الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع في السودان

الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع في السودان: الدولة داخل الدولة، مصادر التراكم، شبكات النفوذ، وتحولات الدولة والاقتصاد غير الرسمي

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تتناول هذه الدراسة الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع في السودان بوصفه نموذجاً مركباً لتحول الفاعلين المسلحين إلى كيانات اقتصادية–عسكرية هجينة أعادت تشكيل بنية الدولة والاقتصاد في سياق الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، والتي تمثل ذروة مسار طويل من إعادة إنتاج العنف المرتبط بالموارد منذ حرب دارفور في 2003 ثم التحولات البنيوية الكبرى بعد انفصال جنوب السودان في 2011، والذي أدى إلى فقدان الدولة السودانية ما يقارب 75% من عائداتها النفطية، وبالتالي انتقال مركز الثقل الاقتصادي إلى الموارد المعدنية وعلى رأسها الذهب، الذي أصبح العمود الفقري للاقتصاد الموازي والتمويل غير الرسمي للحرب.

ينطلق التحليل من فرضية مركزية مفادها أن انهيار نموذج الدولة الريعية لم يكن مجرد أزمة مالية، بل تحول بنيوي في طبيعة الدولة نفسها، حيث أدى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين العنف والاقتصاد بحيث أصبح العنف أداة إنتاج مباشرة للقيمة الاقتصادية وليس مجرد وسيلة صراع سياسي. وتشير البيانات إلى أن إنتاج الذهب في السودان تراوح بين 80 و100 طن سنوياً في الفترة 2018–2022، مع ارتفاع كبير في التهريب الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه يتجاوز 60% من الإنتاج الفعلي، عبر شبكات تمتد من مناطق التعدين في شمال دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق إلى حدود تشاد وليبيا ومصر، وصولاً إلى أسواق إعادة التصدير في الإمارات العربية المتحدة وتركيا.

يوضح الإطار النظري أن الاقتصاد السياسي للعنف في السودان يقوم على ثلاث عمليات مترابطة: أولها تحويل العنف إلى آلية إنتاج اقتصادي من خلال السيطرة على الموارد والمعابر، وثانيها تفكك السيادة الاقتصادية للدولة بحيث تتعدد مراكز القرار المالي والعسكري، وثالثها نشوء فاعلين مسلحين قادرين على بناء سلاسل قيمة اقتصادية متكاملة تمتد من الاستخراج إلى التصدير. ويستند هذا التحليل إلى مفاهيم الاقتصاد الحربي، والريع المسلح، والاقتصاد القسري، حيث يصبح العنف نفسه جزءاً من بنية السوق وليس خارجاً عنها.

توضح الخلفية التاريخية أن قوات الدعم السريع نشأت من رحم حرب دارفور في أوائل العقد الأول من الألفية، حيث تم تشكيلها في البداية كقوة شبه عسكرية لمحاربة التمرد، قبل أن يتم تقنينها تدريجياً داخل الدولة في الفترة بين 2013 و2017، وصولاً إلى تحولها إلى قوة شبه مستقلة ذات بنية اقتصادية وعسكرية متداخلة. وقد لعبت مناطق دارفور وكردفان، التي تحتوي على أهم مناجم الذهب في السودان مثل جبل عامر، دوراً محورياً في توفير الموارد المالية الأولية، حيث تشير التقديرات إلى أن منجم جبل عامر وحده كان ينتج في بعض السنوات ما يقارب 20% من إنتاج السودان الكلي من الذهب.

في تحليل مصادر الاقتصاد السياسي للقوات، يتبين أن الذهب يمثل المصدر المركزي للتمويل، عبر السيطرة على مواقع الإنتاج في شمال ووسط دارفور، وتشغيل شبكات تهريب منظمة تمر عبر الصحراء الكبرى إلى ليبيا وتشاد، حيث يتم إعادة تدويره في أسواق إقليمية ودولية. كما تشير تقارير أممية إلى أن جزءاً كبيراً من الذهب السوداني يتم تصديره بشكل غير رسمي عبر شركات وسيطة، ويعاد بيعه في الأسواق العالمية كذهب “نظيف” بعد خلطه بإنتاج دول أخرى. إضافة إلى ذلك، تمثل الجبايات غير الرسمية عند نقاط التفتيش مصدراً ثابتاً للدخل، حيث تفرض القوات رسوماً على الشاحنات التجارية تتراوح بين 5% و20% من قيمة البضائع، مع تفاوت حسب نوع السلع (وقود، مواد غذائية، ماشية، سلع صناعية) والمناطق الجغرافية (دارفور، كردفان، طرق الربط مع الخرطوم وبورتسودان).

كما يتضمن الاقتصاد السياسي للقوات شبكات استثمارية غير مباشرة تشمل شركات واجهة تعمل في قطاعات العقارات في الخرطوم، والزراعة في ولايات النيل، والتجارة عبر الموانئ، إضافة إلى استثمارات مرتبطة بشركات أمنية ولوجستية. وتشير التحليلات إلى أن هذه الشركات تعمل كأدوات لدمج رأس المال العسكري داخل الاقتصاد الرسمي مع الحفاظ على قنوات موازية للتمويل. ويضاف إلى ذلك اقتصاد الحرب الذي يقوم على السيطرة المباشرة على المدن والمعابر والمناطق الريفية، حيث يتم فرض أنماط جديدة من التبادل القسري، وإعادة توجيه حركة السلع وفق منطق القوة المسلحة.

تُظهر الشبكات الاقتصادية غير الرسمية أن قوات الدعم السريع لا تعمل كفاعل منفصل، بل ضمن منظومة ممتدة تشمل تجار الذهب المحليين في دنقلا وشندي، وشبكات قبلية في دارفور، ووسطاء إقليميين في ليبيا وتشاد، وشركات إعادة تصدير في الخليج. هذه الشبكات تعمل كحلقة وصل بين الاقتصاد المحلي والاقتصاد العالمي، حيث يتم تحويل الذهب من سلعة محلية إلى أصل مالي عالمي عبر سلاسل معقدة من التهريب والتكرير وإعادة التصدير.

على مستوى الدولة، أدى هذا التحول إلى انهيار كبير في المركزية الاقتصادية، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد غير الرسمي أصبح يمثل ما بين 65% و75% من النشاط الاقتصادي الكلي خلال الحرب. كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 30% و40% منذ 2023، مع انهيار واسع في البنية الإنتاجية في الخرطوم والجزيرة ودارفور. كما فقد الجنيه السوداني أكثر من 500% من قيمته بين 2021 و2024، نتيجة انهيار الإيرادات العامة وتوسع الاقتصاد الموازي وتعدد مراكز إصدار القوة الاقتصادية.

وتشير التحليلات إلى أن هذه التحولات أدت إلى تفكك آليات السياسة النقدية، حيث فقد البنك المركزي القدرة على ضبط سعر الصرف أو السيطرة على الكتلة النقدية، في ظل تعدد مصادر النقد غير الرسمي. كما أدى النزاع إلى نزوح أكثر من 12 إلى 14 مليون شخص داخلياً وخارجياً، وهو ما يمثل أحد أكبر أزمات النزوح في العالم المعاصر.

في الجانب الاختباري، يمكن صياغة نموذج كمي يربط بين سيطرة الفاعلين المسلحين على الموارد الطبيعية ومستوى الاستقلال المالي، حيث تشير الدراسات إلى أن الفاعلين الذين يسيطرون على الموارد الاستخراجية يمتلكون قدرة تمويل ذاتي تتجاوز 50% مقارنة بالفاعلين المعتمدين على التمويل الخارجي. كما يمكن قياس العلاقة بين توسع شبكات التهريب عبر الحدود واستمرارية النزاع، حيث تُظهر البيانات أن استمرار تدفقات الذهب غير الرسمي يمثل أحد أهم عوامل إطالة أمد الحرب.

وفي الإطار النظري الأوسع، تؤكد الحالة السودانية أن الفاعلين المسلحين في الدول الهشة يتحولون إلى وحدات اقتصادية إنتاجية تمتلك القدرة على إدارة سلاسل قيمة كاملة، من الاستخراج إلى التصدير، بما يجعل العنف جزءاً من عملية التراكم الرأسمالي وليس مجرد أداة صراع. وتظهر قوات الدعم السريع كنموذج لهذه التحولات، حيث انتقلت من قوة محلية إلى فاعل اقتصادي إقليمي يربط السودان بأسواق الذهب في الخليج وشمال إفريقيا.

كما يبرز التحليل أن العنف في هذا السياق يتحول إلى آلية تنظيم بديلة للأسواق، حيث تحل القوة المسلحة محل القانون الرسمي في فرض الضرائب والرسوم وتحديد قواعد التبادل الاقتصادي، مما يؤدي إلى نشوء اقتصاد إكراهي مزدوج يتعايش فيه النظام الرسمي مع النظام الموازي القائم على القوة.

وتخلص الدراسة إلى أن الحالة السودانية تمثل نموذجاً مكثفاً لتحول الدولة من كيان مركزي يحتكر السيادة إلى بنية متعددة المراكز تتقاسم فيها القوى العسكرية والاقتصادية وظائف الدولة، بما يعيد تعريف مفهوم الدولة الحديثة بوصفها كياناً موزع السيادة وليس مركزياً، حيث تتداخل فيه السلطة الاقتصادية والعسكرية والقانونية في شبكات متنافسة ومعقدة تمتد محلياً وإقليمياً ودولياً.

النص الكامل للمقال

المقدمة

يرتبط تشكل قوات الدعم السريع في السودان بسياق تاريخي ممتد من إعادة بناء الدولة السودانية منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث تزامن تراجع احتكار الدولة للعنف مع توسع الاقتصاد السياسي للحرب في الأطراف، خصوصاً دارفور والمناطق الحدودية (de Waal, 2024; Johnson, 2022; World Bank, 2025). وقد نشأت هذه القوة ضمن استراتيجيات أمنية غير مباشرة اعتمدت على تسليح وتجنيد مجموعات محلية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى كيان شبه مؤسسي يمتلك استقلالاً تنظيمياً ومالياً متزايداً عن المؤسسة العسكرية الرسمية (Tubiana, 2023; Small Arms Survey, 2023; International Crisis Group, 2024).

شهد هذا التحول مساراً تراكمياً ارتبط بإعادة تشكيل بنية الاقتصاد السوداني، حيث أصبح الذهب والموارد الطبيعية غير النفطية مركزاً رئيسياً في تمويل الفاعلين المسلحين، مع توسع شبكات تهريب وتجارة عابرة للحدود تربط السودان بليبيا وتشاد ودول الخليج (Baldo and Soliman, 2025; Wilson Center, 2025; Global Initiative, 2025). وتشير تقارير متعددة إلى أن الذهب أصبح يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي خارج النظام المصرفي الرسمي، عبر قنوات تصدير موازية لا تخضع للرقابة الحكومية الكاملة (SIPRI, 2024; World Bank, 2025).

تتمثل الإشكالية المركزية في تفسير كيفية تشكل منظومة اقتصادية–سياسية داخل جهاز يفترض أنه جزء من الدولة، في حين أظهرت الوقائع العملية وجود اقتصاد حرب موازٍ يتداخل مع الاقتصاد الرسمي ويعيد تشكيله من الداخل (African Development Bank, 2024; IMF, 2024; ENACT Africa, 2025). ويعكس ذلك انتقال السودان من نموذج الدولة الريعية المركزية إلى نموذج الدولة متعددة مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية، حيث تتوزع السيطرة على الموارد بين الجيش، وقوات الدعم السريع، وشبكات اقتصادية مدنية غير رسمية (Carnegie Endowment, 2024; Royal United Services Institute, 2024).

وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، بحيث لم تعد الدولة قادرة على احتكار الموارد أو ضبط تدفقاتها المالية، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من الفاعلين الاقتصاديين المسلحين وغير المسلحين (Global Initiative, 2025; Transparency International, 2024; Saferworld, 2024). وتظهر البيانات أن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي المرتبط بالتعدين والتهريب يتم خارج الإطار الرسمي، لكنه يظل متصلاً بشكل غير مباشر بمؤسسات الدولة عبر شبكات وساطة معقدة (United Nations Panel of Experts, 2024; Financial Action Task Force, 2024).

وتكمن أهمية الدراسة في تفسير ثلاث عمليات مترابطة: تآكل مركزية الدولة، توسع الاقتصاد الموازي المرتبط بالعنف، وإعادة توزيع السلطة والثروة خارج المؤسسات الرسمية (African Development Bank, 2024; IMF, 2024; Brookings Institution, 2024). وقد أدى ذلك إلى نشوء اقتصاد سياسي للعنف يعتمد على تحويل القوة العسكرية إلى أداة إنتاج اقتصادي مستمرة وليست ظرفية (World Peace Foundation, 2024; ENACT Africa, 2025).

تشير التقديرات إلى أن قطاع الذهب في السودان شهد نمواً كبيراً خلال العقدين الأخيرين، حيث أصبح أحد أهم مصادر الدخل غير الرسمي، مع وجود شبكات إنتاج تمتد من التعدين الأهلي إلى التصدير عبر وسطاء إقليميين ودوليين (Global Initiative, 2025; Wilson Center, 2025). وتعمل هذه الشبكات ضمن اقتصاد مزدوج يدمج بين القنوات الرسمية وغير الرسمية، مما يجعل من الصعب فصل الاقتصاد القانوني عن الاقتصاد الموازي (Clingendael Institute, 2024; Financial Action Task Force, 2024).

تنطلق الدراسة من أسئلة تحليلية تتعلق بمصادر التمويل، وآليات تحويل الموارد الاقتصادية إلى قوة عسكرية وسياسية، وطبيعة العلاقة بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي داخل الدولة (United Nations Panel of Experts, 2024; Global Initiative, 2025). وتفترض وجود ثلاثة أنماط تفسيرية: استقلال اقتصادي نسبي، تبعية للدولة، واقتصاد هجين يجمع بين النمطين (Clingendael Institute, 2024; Carnegie Endowment, 2024).

ويظهر التحليل البنيوي أن هذه التحولات ارتبطت بانهيار تدريجي للنموذج الريعي للدولة السودانية، حيث أدى ضعف المؤسسات المالية والضريبية إلى توسع الاعتماد على الموارد الطبيعية غير الخاضعة للرقابة، وخاصة الذهب، كمصدر أساسي للتمويل (Baldo and Soliman, 2025; IMF, 2024; SIPRI, 2024). كما ساهمت النزاعات المسلحة في دارفور والمناطق الحدودية في تعزيز اقتصاد الحرب الذي يعتمد على السيطرة الميدانية على الموارد (Small Arms Survey, 2023; Tubiana, 2023; Johnson, 2022).

وتعتمد الدراسة على مفاهيم الاقتصاد الموازي، اقتصاد الحرب، الاقتصاد القسري، والريع المسلح، حيث تشير هذه المفاهيم إلى تحول العنف إلى وسيلة إنتاج اقتصادي وإعادة توزيع للموارد وليس مجرد أداة صراع سياسي (Royal United Services Institute, 2024; Saferworld, 2024; Geneva Centre for Security Policy, 2024). ويعكس ذلك تحول الدولة السودانية من سيادة مركزية إلى سيادة موزعة بين فاعلين مسلحين واقتصاديين (Carnegie Endowment, 2024; African Union, 2024).

وعلى المستوى المؤسسي والقانوني، نشأت قوات الدعم السريع خارج البنية الدستورية التقليدية للقوات المسلحة، مما أدى إلى ازدواج في سلسلة القيادة وتعدد مراكز السلطة العسكرية (Human Rights Watch, 2024; United States Institute of Peace, 2024). وقد نتج عن ذلك نظام حكم مزدوج تتداخل فيه السلطة العسكرية والاقتصادية بين الجيش والقوة شبه العسكرية (International Institute for Strategic Studies, 2024; Swiss Peace, 2024).

كما أدى المسار القانوني التدريجي إلى تكريس وضع مؤسسي هجين، حيث تم إنشاء الكيان وتوسيعه عبر قرارات تنفيذية دون إطار تشريعي متكامل، مما أدى إلى تعدد مراكز القوة داخل الدولة الواحدة (African Union, 2024; Geneva Centre for Security Policy, 2024). وقد انعكس ذلك على مبدأ احتكار العنف، الذي أصبح موزعاً بين فاعلين متعددين يمتلك كل منهم أدوات اقتصادية وعسكرية مستقلة نسبياً (United Nations Security Council, 2024; Transparency International, 2024).

ويترتب على ذلك إشكال قانوني في المسؤولية الدولية، حيث يمكن تحميل الدولة مسؤولية أفعال قوات شبه مستقلة تعمل ضمن نطاقها الجغرافي والسياسي، رغم استقلالها التنظيمي الجزئي (United Nations Panel of Experts, 2024; Human Rights Watch, 2024). ويؤدي هذا إلى تعقيد العلاقة بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية داخل الدولة السودانية.

وينتهي التحليل إلى أن قوات الدعم السريع لم تعد مجرد أداة أمنية، بل أصبحت فاعلاً اقتصادياً–سياسياً يؤثر في بنية الدولة نفسها، مما أدى إلى نشوء نموذج حكم مزدوج بين الجيش والقوة شبه العسكرية، مع تداخل كامل بين الاقتصاد والعنف والسيادة (de Waal, 2024; World Peace Foundation, 2024; Johnson, 2022).

الإطار النظري

الاقتصاد السياسي للعنف

يقوم تحليل الاقتصاد السياسي للعنف على فهم العنف بوصفه جزءاً بنيوياً من عملية إنتاج السلطة والثروة داخل الدول الهشة، وليس مجرد ظاهرة أمنية ظرفية (Collier, 2004). وتُظهر الأدبيات المقارنة أن النزاعات المسلحة في إفريقيا والشرق الأوسط تتغذى بشكل مباشر على الموارد الطبيعية القابلة للتسويق مثل الذهب والنفط والماس، حيث تتحول هذه الموارد إلى مصادر تمويل رئيسية للفاعلين المسلحين وتُطيل أمد الصراع (Ross, 2004).

في حالة السودان، تشير الدراسات الميدانية إلى أن الذهب أصبح المورد الأكثر حساسية في تمويل الحرب، إذ يُقدَّر الإنتاج السنوي في بعض السنوات الأخيرة بحوالي 80 طناً بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار، مع نسبة تهريب تتجاوز 50% عبر شبكات إقليمية تتجه نحو الإمارات ودول الجوار (Financial Times, 2024). ويعكس ذلك تحوّل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد حرب غير مركزي، حيث تتوزع السيطرة على الموارد بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع وشبكات محلية مسلحة.

يرتبط اقتصاد الحرب هنا بإعادة إنتاج الفاعلين المسلحين عبر خلق مصادر دخل مستقلة عن الدولة، بما يسمح باستدامة العنف وتحويله إلى نشاط اقتصادي دوري (Kaldor, 2012). ويُلاحظ أن مناطق التعدين الأهلي في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق تشكل مراكز إنتاج اقتصادية غير رسمية ترتبط مباشرة بشبكات مسلحة، حيث تُفرض إتاوات ورسوم حماية على عمليات التعدين والنقل والتجارة.

ينتج عن ذلك نموذج “تراكم القوة عبر العنف” الذي يفترض أن العنف ليس مجرد وسيلة للسيطرة بل أداة مباشرة لإنتاج القيمة الاقتصادية من خلال التحكم في الموارد وسلاسل التوريد والمعابر الحدودية (North et al., 2009). ويتجلى هذا النموذج في السودان عبر سيطرة القوات شبه العسكرية على مواقع تعدين الذهب، وإدارة شبكات تهريب تمتد إلى ليبيا وتشاد وجنوب السودان، حيث تُستخدم هذه الشبكات لتوفير العملات الأجنبية وتمويل العمليات العسكرية.

تشير تقارير بحثية إلى أن الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 2023 يتمحور جزئياً حول السيطرة على سلاسل الذهب التي تُعد المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي، وهو ما جعل هذا القطاع محوراً مركزياً في استمرار الحرب (Chatham House, 2025). كما أن تداخل المصالح الإقليمية، خاصة عبر أسواق إعادة التصدير في الشرق الأوسط، عزز من تدويل الاقتصاد الحربي السوداني وربطه بشبكات عالمية للسلع الاستراتيجية.

في هذا السياق، يتحول العنف إلى أداة لإنتاج القيمة الاقتصادية وإعادة توزيعها، حيث لا يقتصر دوره على الإكراه بل يشمل تنظيم الأسواق غير الرسمية وتحديد أنماط التسعير والتحكم في حركة السلع. وتتحول الدولة من فاعل اقتصادي مركزي إلى مجرد فاعل ضمن شبكة معقدة من الفاعلين المسلحين والاقتصاديين.

ويتجسد التناقض بين الدولة القانونية والدولة الفعلية في أن الأولى تمتلك الشرعية الدستورية، بينما تسيطر الثانية على الموارد الفعلية عبر القوة المسلحة، مما يؤدي إلى ازدواجية في بنية الاقتصاد السياسي للعنف.

وتشير بيانات ميدانية إلى أن قوات الدعم السريع طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة اقتصادية شبه مستقلة تعتمد على الذهب والجبايات والتهريب، مع شبكات تصدير غير رسمية تمر عبر تشاد وليبيا ومصر، مما عزز قدرتها على تمويل العمليات العسكرية دون الاعتماد الكامل على ميزانية الدولة (Small Arms Survey, 2023).

وبالتالي يتحول العنف إلى مؤسسة إنتاج اقتصادي مستدام، حيث يصبح استخدام القوة جزءاً من دورة اقتصادية متكاملة تشمل الاستخراج والنقل والتهريب وإعادة الاستثمار. كما تتحول الموارد الطبيعية إلى رأس مال عسكري مستقل نسبياً عن الدولة، يتم توظيفه في بناء شبكات نفوذ إقليمية وعابرة للحدود.


الدولة الهشة وتعدد مراكز السيادة

تُعرّف الدولة الهشة بأنها الدولة التي تفقد فيها الحكومة المركزية قدرتها على احتكار العنف المشروع، مما يؤدي إلى نشوء فاعلين مسلحين يمارسون وظائف سيادية موازية (World Bank, 2011). وفي السودان، تعمق هذا الوضع نتيجة تاريخ طويل من الانقلابات والحروب الأهلية وتفكك المؤسسات المدنية، ما أدى إلى تعدد مراكز القوة المسلحة والاقتصادية.

في هذا السياق، تتداخل المؤسسات الرسمية مع غير الرسمية في إدارة الموارد، حيث تعمل الأجهزة الحكومية جنباً إلى جنب مع شبكات عسكرية واقتصادية تتحكم في أجزاء واسعة من الاقتصاد الحقيقي، خاصة في القطاعات الريعية مثل الذهب والزراعة والرعي.

ويؤدي “تجزؤ السيادة الاقتصادية” إلى حالة لا تحتكر فيها الدولة الإيرادات أو القوة، بل تتوزع بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع والميليشيات المحلية وشبكات التهريب، بحيث تصبح السيادة موزعة جغرافياً ووظيفياً.

وتتعدد مستويات السيادة بين المحلي والإقليمي والمركزي، حيث تسيطر أطراف مختلفة على مناطق إنتاج مختلفة، مثل دارفور التي تشكل مركزاً للتعدين، ووسط السودان الذي يضم مؤسسات الدولة التقليدية، والمناطق الحدودية التي تمثل نقاط عبور للتجارة غير الرسمية.

وتتعايش السيادة القانونية التي تمثلها الدولة مع السيادة العملياتية التي تمارسها القوى المسلحة على الأرض، حيث تمتلك الدولة الاعتراف الدولي بينما تتحكم القوى المسلحة في الموارد والمجال الاقتصادي الفعلي.

وينتج عن ذلك إعادة تعريف للسيادة باعتبارها عملية تفاوض مستمرة بين مراكز قوة متعددة، وليس حالة احتكار ثابتة.

كما تنشأ سيادة عملية موازية للسيادة الدستورية، تتمثل في قدرة الفاعلين المسلحين على فرض الضرائب وإدارة التجارة وتنظيم الأمن المحلي في مناطق سيطرتهم.

وتتحول الدولة في هذه الحالة إلى بنية تنافس سيادي داخلي، حيث تتعدد مراكز اتخاذ القرار الاقتصادي والأمني، مما يؤدي إلى تفكك تدريجي لوظائف الدولة المركزية.


اقتصاديات الفاعلين المسلحين

تشير الدراسات المقارنة إلى أن الفاعلين المسلحين في النزاعات الممتدة يتحولون إلى كيانات اقتصادية متكاملة تعتمد على مصادر تمويل داخلية وخارجية، بدلاً من الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي (de Waal, 2015).

في السودان، يظهر هذا التحول بشكل واضح في تطور قوات الدعم السريع، التي توسعت من قوة شبه عسكرية إلى فاعل اقتصادي يسيطر على قطاعات إنتاج وتجارة واسعة.

وقد استفادت هذه القوات من السيطرة على مناجم الذهب في دارفور ومناطق التعدين الأهلي التي تنتج جزءاً كبيراً من صادرات السودان غير النفطية، حيث تشير تقديرات إلى أن السودان أنتج حوالي 80 طناً من الذهب في عام 2024 بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار، جزء كبير منها يمر عبر قنوات غير رسمية (Financial Times, 2024).

ويحدث تحول تدريجي من التمويل الخارجي إلى الاكتفاء الذاتي الاقتصادي عبر التحكم في سلاسل التوريد والمعابر الحدودية، بما في ذلك التجارة مع ليبيا وتشاد ومصر وجنوب السودان.

وتتجسد دورة التمويل في نموذج دائري: تمويل → عنف → توسع اقتصادي → إعادة تمويل، حيث يعاد استثمار العائدات الناتجة عن السيطرة المسلحة في توسيع القدرات العسكرية والاقتصادية.

ويتحول الفاعل المسلح إلى كيان اقتصادي–قانوني هجين يجمع بين وظائف الدولة (الجباية، الأمن، التنظيم) ووظائف السوق (التجارة، الاستثمار، التصدير).

كما يتحول التنظيم المسلح إلى وحدة إنتاج اقتصادي متعددة القطاعات تشمل التعدين والنقل والتجارة والتهريب، ما يعيد تشكيل الاقتصاد المحلي في مناطق النزاع.

وينتج عن ذلك تشكل اقتصاد داخلي مستقل داخل البنية المسلحة، يعمل خارج النظام الاقتصادي الرسمي للدولة، لكنه مرتبط به بشكل جزئي عبر نقاط التماس المالي والتجاري.


الاقتصاد الريعي وشبكات الزبائنية

يقوم الاقتصاد الريعي على توزيع الثروة الناتجة عن الموارد الطبيعية عبر آليات سياسية بدلاً من الإنتاجية الاقتصادية، وهو نمط شائع في الدول التي تعتمد على الموارد الخام (Beblawi, 1987). وفي السودان، توسع هذا النموذج ليشمل الذهب كأحد أهم مصادر الريع غير النفطي.

تعمل الزبائنية السياسية كآلية وسيطة تربط بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين والعسكريين، حيث يتم توزيع الموارد عبر شبكات الولاء بدلاً من المؤسسات الرسمية.

في هذا الإطار، تتداخل الزبائنية المسلحة مع القطاع الخاص المحلي والإقليمي، حيث تتشكل تحالفات بين رجال أعمال وقادة عسكريين في مجالات التعدين والتجارة والنقل.

كما تتطور الزبائنية التقليدية إلى أشكال مسلحة حديثة، حيث تصبح القوة العسكرية نفسها أداة لإعادة توزيع الموارد الاقتصادية.

وتسهم النخب الاقتصادية في إعادة إنتاج شبكات العنف الاقتصادي عبر التكيف مع مراكز القوة الجديدة، مما يسمح باستمرار تدفقات رأس المال خارج الأطر الرسمية.

ويؤدي ذلك إلى دمج بين الزبائنية السياسية والشرعية القانونية الجزئية، حيث يتم استخدام مؤسسات الدولة لإضفاء شرعية على شبكات اقتصادية غير رسمية.

وتتحول الزبائنية إلى شبكة اقتصادية عابرة للحدود تمتد عبر السودان ودول الجوار والأسواق الإقليمية، خاصة في تجارة الذهب والماشية والوقود.

كما يندمج رأس المال الخاص مع القوة المسلحة في منظومة واحدة تعمل وفق منطق اقتصادي–سياسي موحد، حيث تتلاشى الحدود بين الدولة والسوق والعنف.

المنهجية

منهج وصفي–تحليلي قائم على دراسة الحالة

يعتمد هذا البحث على منهج وصفي–تحليلي موسع يركز على دراسة حالة قوات الدعم السريع ضمن إطار الاقتصاد السياسي للعنف في السودان، مع اعتبار الفاعل المسلح وحدة تحليل مركزية داخل نظام اقتصادي–سياسي متعدد المستويات. لا يقتصر التحليل على وصف الأنشطة الاقتصادية، بل يتوسع إلى تفسير آليات إنتاج السلطة الاقتصادية داخل الفاعل المسلح، وكيفية تداخلها مع بنية الدولة والأسواق الإقليمية والدولية. كما يتم التعامل مع الحالة بوصفها نموذجاً لاقتصاد حرب متحول من مرحلة التمرد إلى مرحلة التمكين الاقتصادي المؤسسي الجزئي. (Johnson, 2022)

أدوات تحليل:

تتبع سلاسل القيمة للموارد (خاصة الذهب)

يعتمد هذا المحور على تحليل شامل لسلاسل القيمة الخاصة بالذهب بدءاً من الاستخراج في مناطق التعدين التقليدي في دارفور وجنوب كردفان، مروراً بعمليات النقل غير الرسمي، وانتهاءً بالتصدير عبر وسطاء إقليميين. يتم التركيز على نقاط الانقطاع بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، حيث تتحول الموارد الطبيعية إلى مصدر تمويل مباشر للفاعلين المسلحين. كما يتم تحليل آليات التسعير غير الرسمية، ودور الأسواق الحدودية في تشويه سلاسل القيمة التقليدية. وتُستخدم حالات مثل تعدين جبل عامر كنموذج تطبيقي لفهم كيفية اندماج السيطرة المسلحة في دورة الإنتاج الاقتصادي للذهب وربطها بأسواق إقليمية ودولية. (Le Billon, 2014)

تحليل الشبكات الاقتصادية والاجتماعية

يركز هذا المحور على بناء تحليل شبكي متعدد المستويات يشمل الفاعلين المحليين مثل المجتمعات القبلية، الوسطاء التجاريين، وشبكات التهريب، بالإضافة إلى الفاعلين الإقليميين مثل شبكات التجارة عبر الحدود في تشاد وليبيا. يتم استخدام تحليل الشبكات لفهم كيفية تشكل مراكز القوة داخل الاقتصاد غير الرسمي، وكيفية إعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية عبر الولاءات السياسية والعسكرية. كما يتم تحليل دور النخب الاقتصادية في ربط الاقتصاد الرسمي بالاقتصاد الموازي، بما يشمل شبكات المصارف، شركات الوساطة، وشبكات التحويلات غير الرسمية. (Scott, 2017)

تحليل الوثائق والتقارير الدولية

يشمل هذا المحور تحليل تقارير الأمم المتحدة، تقارير لجان الخبراء، تقارير العقوبات الدولية، وتقارير المؤسسات المالية الدولية، بهدف بناء قاعدة بيانات نوعية حول تدفقات التمويل غير المشروع. يتم التركيز على تتبع أنماط تمويل الفاعلين المسلحين، وآليات تهريب الموارد الطبيعية، وربطها بسياقات النزاع المسلح. كما يتم استخدام هذه الوثائق لفهم كيفية توصيف المجتمع الدولي للاقتصاد الحربي في السودان، وكيف يتم بناء خطاب معياري حول الشرعية واللاشرعية الاقتصادية في سياق النزاع. (United Nations, 2024)

منهج الاقتصاد السياسي المقارن مع حالات (ليبيا، تشاد، الصومال)

يستخدم هذا المحور منهج المقارنة لتحديد أنماط التشابه والاختلاف بين السودان ودول أخرى تعاني من تفكك مؤسسي وصعود فاعلين مسلحين ذوي أدوار اقتصادية. في الحالة الليبية يتم تحليل اقتصاد الميليشيات النفطية، وفي الصومال يتم تحليل اقتصاد الموانئ والضرائب غير الرسمية، وفي تشاد يتم تحليل شبكات التهريب العابرة للصحراء. يهدف هذا التحليل إلى بناء نموذج تفسيري عام للاقتصاد السياسي للفاعلين المسلحين في الدول الهشة، مع التركيز على اختلاف بنية الدولة ومستوى اندماج الفاعلين المسلحين في الاقتصاد الرسمي. (Barnett, 2019)

بيانات كمية حول التجارة غير الرسمية وتدفقات الذهب عبر الحدود

تشمل البيانات الكمية المستخدمة تقديرات حجم التجارة غير الرسمية عبر الحدود السودانية مع دول الجوار، بالإضافة إلى تقديرات إنتاج وتصدير الذهب خارج القنوات الرسمية. يتم تحليل هذه البيانات لفهم الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والموازي، وقياس حجم الاقتصاد العسكري داخل الناتج الاقتصادي الكلي. كما يتم استخدام بيانات البنك الدولي لتقدير أثر النزاع على تدفقات التجارة الإقليمية، وتحديد أنماط التحول في سلاسل الإمداد. (World Bank, 2023)

الفترة الزمنية: 2003–2025

تم اختيار هذه الفترة الزمنية لأنها تغطي مراحل التحول البنيوي في السودان من مرحلة التمردات المحلية في دارفور إلى مرحلة تشكل الفاعلين المسلحين كقوى اقتصادية–عسكرية مؤسسية. تشمل الفترة أيضاً التحولات الكبرى في الاقتصاد السوداني مثل فقدان الموارد النفطية، تصاعد اقتصاد الذهب، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي. كما تسمح هذه الفترة بتتبع تطور العلاقة بين الدولة والفاعلين المسلحين عبر مراحل متعددة من الدمج والتفكك وإعادة التشكيل. (Young, 2020)

معايير اختيار الحالات المقارنة

تعتمد معايير اختيار الحالات المقارنة على تشابه خصائص الدولة الهشة، وجود اقتصاد حرب نشط، وتداخل بين الفاعلين العسكريين والاقتصاديين. كما يتم اختيار الحالات التي تظهر فيها سيطرة الفاعلين المسلحين على موارد طبيعية استراتيجية، ووجود شبكات تهريب عابرة للحدود. يتم أيضاً مراعاة اختلاف السياقات التاريخية لضمان اختبار النموذج التفسيري عبر بيئات سياسية واقتصادية متنوعة. (Markusen, 2018)

آليات القياس المقارن بين الحالات

تشمل آليات القياس بناء مؤشرات كمية ونوعية مثل نسبة الإيرادات الذاتية للفاعلين المسلحين إلى إجمالي تمويلهم، مستوى السيطرة على الموارد الطبيعية، درجة الاندماج في الاقتصاد الرسمي، وحجم الاعتماد على الشبكات الخارجية. كما يتم استخدام مؤشرات استقرار الدولة، وشدة النزاع، ومستوى تفتت السلطة السياسية كمتغيرات تفسيرية. (Fearon, 2015)

دمج التحليل القانوني المقارن لبنية القوات شبه النظامية في الدول الهشة

يتضمن هذا المحور تحليل الإطار القانوني المنظم للفاعلين المسلحين في القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني، مع التركيز على وضعهم القانوني داخل الدولة، وحدود مسؤولية الدولة عن أفعالهم. كما يتم تحليل كيفية تعامل القانون الدولي مع الفاعلين شبه النظاميين في حالات النزاع، خاصة فيما يتعلق بالجرائم الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية وتمويل الحرب. (Sassòli, 2021)

تحليل العلاقة بين القانون الوطني والقانون الدولي في حالات النزاع المسلح

يركز هذا التحليل على التفاعل بين السيادة القانونية الوطنية والالتزامات الدولية، خاصة في سياق العقوبات الاقتصادية، تجريم تمويل النزاعات، وتنظيم التجارة في الموارد الطبيعية أثناء الحرب. كما يتم تحليل التوتر بين القوانين المحلية التي قد تشرعن بعض الأنشطة الاقتصادية للفاعلين المسلحين، والمعايير الدولية التي تصنفها كأنشطة غير مشروعة. (Cryer, 2020)

تحويل المنهج إلى إطار تحليل أنظمة معقدة متعددة الفاعلين

يعتمد البحث على مقاربة الأنظمة المعقدة التي تعتبر الدولة والفاعلين المسلحين والأسواق الإقليمية والدولية نظاماً واحداً غير خطي. يتم تحليل التفاعلات المتبادلة بين هذه العناصر، حيث تؤدي التغيرات الصغيرة في أحد المكونات إلى تأثيرات واسعة على النظام ككل. كما يتم استخدام هذا الإطار لفهم ديناميكيات الاستقرار وعدم الاستقرار في الاقتصاد السياسي للحرب. (Bar-Yam, 2004)

إنتاج مؤشرات كمية لقياس الاقتصاد العسكري داخل الدولة

تشمل المؤشرات نسبة الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الكلي، حجم الإيرادات الناتجة عن السيطرة المسلحة على الموارد، درجة اعتماد الفاعلين المسلحين على التمويل الذاتي، ومستوى اختراقهم للمؤسسات الاقتصادية الرسمية. كما يتم استخدام مؤشرات التنمية الاقتصادية والانكماش الناتج عن النزاع لقياس أثر الاقتصاد العسكري على الدولة. (Collier, 2007)

بناء نموذج شبكي لتدفقات الموارد عبر الحدود

يتم بناء نموذج شبكي متعدد الطبقات يوضح تدفقات الموارد المالية والمادية والبشرية عبر الحدود السودانية. يشمل النموذج عقداً رئيسية تمثل نقاط إنتاج الذهب، مراكز التهريب، الأسواق الوسيطة، والموانئ الإقليمية. كما يتم تحليل مركزية العقد داخل الشبكة لتحديد نقاط القوة الاقتصادية، ودراسة كيفية إعادة توزيع الموارد عبر الشبكات غير الرسمية. (Kenett, 2018)

الخلفية التاريخية لتطور قوات الدعم السريع

النشأة في سياق الصراع في دارفور

نشأت قوات الدعم السريع في سياق اندلاع حرب دارفور عام 2003 نتيجة تفاعل ثلاثي بين التهميش التاريخي للأقاليم الغربية، وانهيار مؤسسات الحكم المحلي، واعتماد الدولة على سياسة “تفويض العنف” لمليشيات قبلية. تشير الأدبيات الميدانية إلى أن الحكومة السودانية دعمت وتسليح مجموعات الجنجويد كقوة رديفة للجيش في مواجهة التمردات المسلحة في دارفور (Tubiana, 2023).

بين 2003 و2006، شهدت دارفور عمليات عسكرية واسعة شملت تدمير مئات القرى ونزوح ما يقارب 2.5 مليون شخص، وفق تقديرات الأمم المتحدة، ما جعل الحرب أحد أكبر أزمات النزوح في إفريقيا في تلك الفترة (Small Arms Survey, 2023).

في هذه المرحلة تشكلت البنية الأولى لما سيصبح لاحقاً قوات الدعم السريع، حيث كان العنف مرتبطاً مباشرة بعمليات السيطرة على الأرض والمراعي والموارد المحلية مثل الماشية والذهب الرملي والضرائب غير الرسمية على القوافل التجارية.

التحول من مجموعات شبه عسكرية إلى كيان مؤسسي

في عام 2013 صدر قرار رسمي بإنشاء قوات الدعم السريع كقوة شبه نظامية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، بقيادة محمد حمدان دقلو، بعد إعادة هيكلة ميليشيات الجنجويد السابقة (de Waal, 2024).

تقديرات عام 2014 تشير إلى أن القوة كانت تضم بين 5,000 و6,000 مقاتل في دارفور، لكنها توسعت بسرعة لتصل إلى ما بين 40,000 و70,000 بحلول 2017، ثم إلى ما يقارب 100,000 مقاتل مع بداية حرب 2023 وفق تقديرات دولية مختلفة (International Crisis Group, 2024).

هذا التحول رافقه نقل تدريجي للموارد من اقتصاد الحرب المحلي إلى اقتصاد مؤسسي قائم على الرواتب الرسمية والتمويل الحكومي والأنشطة التجارية.

العلاقة مع المؤسسة العسكرية الرسمية

بين 2013 و2017 كانت العلاقة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني قائمة على الازدواج الوظيفي، حيث خضعت القوة اسمياً للسلطة العسكرية، لكنها عملياً ارتبطت مباشرة بالرئاسة والسلطة التنفيذية.

في 2017 تم تقنين وجودها كقوة مستقلة ضمن المنظومة الأمنية، ما أدى إلى خلق بنية مزدوجة للقوة المسلحة في السودان (International Crisis Group, 2024).

هذا الترتيب سمح لها بالاحتفاظ بقيادة مستقلة، وتمويل مستقل، وانتشار عملياتي خارج التسلسل الهرمي التقليدي للجيش.

التوسع في المهام الأمنية والحدودية

ابتداءً من 2015، تم نشر قوات الدعم السريع في الحدود الغربية والشمالية للسودان لمكافحة الهجرة غير النظامية، خصوصاً ضمن التعاون مع الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة (EUAA, 2025).

هذا الانتشار شمل السيطرة على:

الحدود مع ليبيا (ممرات التهريب نحو الكفرة وسبها)

الحدود مع تشاد (منطقة أم دافوق وكرنوي)

الحدود مع جنوب السودان (مسارات النفط والتجارة)

هذه المناطق تمثل مراكز عبور رئيسية لتهريب الذهب والبشر والأسلحة، ما جعل السيطرة عليها مصدر دخل مباشر وغير مباشر.

إضفاء الشرعية الاقتصادية على القوة المسلحة عبر الدمج الجزئي في الجهاز الرسمي

مع دمج القوة داخل مؤسسات الدولة، تم تخصيص ميزانيات مستقلة لها، إلى جانب السماح لها بالعمل في قطاعات اقتصادية استراتيجية مثل التعدين والنقل.

تشير تقارير إلى أن قوات الدعم السريع بدأت منذ 2017 في إدارة شبكات مرتبطة بتجارة الذهب في شمال دارفور والولاية الشمالية، حيث يُقدّر إنتاج السودان من الذهب بأكثر من 80 طن سنوياً، جزء كبير منه يمر عبر قنوات غير رسمية (World Bank, 2024).

هذا الوضع أدى إلى نشوء نموذج “الدولة داخل الدولة الاقتصادية”، حيث تمتلك القوة مصادر دخل مستقلة عن الميزانية العامة.

التحول من الجنجويد إلى مؤسسة ذات ميزانيات وشركات اقتصادية

التحول المؤسسي شمل إنشاء شركات تجارية تعمل في مجالات:

التعدين

النقل

الاستيراد والتصدير

الخدمات اللوجستية

بحلول 2019 أصبحت هذه الشركات جزءاً من شبكات اقتصادية إقليمية، خصوصاً عبر التجارة مع الإمارات وليبيا وتشاد، ما رسخ اندماج القوة في الاقتصاد الإقليمي للذهب (Baldo and Soliman, 2025).

كما ارتبط هذا التحول بزيادة النفوذ السياسي للقوة داخل مؤسسات الدولة.

الاقتصاد الزراعي والرعوي وقاعدة التجنيد والتمويل الأولي

اعتمدت قاعدة التجنيد الأولى على المجتمعات الرعوية في دارفور وكردفان، حيث يشكل الرعي وتجارة الماشية المصدر الأساسي للدخل.

تشير دراسات ميدانية إلى أن الانضمام للقوة كان يوفر دخلاً يتجاوز 3 إلى 5 أضعاف متوسط الدخل الريفي التقليدي في بعض مناطق دارفور خلال الفترة 2005–2015 (Young et al., 2023).

هذا الربط بين الاقتصاد الرعوي والعسكرة خلق اقتصاد ولاء قائم على المصلحة المباشرة وليس الانتماء المؤسسي.

التحول المؤسسي وتغير أنماط التمويل من غير رسمي إلى شبه رسمي

بين 2013 و2023 تطورت مصادر التمويل من:

الغنائم والنهب في مناطق الحرب

الجبايات المحلية
إلى:

ميزانيات حكومية مباشرة

عائدات الذهب

استثمارات تجارية

شراكات إقليمية في النزاعات (Johnson, 2022)

هذا التحول جعل القوة أكثر استقلالاً عن الدولة المركزية مالياً.

الشرعنة القانونية التدريجية للكيان داخل الدولة

تم إدماج قوات الدعم السريع قانونياً عبر تعديلات تنظيمية عام 2017، ما منحها وضعاً رسمياً داخل الدولة مع استقلال تنظيمي واسع (United Nations Panel of Experts on Sudan, 2024).

هذا النموذج أدى إلى ازدواج قانوني:

قوة رسمية داخل الدولة

كيان مستقل عملياً في الإدارة والتمويل

استخدام السلطة التنفيذية في إعادة تعريف موقع القوة المسلحة داخل النظام الدستوري

تم إعادة تعريف موقع القوة عبر السلطة التنفيذية بحيث ترتبط مباشرة بمستويات عليا من الحكم، متجاوزة تسلسل القيادة العسكري التقليدي.

هذا أدى إلى إعادة توزيع السلطة داخل الجهاز الأمني، حيث أصبحت القوة لاعباً في صنع القرار السياسي والأمني والاقتصادي.

إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة من خلال أدوات قانونية انتقالية

فترة ما بعد 2019 شهدت إدخال القوة في ترتيبات انتقالية جعلتها جزءاً من السلطة الحاكمة، وليس مجرد جهاز أمني.

هذا الترتيب أدى إلى نظام مزدوج الحكم بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث أصبح لكل طرف:

قواته

موارده

شبكاته الاقتصادية

تحول الهامش الجغرافي إلى مركز إنتاج للقوة الاقتصادية المسلحة

مناطق دارفور وكردفان تحولت من هامش اقتصادي إلى مراكز إنتاج للذهب والتجارة غير الرسمية.

تشير تقديرات إلى أن أكثر من 70% من التعدين الأهلي في السودان يتم خارج الأطر الرسمية، ما جعل الهامش المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية غير الرسمية (World Bank, 2024).

إعادة تشكيل بنية السلطة عبر اقتصاد المناطق الطرفية

أدى توسع الاقتصاد المسلح في الأطراف إلى انتقال مركز الثقل الاقتصادي من الخرطوم إلى مناطق التعدين والحدود.

هذا التحول أعاد توزيع القوة داخل الدولة، حيث أصبحت السيطرة على الموارد الطبيعية في الأطراف تعني السيطرة على جزء كبير من الاقتصاد الوطني.

تكوين قاعدة اجتماعية اقتصادية مسلحة خارج الدولة المركزية

تشكلت قاعدة اجتماعية واسعة تعتمد على الاقتصاد الحربي تشمل:

مقاتلين محليين

شبكات تهريب

وسطاء تجارة الذهب والماشية

فاعلين اقتصاديين مرتبطين بالمعابر الحدودية

هذه القاعدة أنتجت اقتصاداً موازياً مستقلاً نسبياً عن الدولة، لكنه مرتبط بها عبر شبكات نفوذ أمنية واقتصادية.

مصادر الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع

الذهب والتعدين

السيطرة على مناطق التعدين

تمثل السيطرة على مناطق التعدين، خاصة في دارفور (جبل عامر في شمال دارفور، سونقو في جنوب دارفور، ومناطق إضافية في شمال ووسط دارفور مثل كتم وكبكابية)، أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع، حيث تحولت هذه السيطرة إلى احتكار فعلي للموارد الطبيعية خارج الإطار المؤسسي للدولة. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إنتاج الذهب في مناطق خاضعة لنفوذ هذه القوات بلغ نحو 10 أطنان في عام 2024 بقيمة تقارب 860 مليون دولار، مع استمرار توسع السيطرة إلى مواقع جديدة بعد تراجع إنتاج جبل عامر (ISPI, 2025؛ UN Panel, 2024) .
كما تشير بيانات طويلة المدى إلى أن الذهب ظل المورد الأكثر استراتيجية في السودان، حيث يمثل نحو 49% من صادرات البلاد، بينما تنتج البلاد إجمالاً بين 64 و70 طناً سنوياً في السنوات الأخيرة، مع فقدان الجزء الأكبر بسبب التهريب (Al-Monitor, 2026؛ The Guardian, 2025) .
تاريخياً، بدأت السيطرة الفعلية على الذهب مع استيلاء قوات الدعم السريع على مناجم جبل عامر في 2017، وهو ما ساهم في تحويل قيادتها إلى أحد أغنى الفاعلين الاقتصاديين في السودان بحلول 2019 (CFR, 2025؛ Global Witness cited) .
هذا النمط من السيطرة لا يقتصر على الوجود العسكري، بل يمتد إلى تنظيم الإنتاج، تأمين المواقع، فرض الحماية، التحكم في شروط العمل، وإدارة علاقات الإنتاج، حيث يعمل في التعدين التقليدي مئات الآلاف إلى ملايين الأفراد، مما يخلق قاعدة اجتماعية واسعة مرتبطة مباشرة بهذا الاقتصاد (Al Jazeera, 2025) .
كما أن السيطرة على هذه المواقع ترتبط جغرافياً بمناطق الرعي والتجارة التقليدية، مما يعزز التكامل بين الموارد الطبيعية والشبكات القبلية والاقتصادية، ويحول مناطق التعدين إلى مراكز سلطة محلية متعددة الوظائف.

سلاسل التصدير غير الرسمية

تعمل سلاسل التصدير غير الرسمية على نقل الذهب من مواقع الإنتاج إلى الأسواق الخارجية عبر شبكات تهريب معقدة، وتشير التقديرات إلى أن ما بين 60% و80% من إنتاج الذهب السوداني يتم تهريبه خارج القنوات الرسمية، حيث تم تهريب أكثر من 50 طناً من أصل 70 طناً في 2025 (AFP/Finance Ministry, 2026) .
تمر هذه السلاسل عبر مسارات متعددة تشمل:

دارفور → تشاد → ليبيا → شمال أفريقيا

دارفور → الخرطوم → الإمارات

كردفان → الحدود الجنوبية → أسواق إقليمية
وتعتمد هذه الشبكات على تداخل الفاعلين المسلحين والتجار، حيث يتم نقل الذهب عبر قوافل برية وطائرات خاصة وشحنات مخفية داخل سلع أخرى، مما يقلل من إمكانية تتبعه.

الوسطاء التجاريون

يلعب الوسطاء التجاريون دوراً مركزياً في هذه السلاسل، حيث يشترون الذهب بأسعار أقل من السوق العالمي بنسبة 10%–30%، ثم يعيدون بيعه عبر شبكات إقليمية. وتشير تقارير إلى أن شركات مرتبطة بقيادة قوات الدعم السريع، مثل شركة الجنيد، تتحكم في جزء كبير من هذه العمليات، مع إنشاء شركات واجهة في الإمارات لإدارة التجارة الدولية (The Sentry, 2025) .
كما أن الوسطاء يعملون ضمن شبكات مرنة تجمع بين التجار المحليين، الشركات الدولية، وشبكات التهريب، مما يسمح بإعادة توزيع الأرباح عبر مستويات متعددة.

سلاسل القيمة العالمية للذهب من الاستخراج حتى التصدير عبر دول وسيطة

يندمج الذهب السوداني في سلاسل قيمة عالمية تبدأ بالاستخراج التقليدي (أكثر من 80% من الإنتاج)، ثم التجميع، ثم التهريب، ثم التكرير في دول وسيطة، وأخيراً إدخاله في الأسواق العالمية. وتشير تقديرات إلى وجود فجوة تصل إلى 180 طناً من الذهب غير المعلن بين 2012 و2023 بقيمة تتجاوز 7.1 مليار دولار، ما يعكس حجم الاقتصاد الموازي (El País, 2025) .
هذه السلسلة تعني أن القيمة المضافة النهائية تتحقق خارج السودان، بينما يتم الاحتفاظ بالعوائد الأولية داخل شبكات الفاعلين المسلحين، مما يعزز استقلالهم الاقتصادي.

نقاط السيطرة الجغرافية داخل سلاسل الإنتاج والتصدير

تتركز نقاط السيطرة في:

جبل عامر (شمال دارفور)

سونقو (جنوب دارفور)

الفاشر ونيالا كمراكز تجميع

الحدود مع تشاد وليبيا

طرق الصحراء الكبرى

مطارات ومهابط غير رسمية

وقد سمحت السيطرة على هذه العقد بإعادة توجيه تدفقات الذهب وفرض رسوم إضافية، حيث أصبحت هذه النقاط بمثابة “مفاصل سيادية” داخل الاقتصاد الموازي.

السوق العالمي للذهب وتذبذب التمويل المحلي

يرتبط تمويل قوات الدعم السريع بأسعار الذهب العالمية، حيث أدى ارتفاع الأسعار بين 2020 و2024 إلى زيادة الإيرادات بشكل كبير، بينما يؤدي انخفاض الأسعار إلى ضغط على التمويل. وتشير بيانات إلى أن الذهب جلب نحو 1.57 مليار دولار رسمياً في 2024 رغم فقدان الجزء الأكبر عبر التهريب (Al-Monitor, 2026) .

اندماج الذهب السوداني في أسواق مالية دولية غير رسمية

يتم دمج الذهب السوداني في الأسواق الدولية عبر إعادة التصدير، خاصة عبر الإمارات، حيث يتم تكريره وإعادة تصنيفه، ما يسمح بإدخاله في النظام المالي العالمي دون تتبع مصدره (Global Initiative, 2025؛ UN Panel, 2024).

تحول الموارد الطبيعية إلى مصدر تمويل سيادي بديل

أدى هذا النظام إلى تحويل الذهب إلى مصدر تمويل سيادي بديل، حيث أصبحت العائدات تُستخدم لتمويل العمليات العسكرية، شراء الأسلحة، ودفع الرواتب، مما يجعل هذه القوة قادرة على العمل خارج الإطار المالي للدولة. وقد أدى هذا إلى صراع مباشر بين الجيش وقوات الدعم السريع على السيطرة على الذهب، باعتباره المصدر الرئيسي للتمويل (Chatham House, 2025) .

الجبايات غير الرسمية

نقاط التفتيش والرسوم

تشكل نقاط التفتيش المنتشرة على الطرق التجارية مصدراً رئيسياً للإيرادات، حيث يتم فرض رسوم على الشاحنات والبضائع، خاصة على الطرق بين دارفور وكردفان والخرطوم. وتشير دراسات إلى أن التحكم في تدفقات التجارة أصبح عنصراً أساسياً في تمويل العمليات العسكرية (IFRI, 2025) .

فرض الضرائب خارج النظام الرسمي

تشمل الضرائب غير الرسمية: رسوم الأسواق، رسوم الحماية، ضرائب الوقود، ورسوم على الماشية، ويتم تحصيلها خارج أي إطار قانوني، ما يعكس انهيار النظام الضريبي الرسمي.

الإيرادات اليومية والشهرية من الجبايات

توفر هذه الجبايات تدفقات نقدية يومية، حيث يمكن أن تحقق نقاط التفتيش الرئيسية آلاف الدولارات يومياً، مما يسمح بتمويل العمليات العسكرية بشكل مستمر.

نموذج حسابي تقديري للإيرادات السنوية الكلية

تشير التقديرات إلى أن الجبايات، إلى جانب الذهب، تشكل جزءاً كبيراً من اقتصاد حرب تبلغ قيمته مليارات الدولارات سنوياً، خاصة في ظل فقدان الدولة لمعظم إيراداتها منذ 2023 (Finance Ministry, 2026) .

اختلاف أنماط الجباية بين المناطق الحضرية والريفية والحدودية

في المدن، تكون الجباية أكثر تنظيماً، بينما في المناطق الريفية تعتمد على القوة المباشرة، وفي المناطق الحدودية ترتبط بالتهريب والتجارة العابرة للحدود.

تكوين نظام مالي موازي كامل الوظائف داخل مناطق السيطرة

أدى انهيار الدولة، التي فقدت نحو 80% من إيراداتها في بداية الحرب، إلى نشوء نظام مالي موازٍ يعتمد على النقد والعملات الأجنبية (Finance Ministry, 2026) .

تحول الجباية إلى بنية حكم محلية مسلحة

أصبحت الجباية مرتبطة بالحماية وتنظيم الأسواق، مما حولها إلى نظام حكم محلي قائم على تبادل الأمن مقابل الدفع.

التمويل الخارجي والعلاقات الإقليمية

شبكات الدعم الإقليمي

تعتمد قوات الدعم السريع على شبكات دعم تشمل دول الخليج وشمال أفريقيا، مع وجود علاقات مع فاعلين إقليميين مثل الإمارات وليبيا، بما في ذلك دعم لوجستي وعسكري (Peoples Dispatch, 2025) .

التجارة الحدودية

تشمل التجارة الحدودية الذهب، الوقود، الماشية، والسلع الاستهلاكية، وتتم عبر حدود طويلة وضعيفة الرقابة.

التمويل غير المباشر عبر شركات واجهة وشبكات لوجستية إقليمية

تُستخدم شركات واجهة لإدارة الأنشطة الاقتصادية، خاصة في تصدير الذهب، مما يسمح بإخفاء مصادر التمويل.

الأدوات المالية للتحويل عبر الحدود: تحويلات، تجارة، استثمار

تشمل الأدوات التحويلات غير الرسمية، التجارة، والاستثمار، ما يخلق نظاماً مالياً مرناً خارج الرقابة.

التفاعل بين التمويل الخارجي والشرعية السياسية الداخلية

يساهم التمويل الخارجي في تعزيز الشرعية عبر تمويل العمليات وتقديم الخدمات.

تشكل فضاء اقتصادي إقليمي موازٍ للدولة السودانية

ينشأ فضاء اقتصادي إقليمي مترابط يتجاوز حدود الدولة.

إعادة إنتاج القوة المسلحة عبر الاقتصاد الإقليمي

يساهم هذا الفضاء في استمرار القوة المسلحة حتى مع انهيار الاقتصاد الوطني.

الشركات والاستثمارات

شركات اقتصادية مرتبطة بالكيان

تدير قوات الدعم السريع شركات مثل “الجنيد”، التي تمثل الذراع الاقتصادي الرئيسي في قطاع الذهب (Abdelrahman, 2025) .

الاستثمار في العقارات والزراعة والخدمات

تشمل الاستثمارات قطاعات متعددة داخل السودان وخارجه.

البنية المؤسسية لهذه الشركات وعلاقتها بالقطاع المصرفي الرسمي

تعمل هذه الشركات جزئياً داخل النظام الرسمي، مع اعتماد كبير على الاقتصاد النقدي.

هيكل الملكية الفعلي لهذه الشركات وعلاقته بالقيادة العسكرية والسياسية

ترتبط الملكية بقيادات عسكرية، خاصة عائلة دقلو، مما يربط الاقتصاد بالسلطة.

دور الشركات في الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي

تلعب دوراً مزدوجاً يعزز التداخل بين الاقتصادين.

تحول الشركات إلى أذرع مالية–سيادية مستقلة عن الدولة

تعمل كبديل مؤسسي لإدارة الموارد.

اندماج رأس المال العسكري مع السوق الرسمي

يؤدي ذلك إلى تعقيد الفصل بين الاقتصاد الرسمي والموازي.

اقتصاد الحرب

السيطرة على الموارد في مناطق النزاع

تعتمد السيطرة على الذهب والموارد الأخرى كمصدر تمويل أساسي.

إعادة توجيه التجارة عبر القوة المسلحة

تتم إعادة توجيه التجارة لخدمة مصالح الفاعلين المسلحين.

الاقتصاد القسري كآلية إنتاج اقتصادي دائم

يعتمد الاقتصاد على القوة لفرض الإنتاج والتبادل.

دورة إعادة إنتاج النزاع عبر التمويل الذاتي للحرب

يؤدي التمويل الذاتي إلى استمرار النزاع.

أثر اقتصاد الحرب على الأسواق المحلية وأسعار السلع

أدى النزاع إلى فقدان أكثر من 50% من عائدات النفط، وانخفاض الصادرات الزراعية بنسبة 43%، وتراجع صادرات الماشية بنسبة 55% (Al-Monitor, 2026) .

تحول الحرب إلى نظام اقتصادي مستمر لإنتاج القيمة

تصبح الحرب نفسها مصدراً للقيمة الاقتصادية.

إعادة تشكيل الاقتصاد المحلي وفق منطق القوة المسلحة

يتم إعادة تشكيل الاقتصاد وفق منطق السيطرة العسكرية، مما يؤدي إلى تفكك الاقتصاد الوطني.

عن عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

أفضل الممارسات لإيقاف الحروب الأهلية ومنع تجددها (الجزء الثاني)

أفضل الممارسات لإيقاف الحروب الأهلية ومنع تجددها: والدروس المستفادة للسودان من اتفاقيات السلام في أديس …