عبدالغني بريش فيوف
يعيش السودان اليوم واحدة من أحلك فترات تاريخه الحديث، حيث تتداخل مسارات الحرب اللعينة مع صفقات السياسة الملطخة بدماء الأبرياء، وفي ظل هذه المأساة، تبرز قرارات القيادة العسكرية السودانية، وعلى رأسها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، بقبول انشقاق قادة رفيعي المستوى من ميليشيا الدعم السريع ودمجهم في صفوف القوات المسلحة مع منحهم عفوا عاما مجانيا.
إن استقبال قادة مثل اللواء النور القبة، وقبله أبو عاقلة كيكل، لا يمكن قراءته بأي حال من الأحوال كمجرد تكتيك عسكري مرحلي لكسب المعركة، بل هو في جوهره ومالآته تأسيس خطير وعميق لثقافة الإفلات من العقاب، وشرعنة غير مسبوقة لتجاوزات ترقى إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
إن هذه الخطوة الكارثية تفتح الباب على مصراعيه لنسف مفهوم العدالة من جذوره، وتطرح تساؤلات جوهرية وموجعة حول شرعية من يملك حق العفو، وحجم الاستهانة البالغة التي تتعرض لها دماء وتضحيات الشعب السوداني المكلوم.
شرك الصفقات السياسية ومصادرة حقوق الضحايا..
تستند قرارات العفو التي يصدرها رئيس مجلس السيادة إلى حسابات عسكرية وسياسية ضيقة، تهدف ظاهريا إلى إضعاف الهيكل القيادي لقوات الدعم السريع وخلخلة صفوفها، ومع ذلك، فإن هذه الحسابات التكتيكية الباردة تصطدم بجدار صلب من المبادئ القانونية والأخلاقية التي لا تقبل المساومة.
إن الجرائم المروعة التي ارتكبت خلال هذه الحرب، من تطهير عرقي، إبادة جماعية، اغتصاب ممنهج، سلب للممتلكات، وتدمير شامل للبنية التحتية، هي جرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز فيها العفو بقرارات سيادية أو مراسيم تنفيذية يوقعها جنرال في لحظة نشوة عسكرية أو صفقة سياسية.
من الناحية القانونية والأخلاقية الصرفة، لا يملك عبد الفتاح البرهان، ولا أي سلطة سياسية أو عسكرية مهما علا شأنها ومهما بلغت سطوتها، حق إصدار صكوك غفران مجانية لمن تلوثت أيديهم بدماء المدنيين الأبرياء.
إن الحق الحصري في العفو أو القصاص، يعود للضحايا وحدهم؛ يعود للأمهات الثكالى اللواتي فقدن فلذات أكبادهن، وللعائلات التي شُردت من منازلها قسرا في الخرطوم والجزيرة وكردفان ودارفور، وللحرائر اللواتي انتهكت أعراضهن.
إن مصادرة هذا الحق الأصيل وتحويله إلى مكافأة لمن يقرر تغيير ولائه العسكري في اللحظات الأخيرة، هو إهانة مباشرة وصريحة لآلام الضحايا، ومحاولة بائسة لمصادرة حقهم المشروع في العدالة الانتقالية.
حينما يتم الترحيب بحفاوة بقائد ميداني قاد معارك دموية وحاصر مدنا كالفاشر وأسهم في إسقاطها، كما هو حال النور القبة، أو ساهم في ترويع آمنين في قرى الجزيرة والبطانة، فإن الرسالة الخطيرة التي تصل للمواطن السوداني البسيط، هي أن دمه رخيص جدا، وأن العدالة في بلاده مجرد ورقة مساومة رخيصة تُتداول في سوق النخاسة السياسية والعسكرية.
التناقض الصارخ ومحاكمة الضعفاء..
من أكثر المفارقات إيلاما واستفزازا للوجدان السليم في المشهد السوداني الحالي، هو ذلك التناقض الفج والمريع في تطبيق ما يُسمى مجازاً بالقانون، ففي الوقت الذي تُفتح فيه الأبواب المشرعة وتُفرش السجادات الحمراء لاستقبال قادة عسكريين بارزين من الدعم السريع، وتُقدم لهم التحايا العسكرية وتُغسل صحائفهم بكلمة واحدة من قائد الجيش، يتم اقتياد مئات المدنيين العُزل إلى زنازين المحاكم، بل وتصدر بحقهم أحكام قاسية تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد، لمجرد شبهة التعاون المحدود أو الاضطراري مع قوات الدعم السريع إبان سيطرتها الغاشمة على ولاياتهم ومناطقهم.
كيف يمكن لعقل أن يستوعب، أو لدولة أن تبرر، محاكمة مواطن بسيط بتهمة الخيانة العظمى لأنه باع سلعا غذائية لمقاتلي الميليشيا تحت تهديد السلاح وبدافع البقاء على قيد الحياة، بينما تُمنح صكوك البراءة والقيادة لجنرال كان يجلس في غرف العمليات ويصدر أوامر القتل والتدمير والتهجير؟
إن هذا الكيل بمكيالين لا يعكس فقط خللا في ميزان العدالة، بل ينسف ما تبقى من ثقة شعبية مهزوزة أصلا في مؤسسات الدولة المنوط بها حماية المواطن وتحقيق العدل.
هذا النهج المعوج يخلق حالة من الاحتقان الشعبي والاستياء العميق، وهو استياء بدأ يتنامى ويفور في الأوساط الشعبية التي ترى جلاديها يتحولون بين ليلة وضحاها إلى أبطال قوميين.
الإفلات من العقاب، الجرثومة التي تنخر جسد السودان..
إن الأزمة السودانية الحالية، بكل تجلياتها المأساوية، ليست وليدة الصدفة، وليست مقتصرة قط على صراع الخامس عشر من أبريل الدامي، بل إن أصل أزمات السودان المتناسلة منذ ما يُسمى بالاستقلال عام 1956، يكمن في غياب وتغييب مبدأ المحاسبة، وتجذر ثقافة الإفلات من العقاب في بنية العقل السياسي والعسكري السوداني.
لقد اعتادت النخب المتعاقبة على حل الصراعات المسلحة عبر أسلوب عفا الله عما سلف، ومبادلة دماء الأبرياء بمناصب سياسية أو رتب عسكرية أو حقائب وزارية.
هذه الثقافة المريضة أنتجت بيئة خصبة لنمو الفساد وتمدد المحسوبية في كل مفاصل الدولة، والأخطر من ذلك أنها أصبحت المصنع الأول لتفريخ الميليشيات، ولنا في التاريخ القريب والواقع المعاش أمثلة صارخة على الخطورة المدمرة للإفلات من العدالة، فعندما تم العفو في العقود الماضية عن قادة التمرد والميليشيات القبلية، بما في ذلك الجنجويد في بدايات تشكلهم، وتم دمجهم في أجهزة الدولة الرسمية دون أي مسألة أو محاسبة على جرائم الحرب المروعة في دارفور وغيرها، كانت النتيجة الحتمية هي تضخم هذه القوات العشائرية حتى ابتلعت جيش الدولة وكادت تبتلع الدولة نفسها.
إن العفو المجاني الحالي عن قادة الدعم السريع، هو مجرد استنساخ أعمى لنفس الخطأ الكارثي التاريخي.
هذا العفو يرسل رسالة واضحة لا لبس فيها للأجيال القادمة ولكل طامح في السلطة مفادها أن أقصر طريق للثروة والنفوذ، هو حمل السلاح، وتكوين ميليشيا، وارتكاب أبشع الفظائع ضد المدنيين، ثم التفاوض مع الدولة من مركز قوة، لتكون المكافأة النهائية، هي الدمج وتبييض السجل الإجرامي بالكامل.
علاوة على ذلك، فإن الإفلات من العقاب يمثل الضربة القاضية للسلم المجتمعي والتعايش السلمي، لأنه عندما يعود القاتل والمغتصب ليعيش جارا لضحيته التي فقدت عائلتها وشرفها بسببه، وهو يتبختر بزي رسمي يحصنه من أي ملاحقة قانونية، فإن النسيج المجتمعي يُدمر إلى الأبد، وتتحول المظالم غير المردودة إلى قنابل موقوتة في صدور المواطنين، مما يدفع المجتمعات المقهورة للبحث عن العدالة بأيديها، وهو ما يؤسس لحروب أهلية متسلسلة وثارات قبلية لا تنتهي نيرانها أبداً.
كما أن التسامح مع الجرائم الكبرى كالقتل والتطهير العرقي، ينسحب بالضرورة وبشكل تلقائي على الجرائم الصغرى والانتهاكات المدنية كالنهب المالي، الفساد الإداري، والمحسوبية، فالدولة التي تبرهن عجزها أو تواطؤها في محاسبة مجرم حرب ارتكب فظائع يندى لها جبين الإنسانية، لن تستطيع أبداً إقناع مواطنيها بقدرتها على محاسبة موظف مرتش أو مسؤول مختلس للمال العام، مما يجعل الفساد ثقافة مؤسسية محمية بقوة السلاح.
ولا يقف خطر الإفلات من العقاب عند هذا الحد، بل يمتد إلى تكوين جيوش موازية وقنابل موقوتة جديدة تحت مظلة الدولة الرسمية نفسها.
إن قيام قائد منشق مثل أبو عاقلة كيكل، بعد نيله العفو الرئاسي، بتأسيس ميليشيا جديدة تحت مسمى قوات درع السودان، تعتمد في جوهرها على استقطاب جهوي وقبلي محدد يتركز ثقلها في مناطق البطانة وشرق الجزيرة وتعمل تحت راية الجيش، هو زرع مباشر لبذور حرب قادمة لا محالة.
إن التسامح مع هذه الكيانات القبلية والعشائرية المسلحة، سواء كان ذلك بدافع الخوف أو الطمع التكتيكي، هو ذات الخطأ الاستراتيجي الذي أوصل السودان إلى حافة الهاوية والتشظي في المقام الأول.
إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق وجودي وتاريخي، فإما أن ينحدر نحو هاوية اللادولة والتمزق الشامل، وإما أن ينهض من تحت ركام هذه الحرب العبثية لتأسيس دولة حقيقية، وإذا استمرت قيادة الدولة في إدارة ملف الحرب والسلام عبر صفقات سياسية رخيصة تتجاوز حقوق الضحايا وتدوس على آلامهم، فإن السودان سيظل يدور في حلقة مفرغة من الدماء والدموع، وستتكاثر أزماته وتتناسل كخلايا سرطانية خبيثة لا تتوقف عن نهش جسد الوطن.
لكي ينهض السودان من رماده، ويطوي صفحة الحروب إلى الأبد، يجب أن يتحول مبدأ عدم الإفلات من العدالة إلى ثقافة عامة راسخة في عقول المواطنين، وممارسة مؤسسية صارمة لا تقبل الاستثناءات.
هذا التحول الجذري يتطلب أولا الإقرار الدستوري والسياسي بأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، هي جرائم سيادية عليا لا تخضع، تحت أي ظرف، لسلطة العفو الرئاسي أو السيادي، وأن من ارتكبها يجب أن يواجه مصيره أمام منصات العدالة.
كما يتطلب الأمر فهما عميقا بأن السلام المستدام لا يُبنى على النسيان القسري والمصالحات الفوقية الكاذبة، بل يُبنى على منظومة عدالة انتقالية شاملة تضمن محاكمات شفافة وعادلة لكل من تورط في انتهاكات، سواء كان من ميليشيا الدعم السريع أو الجيش أو أي جهة مسلحة أخرى، لضمان إنصاف الضحايا وجبر ضررهم كشرط أساسي للتعافي الوطني، ويجب على القيادة العسكرية أن تتعلم الفصل الحاسم بين التكتيك العسكري الميداني والحقوق الجنائية المدنية، فقد يُسمح عسكريا بقبول استسلام من يلقي السلاح حقنا للدماء وتقليلا لنزيف الأرواح، ولكن هذا الاستسلام يجب أن يقترن حتميا بالتجريد من الرتب العسكرية والمثول الفوري أمام لجان التحقيق والمحاكم المتخصصة، وليس بإقامة احتفالات التكريم واستقبال الفاتحين.
في الختام.. إن العفو المجاني الذي يوزعه عبد الفتاح البرهان بسخاء غير مبرر على قادة الميليشيات المنشقين، ليس خطوة شجاعة نحو السلام كما يُسوق له، بل هو طعنة نجلاء ومسمومة في ظهر العدالة وفي صدر كل أم فقدت ابنها في هذه الحرب الملعونة.
إن التاريخ الإنساني المعاصر يعلمنا، بوضوح شديد، أن السلام الهش المبني على تجاهل دماء الأبرياء والتستر على المجرمين هو مجرد استراحة محارب مؤقتة، ومحطة تزويد بالوقود قبل الانطلاق نحو جولة قادمة أشد عنفا وبشاعة وتمزيقا للوطن، وما لم يدرك صناع القرار في السودان، وما لم يفرض الشعب السوداني بوعيه وإرادته، أن بناء دولة المؤسسات والقانون يبدأ وينتهي عند منصات المحاكم العادلة التي تقتص للضحايا وتغلق باب الإفلات من العقاب للأبد، فإن هذه البلاد ستبقى رهينة أبدية لأمراء الحرب وعصابات الارتزاق، وستبقى دماء أبنائها الطاهرة مجرد حبر يُكتب به عقود صفقاتهم التي لا تنتهي.
إن العدالة في السودان، ليس ترفا فكريا أو مطلبا سياسيا مؤجلاً، بل هي الشرط الأساسي، والوحيد، لبقاء هذه الأمة على قيد الحياة.
bresh2@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم