التحرير الثاني ورقصة زوربا .. بقلم: منى عبد الفتاح

كيف لا

 

moaney [moaney15@yahoo.com]

 مرّ الثاني من ديسمبر هذا العام  ، ذكرى اليوم العالمي لإلغاء الرق الذي حددته الأمم المتحدة عام 1949م  وسط احتفاء جمعيات حقوقية على صعيدنا العربي كجمعية الحقوقيين البحرينية والأردنية ، ودون كلمة تُذكر على مستوى الجمعيات الحقوقية السودانية. ولم تذكر سوى صحيفة واحدة من صحفنا  أو المواقع السودانية على الشبكة العنكبوتية حرفاً واحداً عن هذا اليوم أو عن خطاب الأمين العام للأمم المتحدة  بان كي مون الذي جاء هذا العام محدداً وضافياً فقد ذكر فيه :" إن مكافحة الرق لا تقتصر  على حظره مباشرة عن طريق القانون فحسب، وإنما تعني أيضا مكافحة الفقر، والأمية، والتفاوت الإقتصادي والإجتماعي، والتمييز بين الجنسين، والعنف ضد النساء والأطفال". وقد أجمل الأمين العام للأمم المتحدة في رسالته،  العوامل التقليدية والحديثة التي تجعل من البشر عرضة للاستعباد  منها عبودية البشر ، عبودية  الديون ، العمالة القسرية ، الزواج القسري ، تجنيد الأطفال والاتجار بالأعضاء البشرية وغيرها . لكن هل يشكل فقراء السودان والجماعات المهمشة اجتماعياً واقتصادياً  وسياسياً نوعاً من أنواع الرق . إذا كانت الإجابة بنعم ، فهل يحتاج فقراء ومهمشي الشعب السوداني إلى مشروع تحرير ثانٍ ؟ وللتفكر في هذا الاستفهام أظننا نحتاج في هذه الذكرى إلى أكثر من النظر إلى الخلفية التاريخية  التي تدين تلك الممارسات المرتبطة بمفهوم الرق المباشر لتتطور إلى معالجة آثار ما بعد المكافحة المتولدة من تلك الممارسة من تفاوت اجتماعي واقتصادي وتعصب وعنصرية .

 ذكرى هذا اليوم تكشف الحاجة إلى أكثر من هذا المشروع التحرري – على أهميته- وهي في الحقيقة حاجة ماسة ،فالإنساني مرتبط بالاجتماعي ، بالاقتصادي ، بالثقافي ، بالسياسي  في حلقات متشابكة .وذكرى اليوم تقودنا إلى النظر  إلى أكبر حلقتين في هذه المنظومة وهي الحلقة الاجتماعية في تداخلها مع الثقافية، لنجد أننا لا نكاد نتحرر من أسر الماضي . وبالرغم من أن الحرص على الظهور بمظهر ثقافي جيد وأصيل هو مطمح المشغولين بالهم الثقافي إلا أن هذا الهم هو هم عام يؤثر ويتأثر بالتفاعلات الاجتماعية في المجتمع المعين. ما يريده المثقفون انتاجاً ثقافياً يرتبط بمضمون الإنسان السوداني جملة وتفصيلاً ، ولا ينفصل عن المضمون الإنساني العام ، انتاجاً مستقلاً يمثل السودان ولا يقف في وجه تيارات التطور الحديثة . هذا هو تمني المثقفين ولكنهم عندما ينظرون إلى قياس حضارة السودان مقارنة بما توصلت إليه شعوب أخرى رصيفة ، يتواضع التمني إلى أن يتحول إلى يأس .

 ما تبقى من آثار  حضارة السبعة آلاف سنة نعيش عليه الآن ونقتات دون أن يزيد  أو نزيد. الآداب نفسها تدور على رحى السنين الماضية وإن خرجت بجديد نرى مؤلفات مختلطة ومضطربة . الأغاني ما زالت تُستخرج من جوف الحقيبة ، وينال المؤدون الجوائز والاستحسان على ما تم تأديته ملايين المرات.لو قلنا أن السودان تنطوي ثقافته على حضارته السالفة ، فليس لدينا خيار سوى أن نلجأ إلى التاريخ ، والتاريخ عندنا منقوص مبتور . وإن إدعينا أن لنا حضارة معاصرة فيتوجب علينا أن نعيد تقييم ما نقدمه الآن ونتفحص أوراقنا ، فيما فعلناه ودوناه . وأن نفك شفرة المعادلة غير متكافئة الأطراف في الآني الذي شهد تحولات اجتماعية خطيرة ولم يشهد تحولات ثقافية موازية .

 تحولات السودان الحديث أنتجت تحولات ثقافية غير مرئية ، تكمن أطروحاتها في وعي ولا وعي المجتمع . وللكشف عن الكامن يحتاج المجتمع إلى وقفة مع نفسه ، ويحتاج المهتمون إلى أن يعملوا على نفض الغبار عن الكامن والمكتوم ليحرروا ما أنتجته هذه التحولات ، وتحتاج عملية التحرر هذه إلى "زوربا" يعلمنا كيف نقفز إلى أعلى مستغلين إمكانياتنا لنرقص رقصة التحرير الثانية ثم ندونها ذكرى لا تُنسى. 

عن صحيفة "الأحداث"

عن منى عبد الفتاح

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً