زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
في ظل الحرب المستمرة التي يشهدها السودان منذ سنوات، يواجه الإعلام المرئي حالة من التدهور الحاد، تؤثر بشكل مباشر على قدرة القنوات الفضائية السودانية على أداء دورها الإعلامي والمهني. هذه الأزمة تعكس بُعدًا أعمق يتعلق بالمشهد الإعلامي والاجتماعي والسياسي في البلاد، حيث يعاني الإعلاميون داخل السودان وخارجه من تحديات مضاعفة تهدد سلامتهم الشخصية والمهنية.
واقع القنوات الفضائية
يبلغ عدد القنوات الفضائية السودانية المرخصة 25 قناة، إلا أن الظروف الأمنية الصعبة أدت إلى تقليص القنوات النشطة إلى 12 فقط. وتتوزع هذه القنوات بحسب نوعها إلى 40% إخبارية مثل “تلفزيون السودان” و”الشروق” و”النيل الأزرق”، و25% دينية كقناتي “البلد و”وسودانية 24″، إضافة إلى 20% قنوات عامة وترفيهية، و15% متخصصة في مجالات كالرياضة والثقافة.
تحديات فنية ومادية بالغة
تواجه هذه القنوات تحديات ضخمة، من بينها انقطاع الكهرباء المستمر، حيث تعتمد 70% منها على مولدات كهربائية مكلفة تصل تكلفتها إلى 5000 دولار شهريًا. كما أدى استهداف مبنى “الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون” في الخرطوم عام 2023 إلى تعطيل البث والتنسيق الفني، بينما نجم عن انخفاض الإعلانات بنسبة 90% تراجع حاد في الموارد المالية، مما يحد من قدرة القنوات على تطوير محتواها وتحسين بنيتها التقنية.
أداء مهني متراجع
يشهد المشهد الإعلامي غيابًا شبه كامل للتوازن في التغطية، إذ تنقسم القنوات بين موالية للجيش وقوات الدعم السريع، مع تحيز واضح يتأثر بالجهة الممولة. كما تهيمن البرامج الحوارية على ما يقرب من 85% من البث، مع غياب التحقيقات الاستقصائية والتحليلية الجادة. ويضاف إلى ذلك تدهور الجودة التقنية مع بث متقطع لا يتجاوز دقته 480p بسبب انهيار أنظمة البث عبر الأقمار الصناعية.
أبرز القنوات وتوجهاتها
قناة “السودانية” الحكومية سابقًا أصبحت تحت سيطرة الجيش، تقدم سردية موحدة أثارت انتقادات حول مصداقيتها، التي بلغت 28% فقط وفق استطلاع “مرصد الإعلام السوداني” 2024.
قناة “تي اس سي” الخاصة المرتبطة بقوات الدعم السريع، تركز تغطياتها على انتهاكات الجيش.
قناة “النيل الأزرق” تحاول تغطية الأوضاع الإنسانية، لكنها تواجه انقطاعات بث متكررة بسبب نقص الوقود.
مشكلات هيكلية مزمنة
تتفاقم الأوضاع بوجود رقابة مزدوجة تشمل تدخلات عسكرية مباشرة ورقابة ذاتية من الإعلاميين خشية الإغلاق. يعاني الإعلام السوداني أيضًا من نزيف كفاءات حيث هاجر 65% من الصحفيين المحترفين إلى دول مثل مصر وتركيا وقطر منذ بداية الحرب. كثير من هؤلاء الصحفيين يتعرضون لتهديدات أمنية دفعت البعض إلى التهجير، مثل حالات الصحفيين العالقين في السعودية أو اللاجئين في دول أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، انتشرت الأخبار غير الموثوقة بنسبة تصل إلى 40% وفق تقرير “فريدوم هاوس”، مما زاد من حالة التضليل وتدهور الثقة في الإعلام.
الحرب كسلاح إعلامي
تحول الإعلام إلى أداة لنشر أخبار كاذبة تهدف إلى رفع المعنويات، مثل الادعاءات المتكررة بسقوط مدينة بورسودان سبع مرات خلال 2023. وتجاهل الإعلام لقضايا اجتماعية هامة كالتهديد بالمجاعة الذي يطال 25 مليون سوداني، وانهيار التعليم مع إغلاق 72% من المدارس، يعكس انحياز التركيز إلى الصراعات العسكرية على حساب قضايا المجتمع الأساسية.
مبادرات واعدة رغم الظروف
وسط هذه التحديات، برزت مبادرات إعلامية إيجابية، منها منصة “أم درمان” الإخبارية التي تبث عبر “يوتيوب” وتتمتع بمتابعة جماهيرية تجاوزت 1.2 مليون متابع. كما أطلقت شبكة “صحفيون من أجل السودان” تحقيقات مشتركة مع وسائل إعلام دولية كـ”بي بي سي” و”مونت كارلو”، بينما يلعب الإعلام المجتمعي ومنصات مثل “تيك توك” دورًا متزايدًا في نقل أحداث الحرب بشكل مباشر.
مستقبل الإعلام المرئي في السودان
تشير المؤشرات إلى أن استمرار التدهور قد يؤدي إلى إغلاق نحو 7 قنوات صغيرة تقترب من الانهيار، فيما يتجه الإعلام إلى تحوّل رقمي يعتمد أكثر على منصات التواصل الاجتماعي كبديل للبث الفضائي. قد تفتح التسوية السياسية المحتملة نافذة لعودة الدعم الدولي عبر اليونسكو والاتحاد الأوروبي لإعادة بناء البنية التحتية الإعلامية.
الإعلام المرئي السوداني يعاني حالة “موت سريري” نتيجة الاستقطاب السياسي الذي أفقده المصداقية، وانهيار البنية التحتية، وغياب الحماية للإعلاميين، حيث قُتل 14 صحفيًا منذ 2023. ورغم هذه الظروف الصعبة، يبقى الإعلام السوداني أمام تحدٍ كبير لإعادة بناء نفسه كمنصة مهنية موضوعية وموثوقة قادرة على نقل الحقيقة والدفاع عن الديمقراطية والسلام في السودان.
يبقى الصحفيون السودانيون، داخل البلاد وخارجها، يتحدون المخاطر والصعوبات من أجل إيصال صوت وطنهم إلى العالم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم