صديق الزيلعي
أواصل الحوار مع الزميل بابو في رده على الدكتورة ناهد محمد الحسن، دفاعا عن الماركسية اللينينية.
كتب السر مقالا طويلا في الرد على ناهد محمد الحسن، وقدم عرضا نظريا مجردا بعيدا عما طرحته ناهد، من قضايا محددة تتعلق باليسار السوداني. وأجتهد السر في أن يبين أن النظرية الماركسية، كنظرية علمية، هي التي اكتشفت قوانين تطور المجتمع، كما اكتشف فائض القيمة، وهي اس الاستغلال، وجوهر التراكم الرأسمالي. ولم يتعرض بالرد على مقولات ناهد الواضحة والمتماسكة والموضوعية، حول أزمات اليسار الماركسي الفكرية، على المستوى العالمي، وعلى النطاق المحلي في السودان.
كتب السر بابو في الرد، البعيد عما هو مطروح من ناهد، ما يلي:
” الجانب الآخر الذي انتقده انجلس في كتاباته الأخيرة اعتبار الاقتصاد هو العامل الوحيد الحاسم في التغيير، فألى جانب الاقتصاد هناك عوامل أخرى: دينية، وقومية، وسياسية، وتقاليد كل بلد وشخصيات القادة فيها تسهم في التغيير، للاقتصاد دور حاسم، ولكنه ليس الوحيد”.
ممتاز، ولكن، كما كررت اكثر من مرة، هل هذا هو المنهج الذي يستخدمه السر في تحليلاته السياسية، وهل هو منهج الحزب الشيوعي، الذي السر هو أحد قادته، في تحليلاته وطرحه. الأمر الذي ظهر بشكل واضح في الفترة الأخيرة. فكل التحليلات تركز على القضايا بمنظور اقتصادي بحت وضيق. وكمثال الرسالة الشهيرة التي أرسلت الي الحركة الشعبية حللت مشكلة الجنوب، آنذاك، كمشكلة تفاوت اقتصادي. نعم جانب التفاوت الاقتصادي مهم، ولكن تم اهمال الجوانب الاثنية والثقافية والتاريخية كعوامل هامة في استفحال التناقضات.
ومثال آخر هو النظر لقضية المرأة، كقضية عدم المساواة الاقتصادية، مع اهمال الجوانب الثقافية، وأهمها العقيلة الذكورية في مجتمعنا السوداني.
وأيضا تحليل دور الدين في الفضاء العام السوداني، وكيف انه مكون أساسي للشخصية السودانية.
عرض السر اطروحات غرامشي، الذي ينتمي للتيار الماركسي الجديد، بوصف انه لم يحدد العامل الحاسم هل الاقتصاد ام الثقافة. وهي محاولة لتبرير الفكر الاقتصادي الضيق، رغما عن طرح قرامشي المعروف. فقد كتب السر ما يلي:
” اما الماركسي انطونيو قرامشي، فقد طور ملاحظة إنجلز، وأشار الى أنه من الصعب تحديد أي العاملين الاقتصادي أو الثقافي هو الحاسم في التغيير، وأن الثقافة ضرورية لبناء القاعدة الاجتماعية نفسها، وأن النظام الرأسمالي لا يعيد انتاج نفسه بوسائل اقتصادية او بالقهر”
ولكن هذا ليس هو طرح قرامشي الحقيقي، كما ذكر السر في الفقرة السابقة، وطرحه الحقيقي هو:
” Gramsci is best known for his theory of cultural hegemony, which describes how the state and ruling capitalist class—the bourgeoisie—use cultural institutions to maintain wealth and power in capitalist societies. In Gramsci’s view, the bourgeoisie develops a hegemonic culture using ideology rather than violence, economic force, or coercion. He also attempted to break from the economic determinism of orthodox Marxist thought, and so is sometimes described as a neo-Marxist “
كتب السر ما يلى عن ماركس:
” ضرورة الاشارة الى أن ماركس لم يضع نظرية مكتملة حول الدولة، وقد طورت دراسات معاصرة نظرية الدولة لماركس مثل مساهمة قرامشي، ونيكوس بولانتزاس …. الخ، والذين أشاروا إلى توسيع وظائف الدولة الرأسمالية المعاصرة والتي تعيد انتاج نفسها بها والابتعاد عن الفهم الضيق بأن الدولة تعبر فقط عن مصالح الطبقة أو الطبقات الحاكمة “
جاء في رد السر على ناهد انه وصف الماركسية كنظرية علمية، ودافع بقوة عن علميتها. ما يهمني هنا ان السر الذي وصف الماركسية، كما وضعها ماركس، بالنظرية العلمية، وانها اكتشفت قوانين تطور المجتمع، لم تقدم نظرية متكاملة عن الدولة، وهذا هو محور التناقض. كيف لنظرية علمية لتطور المجتمع لا تقدم رؤية حول الدولة، وهي أهم جهاز في المجتمعات، عبر التاريخ. وطرح ماركس بأن الدولة ستضمحل وتتلاشى في المجتمع الشيوعي. ونفس الشيء يمكن ان يقال حول نقد ماركس للمجتمع الرأسمالي، بدون تحديد سمات المجتمع الاشتراكي، المستقبلي.
ونرجع لواقع السودان: هل يستخدم السر هذا المفهوم الجديد للدولة في تحليلاته للدولة السودانية، واشكالياتها البنيوية المختلفة، الموروثة من الاستعمار. هل حاول في كتاباته واجتهاداته المختلفة والراتبة في تطبيق هذا المفهوم. الأمر الذي كان سيساعده، كثيرا، في التعامل مع الواقع السياسي، بعقلية أو رؤية، أكثر انفتاحا، ولها القدرة على استيعاب هذا التعقيد. فمثلا كتابات السر عن الفترة الانتقالية كانت تحمل عدد من الشعارات البعيدة عن واقع عملية الانتقال الديمقراطي وعن توازن القوى داخل جهاز الدولة، ودور الدولة العميقة في تعطيل مسار الانتقال، ثم الانقلاب عليه في أكتوبر 2021، وغيرها من القضايا التي أدت لما أصابنا حاليا.
نواصل الحوار
” لكن هذه المفارقة لم تكن غائبة عن وعي اليسار السوداني نفسه. فبعيدًا عن الصورة الشائعة التي ترى الحزب الشيوعي تنظيمًا عقائديًا مغلقًا منذ نشأته، تكشف بعض وثائقه التأسيسية عن إدراك مبكر وخطير لمخاطر التحول من حزب حيّ إلى جهاز، ومن نظرية تحليل إلى لغة وصاية. ففي وثيقة المؤتمر الثالث عام 1963، دعا عبد الخالق محجوب بوضوح إلى إعادة النظر في العلاقة بين الحزب والجماهير، لا بوصفها علاقة تعبئة، بل علاقة معرفة متبادلة. شدّد على أن الجماهير ليست “موضوعًا” للتوجيه، بل فاعلًا حيًا، وأن الحزب إن لم يتعلم منها، سيتحوّل – دون أن يشعر – إلى بنية مغلقة تتحدث بلغة لا يفهمها الناس. لم يكن هذا نقدًا أخلاقيًا، بل تحذيرًا بنيويًا مبكرًا من فخ الحزب الذي “يعرف” ولا “يتعلم”.
siddigelzailaee@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم