب الثورة أن يهدأوا هم. وإذا كان خصوم الدولة المدنية يعملون كل صباح على السؤال؛ كيف نحتفظ بالسلطة؟ فعلى المدنيين أن يبدأوا كل صباح بسؤال أكبر؛ كيف نسترد الدولة؟ لا باستبدال بندقية ببندقية، ولا بالبحث عن دولة إقليمية تواجه دولة إقليمية أخرى، وإنما ببناء قوة سياسية لا يستطيع أحد تجاوزها؛ مركز ثقل مدني واحد، وشارع منظم، ومشروع مكتوب لليوم التالي، ودبلوماسية أفريقية نشطة، وحضور دائم في واشنطن وعواصم الرباعية، وتحالف دولي يحمي مطلب الحكم المدني، وقرار قاطع بعدم منح أي سلطة عسكرية شهادة شرعية مدنية. والأهم أن يضع هذا المركز أمام السودانيين تصوراً واضحاً للدولة التي يريدها؛ كيف تتوقف الحرب، وكيف يُبنى جيش وطني واحد، وكيف يخرج العسكر من السياسة، وكيف تُحل المليشيات، وكيف تُفكك شبكات التمكين، وكيف تتحقق العدالة دون انتقام، وكيف يعود النازحون واللاجئون، وكيف تستعاد مؤسسات الدولة والاقتصاد. فالبرهان والإسلاميون وحلفاؤهم الإقليميون يملكون مشروعاً ويعملون من أجله، ومن العبث مواجهتهم بمجرد الاعتراض على مشروعهم؛ المشروع لا يهزمه إلا مشروع، والتنظيم لا يهزمه إلا تنظيم، والعمل المتواصل لا يهزمه الانتظار. وقد تستطيع البنادق أن تمنح أصحابها الأرض لبعض الوقت، وقد يستطيع المال الإقليمي أن يطيل عمر الأمر الواقع، ولكن ذلك كله لا يصبح مستقبلاً إلا إذا ترك له السودانيون الساحة. ولهذا فإن المهمة الآن ليست انتظار ما سيفعله الأوغاد؛ إنها ألا نترك لهم لحظة أخرى يقررون فيها، وحدهم، ماذا سيكون السودان.
