طاهر عمر
ثورة ديسمبر المجيدة و شعارها الجبار حرية سلام و عدالة كانت علامة فارقة بين تقدم الشعب و سقوط النخب السودانية. و قطعا الشعب السوداني لم يكن في جزيرة معزولة عن أحداث العالم مهما إرتفع جدار الفصل و مهما طال ليل التعبئة و الزج السياسي الذي أفضى لطريق ليس له علاقة بالتحول في المفاهيم التي صاحبت العالم في الثلاثة قرون الأخيرة.
و أقصد هنا بالتحديد أن التعبئة و الزج السياسي في السودان خلال القرن الأخير بنى حواجز بين المثقف التقليدي السوداني و بين التحول في المفاهيم التي أنتجت المجتمع الحديث و حوجته الى مفهوم الدولة الحديثة و مفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية في المجتمعات الحية و هذا يحتاج لأدب الحريات و ليس لأدب الهويات القاتلة التي حجبت المثقف السوداني من فكر عقل الأنوار و أفكار الحداثة.
لهذا السبب تتضح لنا حوجة المثقف التقليدي السوداني لمساعدة الخارج لأن المثقف السوداني التقليدي ما زال أثير بنى ثقافية تقليدية متجذرة و مقاومة للحداثة كما يقول هشام شرابي في فكره الناقد للأبوية و الأبوية المستحدثة و هشام شرابي ما وصل لفكره النير إلا بعد إنتقاده لتجربته و تجديده لمناهجه التي فتحت له الطريق لمعرفة كيف يفتح الطريق المسدود بالبنى الثقافية التقليدية المتجذرة و المعادية للحداثة.
بنظرة سريعة الى مسيرة النخب السودانية التقليدية في مسيرتها قبل و بعد الإستقلال يتضح لك هيمنة البنى الثقافية التقليدية على عقلها و إنعكست في فعلها السياسي إبتداء من إنتماءها الى أحزاب تعكس طابع هيمنة الأبوية و الأبوية المستحدثة و سيرها في طريق يكرس لسيطرة البنى الثقافية التقليدية المتجذرة و المقاومة للحداثة.
لذلك جاء فعلهم السياسي كله داخل حلقات مفرغة و محكمة الإغلاق و لم يستطيعوا كسرها و الشب عن طوقها الى لحظة إضاعة وهج ثورة ديسمبر بوثيقة دستورية إنتقالية إرتضت الشراكة مع العسكر. و هذه هي الضربة القاضية التي قصمت ظهر ثورة ديسمبر و جاءت من عقل قانوني سوداني تقليدي تقدم الصفوف بسبب غياب السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و المدرك لمعنى فلسفة التاريخ الحديثة.
و من هنا تبرز حوجة النخب السودانية التقليدية الى مساعدة الخارج لكي يخرجهم من غوصهم المزمن في وحل فكرهم الهووي الصاخب الذي أفضى لتفاعل موضعي قطع طريق ثورات الشعب السوداني التي تمثل المطلب الجماعي للحرية. و أقصد مساعدة العالم الخارجي لكي يخرج النخب السودانية الغائصة في وحل فكر الأبوية و الأبوية المستحدثة.
بيان الرباعية الذي لم تدعى له النخب السودانية هو الذي أقصده كمساعدة من الخارج للنخب السودانية لكي تجسر الهوة بين فكرها التقليدي و فكر بيان الرباعية و روح الفكر الأمريكي و ليس فكر السعودية كنظام ملكي تقليدي و لا الامارات و لا مصر تحت رئيسها السيسي الذي أعاد الدكتاتوريات العربية التي فشلت في تجسيد قيم الجمهورية من جديد.
أمريكا في بيان الرباعية هي من أجبرت مصر و السعودية و الإمارات على عودة التحول الديمقراطي في السودان و هدف أمريكا هندسة الشرق الأوسط الجديد و سيكون بلا خطاب للإسلاميين. أي سيكون قيام الشرق الأوسط الجديد بداية النهاية لخطاب الإسلاميين بعد تعطليهم للعالم العربي و الإسلامي خلال الخمسة عقود الأخيرة بأوهام إسلامية المعرفة و ها هو خطاب الإسلاميين الآن تحت منجل الحصاد الأكبر و مكنسة الفناء الأبدي.
كيف تدعوا الرباعية و في قيادتها أمريكا من فجاءتهم ثورة ديسمبر؟ و أذكر من المتفاجئين الواثق كمير و مقاله الكرة في ملعب الرئيس و يقصد البشير قبل سقوطه و تعويل الواثق على أن تكون هناك دبارة مع الإسلاميين. و ما زال الواثق كمير كان شاله ما بنشال و كان خلوه سكن الدار في موالته لجيش الكيزان بل أضاف عليها إنبهاره بمصر و أنها صاحبة العقد و الحل و بالمناسبة إنبراش الواثق كمير لمصر ظاهرة تستحق الدراسة ربما تبين لنا لماذا تبحث النخب السودانية عن ولي أمر على الدوام؟
أم أذكر الدكتور النور حمد في لقاء نيروبي الذي خدعهم به الكوز خالد التجاني النور و قدم الدكتور النور حمد فكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين. و بعدها جاء الدكتور النور حمد يدق طبول إنتخابات عشرين عشرين التي يخوضها البشير و لم يخطر بباله خاطر يقول له أن ثورة ديسمبر على الأبواب و ها هو الآن حاله معاكس للواثق كبير في إصطفافه مع الدعم السريع صنيعة الكيزان في إنتظارهما لنتائج حرب عبثية بين جيش الكيزان و أداة موتهم الدعم السريع.
أم تدعوا الرباعية لبيانها الدكتور الشفيع خضر صاحب المساومة التاريخية بين يسار سوداني رث و يمين سوداني غائص في وحل الفكر الديني؟ من تجربة الدكتور النور حمد و الواثق كمير و الشفيع خضر يتضح لنا أن فكرهم لم يكن يسير بإتجاه مسار ثورة الديسمبر المجيدة و موعدها مع التاريخ لتحضر سيرة عرس الحضارات.
حالهم و أقصد النور و الشفيع و الواثق كحال أغلب النخب السودانية أسيرة البنى الثقافية التقليدية المتجذرة و المقاومة للحداثة كما يقول عالم الإجتماع الفلسطيني هشام شرابي. و وضح كل ذلك في محاباتهم لخطاب الإسلاميين و ماحباتهم للدكتاتوريات العربية الإسلامية و قد أوصى عالم الإجتماع العراقي فالح عبد الجبار بإقتلاعها من الجذور في نفس وقت دعوتهم للمؤالفة و المساومة و الكرة في ملعب الرئيس.
ماذا يقول كل من الدكتور النور حمد و الشفيع و الواثق كمير بعد إعلان كيزان السودان تنظيم إرهابي؟ غايته كما يقول أهل السودان على حالة تجربة المذكورين الوجيع راقد!
لذلك بيان الرباعية و كان في غياب النخب السودانية محاولة من أمريكا لإخراج النخب السودانية من حالة عقل الحيرة و الإستحالة العاجز من مواجهة التحدي و التغلب عليه كما يقول شرابي. و هنا تتضح ميوعة فكرة النور في الموالفة بين العلمانية و الدين في وقت أغمض النور حمد عينيه عن المشروع النقدي للفلسفة التي تجعل العلمانية بديلا للدين. و هنا تنعدم خصوصية مجتمعاعتنا التي يتخفها خلفها أصحاب عقل الحيرة و الإستحالة كما يفعل صاحب المساومة و كذلك يفعل صاحب الكرة في ملعب الرئيس.
بالمناسبة عقل الحيرة و الإستحالة العاجز عن مواجهة أي تحدي و التغلب عليه ليس وسط النخب السودانية لوحدهم بل متجذر في جميع الدول العربية و الإسلامية التقليدية لذلك تأخرت نهضتهم و يقظتهم و تأخر إنعتاقهم بسبب غياب الفكر الهادف و واعي بدور التغيير و المتحدي للفكر الديني الذي يمثل حاضنة الأبوية و الأبوية المستحدثة كما يقول شرابي.
و المضحك و محزن في نفس الوقت الذي غابت فيه النخب السودانية عن بيان الرباعية و كأنه لم يعنيهم بسبب تجاهل أمريكا لهم. عجزت النخب في فلسطين عن مجابهة تعنت حماس كما عجزت نخب لبنان عن فكاكهم من إختطاف حزب الله للبنان كدولة فاشلة و عجزت النخب في سوريا عن مجابهة دكتاتورية الأسد و جاء التغيير من الخارج بإقتلاع إسرائيل لحماس و تدميرها و نزع سلاحها و تدمير حزب الله و قتل حسن نصر الله و إسقاط بشار الأسد و هروبه المذل و ها هي إيران تحاصر داخل إيران بعد قطف عمامة الولي الفقيه و قتله.
لذلك يعتبر بيان الرباعية إنقاذ للنخب السودانية من عقل الحيرة و الإستحالة و قد منعتاه من كسر الحلقة المفرغة و محكمة الإغلاق و الشب عن طوقها. و على النخب السودانية أن تقبل بهذه المساعدة لأنها عاجزة عن إنجاز أي تغيير بوعيها المتدني. و عليهم بأن يدركوا أن مشروع أمريكا في التحول الديمقراطي في السودان الهدف منه إنفاذ مشروع الشرق الأوسط الجديد و هو خالي من تنطع الإسلاميين كإرهابيين و لا يزدهر مشروعهم إلا في الدول الفاشلة كحالة السودان قبل ثورة ديسمبر المجيدة.
تدخل أمريكا و روح فكرها في بيان الرباعية الخاص بالسودان يذكرنا بتدخل أمريكا و الغرب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و مساعدتهم لكل من ألمانيا و اليابان على التحول الديمقراطي و قد كان. و لولا تدخل الغرب و أمريكا لتأخر حدوث تحول ديمقراطي في كل من اليابان و ألمانيا و هذا ما ينتظر السودان لذلك على النخب السودانية بأن تقبل بفكر بيان الرباعية الذي تمثله روح الفكر الأمريكي روح الديمقراطية كبديل لوحل الفكر الديني.
في ختام هذا المقال نرجع لعنوان المقال و دور البناء الأسري و دور ثقافته في إنتاج النظم السياسية و هنا يمكننا القول إلتقاء فكر كل من هشام شرابي و الفيلسوف الفرنسي عمانويل تود.
في فلسفة عمانويل تود خارطة العالم توضح لنا أن ثقافة الأسرة النووية هي القادرة على إنتاج النظم الديمقراطية و نجدها في أغلب دول الغرب و الولايات المتحدة الامريكية.
أما ألمانيا فثقافتها هي ثقافة الأسرة الجذعية التي تنتج النظم الشمولية و الدكتاتورية و هي تشبه ثقافة الصين و روسيا و اليابان فأنظر لروسيا بوتن ما زالت دكتاتورية و من قبل لم تصبح حاضنة للشيوعية في الإتحاد السوفيتي إلا لأنها تعم فيها ثقافة الأسرة الجذعية و كذلك حال الصين مع الشيوعية بسبب ثقافة الأسرة الجذعية و اليابان و لم تتخلص منها إلا بعد إجبارها بعد هزيمتها بعد الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا.
و هنا وجب التوضيح. السودان في ثقافته النوبية الكوشية مصنف من ضمن ثقافة الأسرة النووية إلا أنها إضطربت و صارت ثقافة الأسرة الجذعية التي تنتج الدكتاتوريات و الشموليات بعد إندثار روح الحضارة النوبية و الكوشية بسبب هيمنة الثقافة العربية الإسلامية التقليدية. لذلك يحتاج السودان لمساعدة أمريكا و تجسدها روح بيان الرباعية و يعتبر مساعدة للسودان كما حصل مع ألمانيا و اليابان بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية.
taheromer86@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم