جريمة البرهان و جنرالات جيش بقايا الإسلاميين لم تنحصر فقط في تعمد جر البلاد الي حرب شعواء، وتعمد الاضرار بالمواطنين، إنما امتدت كذلك الي تحويل مساعدات إنسانية؛ تقدمت بها منظمات دولية؛ تحويلها الي أسلحة فتاكة لتقتل من استهدفتهم المساعدات!
فبعد أن تعمد البرهان اضعاف المواطنين عبر التشريد و النهب والتقتيل ليستغلهم و يستغل “غبينتهم” كوقود لحرب تستمر طويلاً.. ويستغلها كزاد لشعبية سياسية تتيح له تنصيب نفسه دكتاتور مطلق الصلاحيات(بعد أن فشل بثبيت نفسه بتقتيل الشباب بعد انقلابه المشؤوم) ، وها هو يتعمد تحويل مساعدات تستهدف إنقاذ أرواح المواطنين الي سلاح قاتل (وصامت) يحصد المواطنين (قبل العدو) حصداً بل ويحصد الانعام قبل البشر ويسكن الحجر قبل الشجر، هاهو يسمم ذات المواطنين الذين أصبحوا خزان كبير ل”بل بس” و للفتك والمتك، ولشعبية الكاهن !
ما لا يعلمه “المواطن الغشيم” أن صحته وعلاجه وعلاج أفراد أسرته وتعليم أطفاله ومنذ زمن طويل (حتي ايام بحبوحة نفط الجنوب) تعتمد في الأساس علي مساعدات المنظمات الإنسانية !!
فالصحة العالمية واليونسيف هما الممولان الرئيسيان لوزارة الصحة ومستشفياتها، وهما من يدفعان رواتب اطباءها و ممرضيها!! وهما من يمولان عقود شراء الأدوية و المحاليل من أدوية الملاريا الي محاليل الأوردة و غسيل الكلي و جرعات علاج الأورام السرطانية، و تمولان الأنشطة الصحية الأخري بما في ذلك تنقية المياه واصحاح البيئة؟
و اليونسيف و البنك الدولي هما الممولان الرئيسيان لوزارة التعليم العام، وهما من يمولان طباعة كتبها وتطوير مناهجها ومن يدفعون رواتب معلميها وخبراءها!!
أما الحكومة فأصبحت مجرد منسق لتلك البرامج، تتلقي اموال المنظمات “فتسمسر فيها” و لاتسمح بأن يصل للمواطن “الغشيم” الا الفتات؟!
ومع ذلك فإن المواطن بل و كوادر الصحة والعلاج والتعليم انفسهم لايزالون يعتبرون أن السلطة والحكومة هي رب عملهم و ولي نعمتهم!!
فماذا إذا رأت تلك المنظمات بعد هذه الفضيحة وهذه “البرهان قيت” أنه من غير الأخلاقي الاستمرار في تقديم مساعدات في وضع يرجح فيه أن تتحول المساعدات الي سلاح يوجه الي صدر المستهدفين بالمساعدة!!
وماذا لو قررت تلك المنظمات وقف مساعداتها بعد “البرهان قيت” ؟!
إن تحويل كلور محطات تنقية مياه الشرب الي قنابل كيميائية يمثل فضيحة مدوية، ولو كانت السلطة تملك ذرة من الحياء و الأخلاق لكانت الاستجابة الوحيدة المتاحة لانفضاح ذلك العمل هو استقالات جماعية من القيادة المدنية والعسكرية.. لكن سلطة الحرب لازالت تتحلي بأخلاق الإسلاميين؛ حيث تتمثل الاستجابات في تعيين الضالعين في هذا العمل المشين والمخزي علي رأس لجان التحقيق ليقوموا بطمس الأدلة (طمس العارفين) وعلي طريقة المثل الشعبي (في أيده القلم مابكتب نفسه شقي)!
فهذا العمل في الأصل تم بقرار من الذي يقوم بتعيين لجنة التحقيق؟
أن لجان التحقيق في السودان أصبحت كحفارو القبور، مهمتهم دفن الحقائق قبل دفن الضحايا، كان هذا هو الحال طيلة حكم البشير (لجنة جرائم دارفور نموذجا) ولجان الفساد (التحلل)، و هو الحال مع سلطة الحرب منذ أيامها الاولي، فلجان التحقيق في فض الاعتصام (لجنة العسكريين و لجنة نبيل اديب)، ولجنة أحداث الجزيرة -كمبو طيبة، ثم أخيراً لجنة التحقيق في تهمة استخدام السلاح الكيميائي كلها لجان مهمتها اخفاء الحقائق و حماية الجناة و تعزيز الإفلات من العقاب!
لكن من ينجح في خداع (المواطن الغشيم) بعض الوقت لن ينجح في خداع قطاع واسع يتسم بوعي سياسي و حقوقي عالي، كما لن ينفع في خداع الرأي العام العالمي الذي سيضغط علي حكوماته للقيام بما يجب عليها.. ما يعني عودة السودان لحظيرة المنبوذين ولقوائم العقوبات والحصار والحظر..
وهل هذا هو كل شئ؟؟
لا، فليعلم الذين حرضوا علي الحرب، والذين خططوا لها، و الذين دعموا، والذين عارضوا مساعي السلام والهدنة، أنهم مسؤولين كذلك عن استخدام الأسلحة المحرمة في هذه الحرب؛ ولو لم تكن لهم صلة فعلية ومباشرة باستخدامها، إذ وفقاً للقرينة القانونية “افتراض العلم” فإن كل من أيد الحرب والوسائل العنيفة في مثل هذه الظروف “دولة وجيش متهمين سلفاً -دارفور- بارتكاب جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية” فإن القرينة القانونية تفترض فيه العلم/ أو تطالبه أن يعلم؛ بأن تجاوزات جسيمة يمكن أن ترتكب أثناء الحرب، عليه فإن التحريض او دعم العنف يعني كذلك التحريض بل والاشتراك في ارتكاب تجاوزاتها.
فليعلم دعاة الحرب والعنف والمحرضين علي سفك الدماء و علي التخريب والدمار؛ أن ما حدث ليس فضيحة البرهان وحده، إنما هي فضيحة لهم اجمعين، أنها فضيحة البلابسة كلهم، وليعلموا أن الخوض في الشأن العام ليس إطلاق قول علي عواهنه والقاء كلام لا يلقي له بال، إنما كل كلمة هم مساءلون عنها مساءلة قانونية (وشرعية) و (هل يُكب الناس يوم القيامة في نار جهنم الا حصائد ألسنتهم).
ابونوره اوهاج
