الأحد: منصور خالد يقول البشير ما (طلعتش في رأسو) دفعني الفضول في مطلع عام ٢٠٠٩ الي زيارة الارشيف الوطني في منطقة قرين بيلت في ميرلاند بالولايات المتحدة الامريكية للاطلاع علي تقرير السفارة الامريكية عام ١٩٥٧ والذي اثار جدلا صاخبا في السودان لورود اسم الدكتور منصور خالد كأحد مصادر معلوماته وقد كان حينها طالبا في جامعة الخرطوم وقد دفع ذلك الدكتور عبدالله علي ابراهيم الي تحرير سلسلة مقالاته الشهيرة تحت عنوان ( القوال) ، وما ان فتحت ملف التقرير المشار اليه وجدت بطاقة مكتوب عليها ( محجوز لمدة عشرة ايام بغرض البحث والاطلاع) ولما عدت الي الموظف المسؤول قال ان باحث اسمه اسماعيل حجز الوثيقة ، ولم تعد متاحة الا بعد عشرة ايام. وهكذا غادرت دون ان احصل علي صورة من التقرير..
والدكتور منصور خالد الذي يصف نفسه بانه مؤرِّخ سياسي شحيح في إغداق الاوصاف والألقاب علي الناس الا بعد تثبت، وهكذا قال في ندوة تدشين كتاب السر سيد احمد ( سنوات النفط في السودان) العام قبل الماضي بانه باحث فتاش لا يأتي بقول الا يوثقه بمصدر، وهو ما اثبته في تقديمه للكتاب، وعن الطيب صالح كان يقول ان له قدرة علي احتمال الفارغين من كل موهبة، و عن الصادق المهدي قال انه رجل وقواقة مرتبك في نفسه مربك لغيره يظن في نفسه القدرة علي حل مشاكل العالم وهو لا يستطيع حل ابسط مشاكل أسرة المهدي. وعن الترابي قال يغرس الخنجر في صدر خصمه وهو يبتسم. وعن علي عثمان قال انه صوت العقل الوحيد في نظام الإنقاذ، وله حروف نضيدات في حق الصديق مصطفي البطل في طلب الحقيقة لانه يمسك الوعل من قرنيه. وقد أدهشني بدقة متابعته وهو ينوه بمقال كتبته عن العلاقات السودانية الامريكية في احدي محاضراته بوزارة الخارجية ويوصي بالاطلاع عليه.
. في مقابلة سابقة مع قناة الجزيرة قال الدكتور منصور خالد ان الريس البشير شخص متواضع وما يزال يحتفظ بشخصية بن البلد ويخدم ضيوفه بنفسه وقال في عبارة واضحة ( ما طلعتش في رأسو) اي ان السلطة لم تؤثر علي سلوكه و لم تطبع شخصيته بصولجانها وبريقها وخيلها و رجلها. ولكن كشفت وثيقة نشرتها ويكيلكس وهي عبارة عن تقرير رسمي من السفارة الامريكية ان منصور خالد قال في اجتماع مع ألبرتو فرنانديز القائم بالاعمال الامريكي حينها بان الريس البشير هو tabula rasa وهو مصطلح لاتيني يشير الي مفهوم ابستمولوجي يعني ان المعرفة تكتسب بالتجربة والملاحظة لان الانسان يولد دون ان يكون في عقله معرفة سابقة وهو عكس ما يشير اليه الفيلسوف جون لوك في سياق المدرسة السلوكية بان العقل ولد يحمل جزء من المعرفة وليس مجرد سبورة سوداء. وهو ما يشير الي ان الريس البشير اكتسب معارفه وخبراته بالممارسة والتجربة وليست نتيجة لافكار مسبقة.
الاثنين: عنصرية تشرشل ضد أهل السودان
يضحك تشرشل في قبره علي مثقفي السودان وهو يقول ان الخلاسية هي الكارثة لانها أنتجت في السودان عرقا مشبوها ومنبتا؟ فقد احتفت النخبة السودانية بالوصف الذي أغدقه وينستون شرشل المراسل الحربي في كتابه ( حرب النهر) اثناء غزو كتشنر للسودان، ورئيس الوزاراء البريطاني لاحقا علي أهل السودان وهو يشيد ببسالتهم وشجاعتهم ويقر بان بريطانيا لم تهزمهم في معركة كرري الفاصلة ولكن حصدتهم بالمدافع، وتناسي هؤلاء الوصف العنصري القاسي الذي أطلقه علي سكان السودان في ذلك الوقت. واظن ان تشرشل قدم وصفا عنصريا لسكان السودان اكثر من كتاب ماكمايكل، وأكثر هجاءا من كتاب سلاطين ( السيف والنار) الذي اعتمد عليه في تحرير بعض فصول الكتاب. فهو يقر بان هذا التمازج العربي الأفريقي أنتج عرقا منبتا وصادما، مما يعني انه سبب الكارثة وليس مصدر ثراء وتنوع واحتفاء كما نظن . فبعد ان قدم وصفا جميلا في كتابه عن طبيعة السودان الجغرافية ومركزية النيل في النشاط البشري، يقول انه يمكن التمييز بين فرعين من البشر هما، السكان الأصليون والعرب الغُزاة المستقرون، مشيرا الي ان عدد السكان حينئذ لا يتجاوز ثلاثة مليون علي أفضل تقدير نسبة للحروب وحملات الرّق والتنكيل. ويقول عن السكان الأصليين انهم زنوج بسحنة سوداء مثل الفحم، اقوياء ولكنهم بدائيون و اصحاب عقول صغيرة، وهم يعيشون مثل إنسان ما قبل التاريخ يصطادون ويتزوجون ويموتون دون ادني اي أفكار تمنحهم معني لحياتهم ما عدا غرائزهم الجسدية ، ويعكس نشاطهم وسلوكهم البربري ما يتطابق فعليا مع مجموعات تعتبر ادني درجة في التطور البشري، ان ضيق افقهم و ادراكهم وخفة عقولهم تبرر فوضي سلوكهم وجهلهم يبرر كذلك سذاجتهم هذا رغم انهم شجعان ومخلصين.
ويقول تشرشل انه رغم تفوق الزنوج في العدد والشجاعة الا ان العرب تفوقوا عليهم بالذكاء وامتلاك القوة، واعتداد الشخصية ، ويقدم تفسيرا لهذا التنوع السكاني الذي طبع حياة السودانيين فيقول ان التمازج العربي الزنجي نسبة لتدفقات هجرة المسلمين عبر مصر والمغرب وعبر البحر الأحمر هو ما أكسب السودانيين هذا اللون وتسربت خصائص الشخصية العربية الي دمائهم، وقال ان التمازج العربي الزنجي أدي الي انتاج نوع منبت من السكان اكثر فظاظة ويرتكبون أفعالا صادمة ، لأنهم اعلي مرتبة في الذكاء من الزنوج الأصليين، وقال ان العرب الغزاة سيطروا علي البلاد و نشروا دينهم ثقافتهم ولغتهم وتقاليدهم علي سكان البلاد الأصليين من الزنوج وفي ذات الوقت قاموا باصطيادهم واسترقاقهم وبيعهم في أسواق جدة للعبيد. هذا وصف قاس بلا ريب، ولا جرم ان تشرشل حرر كتابه بصفة المؤرخ العسكري الذي يسعي للتقليل من خصومه وتمجيد إمبراطوريته مما يفقده الحياد العلمي، ولكن محاولته لوصف سكان السودان الأصليين بأنهم اقل درجة في التطور البشري ليست من العلمية في شيء ، كما ان دخول العرب للسودان كما تشير بعض المصادر سابق علي دخول الاسلام. ويبدو في بعض فصول الكتاب متأثرا بكتاب سلاطين السيف والنار الذي عده احد مراجعه عن الثورة المهدية.
الثلاثاء: ابو الحسن الندوي ومولانا علي الميرغني نبهني الأساتذة الإجلاء د. البوني والمسلمي الكباشي علي الخطا غير المقصود في مقال الأسبوع الماضي عندما نسبت خطا كتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) للمودودي بدلا عن الندوي، كما أشار البوني ايضا الي ان احسان عباس كان قد سبق وان نشر كتابه ( غربة الراعي) منجما في الصحف وشن في تلك الحلقات هجوما عنيفا علي الهرم العلمي البروفيسور عبد الله الطيب، ولكن عندما نشر كتابه المذكور قام بسحب النقد و الهجوم الشخصي علي البروفيسور عبد الله الطيب. وفي هذا السياق تثبت ادبيات التوثيق الثقافي والاجتماعي ان ابا الحسن الندوي سبق وان زار السودان وطلب مقابلة مع مولانا السيد علي الميرغني الذي التمس تأجيل الزيارة لعدة ايام ريثما يتهيأ للقاء. ومن ثم عكف علي قراءة ومطالعة كتب ابو الحسن الندوي ، وعندما قابله لاحقا اعجب الندوي بذكاء وسعة اطلاع مولانا علي الميرغني الذي أدهشه بغزارة معلوماته عن كتبه ومؤلفاته ومتابعة التطورات الصاخبة في العالم الاسلامي.
ولكن المقابلة التي ذهبت الي أضابير التاريخ المروي هي التي زار فيها الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل مولانا علي الميرغني في عام ١٩٥٤، فطفق يحدثه كلما ساله عن الوضع السياسي وخيارات الاتحاد مع مصر او الاستقلال عن ممالك النحل والنمل حتي ضاق هيكل ذرعا بذلك ، وقال له الميرغني في النهاية أنا لا اتحدث في السياسة لكن يمكنك التحدث مع الخلفاء لكنني يمكن ان أحدثك عن مملكة الطيور، فانسحب هيكل وهو يصف المشهد متعجبا لانعدام الكراسي في الغرفة، فقد كان مولانا علي الميرغني يجلس في كرسي والمصباح الوحيد في الغرفة كان مسلطا عليه، ووضع كرسي اخر ليجلس عليه هيكل، مما يشي بانه لا مكان لجلوس الزائرين بل عليهم الجلوس علي الارض، وذلك عكس مجلس السيد عبدالرحمن المهدي حيث كانت غرفة الاستقبال تعج بالكراسي ولا احد يجلس علي الارض.
الأربعاء: مو ابراهيم والأقليات في افريقيا في المقابلة التي اجرتها دورية ( الشئون الخارجية) مع رجل الاعمال السوداني البريطاني مو ابراهيم كما اشرت في مقال الأسبوع الماضي تحدث عن الأقليات الاثنية المهاجرة و دورهم في ترقية التجارة والاقتصاد في القارة حيث أشار الي وجود الآسيويون خاصة الهنود في شرق القارة واللبنانيون والسوريون في غرب القارة، وقال ان الهجرة تعتبر مصدر دفع اقتصادي وثراء ثقافي، وقال رغم أهمية الدور الإيجابي للمهاجرين في شرق وغرب القارة الا ان قليل منهم اختار الاندماج في المجتمعات الافريقية اذ اكتفي جلهم بالتجارة والعيش في الدول الافريقية دون الحصول علي جنسيتها او الاندماج في مجتمعاتها. حديث مو ابراهيم يفتح الباب حول دور الأقليات الاثنية المهاجرة الي السودان في دفع وترقية الاقتصاد القومي، لقد كانت تجربة المهاجرين اليونان والأرمن والسوريين للسودان منذ بدايات القرن الماضي إيجابية المردود اقتصاديا وثقافيا ولكن قطعتها إعلانات التأميم التي اصدرها الريس نميري. وكشفت التجربة ايضا ان الأقليات الاثنية عملت في مجال التجارة في السودان دون الاندماج في المجتمع السوداني لذا سهل عليهم قطع الصِّلة معه بمجرد الخروج منه. ان التدفقات الكبيرة من دول الجوار دون ضوابط مرعية ستحدث خللا في التركيبة الديمغرافية للبلاد علي المدي الطويل خاصة من خلال وجود فجوة سكانية وقلة في الايدي العاملة. لعله من الأوفق والاحكم للجهات المختصة ان تقنن اوضاع الهجرة وتفتح الباب لهجرة قانونية نوعية من المتعلمين واصحاب الخبرات بدلا من التدفق غير المقنن من دول الجوار بدوافع اللجوء وسوء الأحوال الاقتصادية وهم كتل بشرية لا تجلب اي فايدة ملموسة للبلاد بل ربما تزيد من انتشار الجرائم والمظاهر السالبة. علي أهل الشأن ان يختاروا بين ان يفتحوا الباب لهجرة منظمة من المتعلمين واصحاب الخبرات، وبين الغزو العشوائي وتدفق الكتل البشرية من دول الجوار وهو امر سيدفع السودان ثمنه عاجلا ام اجلا.
الخميس: كرتي في الواشنطون تايمز
نشرت صحيفة الواشنطون تايمز تعليقات سالبة علي زيارة السيد وزير الخارجية علي كرتي لواشنطن للمشاركة في صلوات الافطار الوطنية بقلم نيكولاس هانلون الذي قال في مقام التعريض بالزيارة ان أدولف ايخمان في واشنطون وهي إشارة للنازي الذي تمت محاكمته في القدس بتهمة ارتكابه جرايم ضد اليهود. وجاءت تعليقات الصحيفة ضمن الحملة التي شنها ناشطون لافشال زيارة وزير الخارجية لواشنطن ، وهي حملها يعوزها الذكاء والاحترافية، فقد ذكرت الصحيفة ان علي كرتي يزور واشنطون باعتباره ريس وزراء السودان وقد تمت ترقيته لذلك المنصب عام ٢٠١٠ بعد ان قاد بنجاح قوات الدفاع الشعبي ، والجنجويد الذين نسبتهم بأنهم صنيعة القذافي لتعريب تشاد.
ولا شك ان وقوع صحيفة مثل الواشنطون تايمز في مثل هذا الاخطاء وخلط الحقائق ، يشكك في دوافع مشاركتها في هذه الحملة ، وهو سقوط مهني مريع لا تقع في مثله اصغر صحيفة في القارة الافريقية. لا شك ان هذا المنبر يشارك فيه الآلاف من محبي السلام في العالم ، وللسودان أصدقاء داخل المؤسسات الدينية الامريكية ممن يدفعون باخلاص وجدية نحو تحقيق السلام في السودان. ولكن اختارت الواشنطون تايمز وهو تقع في خطا مهني مريع ان تقف الي جانب استمرار الحرب وليس ارساء قواعد السلام في السودان.
الجمعة: خطاب قريشن لصديقه ما زال حيّا
بعث الي صديق من واشنطون هذا الأسبوع بنسخة من الخطاب الذي حرره قريشن المبعوث الخاص الأسبق للريس اوباما للسودان لأحد أصدقائه بواشنطن عام ٢٠١٠ قبل الاستفتاء و نشرته صحيفة الصحافة حينها بترجمة حاذقة من البروفيسور عبد اللطيف سعيد. ويبدو ان كثيرين صدقوا لأول وهلة صدور الخطاب فعلا رغم ان السفارة الامريكية اضطرت الي إصدار نفي رسمي كذبت فيه حقيقة الخطاب. وقد احدث خطاب قريشن المزعوم حينها جدلا صاخبا بين المتابعين والمهتمين الذين تمني بعضهم ان لو كان هذا الخطاب صدر حقيقة لا انتحالا لانه خاطب بذكاء تحديات واضطرابات تلك المرحلة من تاريخ السودان . والخطاب برمته من ابتداع خيال البروفيسور عبد اللطيف سعيد الذي ابدع فكرته وتفرد في أسلوب صياغته وتحريره حتي ظنه الجميع حقيقة لا خيالا، و الذي جعله اقرب للحقيقة هو قراءته الموضوعية للأحداث والأشخاص ، فهو قد توقع انفصال جنوب السودان وقد حدث بالفعل، ووصف تردد الصادق المهدي رغم ثقافته وعلمه وخبرته وتعليمه الغربي ، وها هي الأيام تثبت بعد مرور خمس سنوات ان توقعاته كانت صحيحة. وتوقع ان تواصل النخبة الحاكمة حكم البلاد لعقد او عقدين قادمين ، وها هم يحكمون لمدة نصف عقد من صدور الخطاب. كان يمكن للبروفيسور عبداللطيف سعيد ان يحرر مقالا يضمنه توقعاته للأحداث السياسية للبلاد، ولكن الصيغة التي اختارها لايصال رسالته وهو خطاب من قريشن لصديقه، خلقت منه نصا مبدعا و زخما محمودا ، وفجر سيلا من التحليل و التعليقات وجعلته حديث المنتديات لردح من الزمان.وما يزال بعض الناس يعيدون نشره علي انه حقيقة. ولا غرو فان كاتبه أديب مطبوع ، وشاعر ذرب اللسان يستخفي بقوافيه وإبداعه عن الناس والنشر. لكن الذي صنع كل هذا الخلط الملابسات بشأن الخطاب خطا تحريري غير مقصود، اذ كتب البروفيسور عبد اللطيف سعيد في اعلي الخطاب fiction اي خيال، فقام المحرر بحذف الكلمة باعتبارها زائدة عن النص، لذا لا تثريب علي الذين ما يزالون يتبادلون نص الخطاب باعتباره حقيقة، ولكن الناس يذكرون قريشن وينسون مبدع الخطاب.
kha_daf@yahoo.com
/////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم