بقلم / عمر الحويج
صادفني أمس هذا المقال الذي نشرته في هذا الموقع بتاريخ 14 نوفمبر 2022م ، وتعمدت الآن إعادة نشره ، لأنبّه بعض أهل الصحافة من الصحفيين البلابسة ، لمحاولاتهم تفسير رسالة البرهان إلى الرئيس ترمب لصالح توازناتهم . وأقول لهم : لا هذي ولا تلك ، فهو الكذوب . فقط انتظروا رسالته الثانية لترمب ، ربما تكون ، أو لا تكون : لآخر جنجويدي. ثم منكم … تهليل تكبير
وإلى المقال القديم :
من حسن حظ شعبنا السوداني ، في تجاربه مع انقلابات العسكر ، منذ فاتحتها في 17 نوفمبر 1958 وحتى خاتمتها في 25 أكتوبر 2021 ، أنه عرف فيهم خصلتين .
الخصلة الأولى : أن ضربتهم المَحْرِية ، وغضبتهم المَضْرِية، ودَرْوَتَهم الفعلية ، لا تتجه إلا إلى كل من تسوّل له نفسه أن يقارع حجة سلاحهم بسلاح مضاد ، أو بالواضح الفاضح : انقلابهم بانقلاب مضاد .
انقلابهم ينجح في الديمقراطيات ، قلنا : ماشي ، وأمرنا لله في رئيسنا الديمقراطي المفرّط ديمة . وفي رأيي الشخصي ، أجبن العسكر هم انقلابيو الديمقراطيات ، فهناك ضمان ، على الأقل ، لحفظ الأعناق سليمة على الأكتاف ، بفضل الوساطات وسياسات “عفا الله عما سل”وما كان . أما الانقلاب المضاد ، فدعونا نقيس نتائجه بالعدد لا بالأوزان . فمن بين سبعة عشر انقلابًا ، لم يكن مصير ثلاثة منها الضربة المَحْرِية ولا الغضبة المَضْرِية، وإنما الدَرْوَة الفعلية . واللبيب بالإشارة يفهم.
كل هذه اللفة، التي لم تكن قصيرة ، لأصل إلى ما أريد قوله ، حتى لا أكون متجنّيًاز: إن البرهان كان كاذبًا ، كذّابًا، كذوبًا ، ولم يعمل بالمثل : “إن كنت كذوبًا كن ذكورًا” . فهو لم يكن كذلك ، فما قاله هنا نفاه هناك ، وما قاله هناك تناساه هنا . فقد غيّر وبدّل في الوقائع والشواهد ما شاءت ذاكرته المشوشة ، في خطابيه الاثنين ، في قاعدة حطاب العسكرية (لاحظوا : ليست الشعبية)، موصولًا حديثه هنا بخلط الأوراق في قاعدة المرخيات العسكرية للقوات الخاصة ، بدعوته الأولى التي حذّر فيها الإسلاميين فقط ، ثم دغمس الأمر بإدراج الشيوعيين والبعثيين في الثانية ، وإشراك قوى الحرية والتغيير في حكومته الأولىو، ثم طردها من جنته في حكومته الثانية ، حتى يضيع معنى التحذير والتخدير في الأولى ، ويعمى مقصده في الثانية .
أليست هي ذاتها التقية وفقه الضرورة؟؟ ولكن لماذا كل هذا ؟ ونقولها، ولا نريد دَرْوَة أخرى لأيٍّ كان، ولكن من باب واقع أفعال عسكر الاستبداد . نقولها فقط لأن غضبته لم تكن مَضْرِية ، وإنما كانت مسرحية فقط !! . ولأن ضربته لم تأتِ مَحْرِية ، وإنما كانت مسرحية فقط!! . ولأنها لم تصحبها دَرْوَة فعلية وعملية ، إنما هي هوشة مسرحية فقط!! . فحديثه جزء أصيل من الحلقات الأولى لمسلسل : “أذهب أنا إلى السجن حبيسًا ، وأنت إلى القصر رئيسًا” . المسلسل الذي بدأت حلقات جزئه الثاني ، أما الجزء الأول فكان في 30 يونيو 1989. وأما انقلاب 11 أبريل 2019ز، فقد تولّت إخراجه الحركة الإسلاموية ، ببطولته الجماعية المسماة باللجنة الأمنية ، وتواصلت حلقاته حتى حلقة 25 أكتوبر ، بطولة البرهان وحميدتيو، التي تُركت مفتوحة حتى إمكانية الوصول إلى الحلقة الأخيرة ، بإجراء الانتخابات (الخجّية الخمجّية)، والوعد فيها للمشاهدين أن تكون حلقة ترفيهية ، ترويحية ، بسيناريوهات تراجيكوميدية .
والعجيبة التي خذلتهم أن مخزون ذاكرة الشعب السوداني أصبح ، بفعل وعيه ، قادرًا على الكشف أولًا بأول عن مثل هذه الألاعيب العسكرإسلاموية . فلم يصدّقه إلا أولئك الذين لهم مصلحة ذاتية أو حزبية أكيدة في تصديقه ، من التسوويين وكتّابهم ومحلليهم ، ولا سيما استراتيجييهم ، محتكرِي ومتحكّرِي قنواتهم الفضية الفضائية ، وذوي النوايا الحسنة الذين أقنعوهم بأن الثورة يكفيها ما جنته وما جلبته للبلاد والعباد من تضحيات ودماء شبابها وشاباتها ، وأن الاكتفاء من الغنيمة بالإياب المؤقت هو سبيل حفظ ما تبقى إلى زمن آخر وثورة أخرى .
ولم يبيّنوا أو ينيروا لشعوبهم الطريق ، بأن الوقوف بالثورات في منتصفها نتيجته المزيد من دماء أبنائها وبناتها ، في نصفها المتبقي ، إذا عاش ووجد ، بل لن يكون حصادها سوى الإبادات ، ثم المزيد من الإبادات الجماعية .
أما الخصلة الثانية: فسوف أرجئ الحديث عنها إلى حين آخر ، ليصبح معناها وذكرها ، وحتى شرحها ، في بطن شاعرها ، إن مجد ، أو إذا ما جعل منها التسوويون ممكنة الحدوث .
عذلك يوم يبدّل البرهان بدلته الكاكية العسكرية ببدلته الملكية الجمهورية ، ليكون مرشح الإسلاميين والفلول والمستحدثين والمستجدينز، من كل طائفة ولون ، ومن كل من ليس له ناقة أو جمل ، حتى من الأبعدين ، ومن كل نطيحة ومتردية وما أكل السبع ، في الانتخابات القادمة ، بعد دغمسة المرحلة الانتقالية التسووية الفلولية ، ودفن الثورة وشهدائها ، وإجهاض تغييراتها الجذرية .
وختامًا ، أحذّركم ، ثم أحذّركم ، من إعلان حكومة ، أيًّا كان مسمّاها ومسعاها ومرساها ، بعيدًا عن قيادة لجان المقاومة وتنسيقياتها وقواها الثورية الحية ، مسترشدين بميثاقها ، وموقّعين معها وثيقتها المعلنة والمعنونة :
“الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب” .
والثورة مستمرة ،
والردة مستحيلة ،
والنصر آتٍ آتٍ ،
حتى ولو طال السفر والمسير والمصير .
***
[لا للحرب .. نعم للسلام .. والدولة مدنية]
