التنمية الاشتراكية في دول الجنوب العالمي: الاقتصاد السياسي المقارن، الديناميات المؤسسية، والدروس السياسية للسودان (الجزء الثاني)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الفصل الرابع – التجارب الاشتراكية التطبيقية في تنزانيا
4.1 مفهوم الأوجاما وأصوله في تنزانيا
كان مفهوم الأوجاما (بالسواحيلية: “الأخوة” أو “العائلة الممتدة”) الركيزة الأساسية للاشتراكية التي وضعها الرئيس تانغانيكا (لاحقًا تنزانيا) جولياس نيريري بعد الاستقلال عام 1961، ثم صرف إلى سياسات تطوير اجتماعي‑اقتصادي مع إعلان أروشا في 5 فبراير 1967، والذي وضع أسس التنمية الاشتراكية في البلاد (Rwekaza, 2008). تم تعريف الأوجاما في سياق التنمية على أنه نموذج يقوم على التكافل الاجتماعي والتعاون الاقتصادي بين السكان في القرى الزراعية، بهدف ضمان العدالة الاجتماعية وتخطيط الإنتاج وتوزيع الموارد في إطار سيطرة الدولة وعناصر المجتمع المحلي على العملية الاقتصادية (Delehanty, 2020).
4.2 برنامج التجمعات الأوجامية (1973–1976)
بين عامي 1973 و1976، نفّذت الحكومة سياسة Operation Vijiji أو “برنامج التجمعات الأوجامية”، وهو برنامج لإعادة توطين السكان الريفيين في قرى مخططة تسمى قرى الأوجاما بغرض تنظيم الملكية الجماعية للأراضي والعمل الزراعي الجماعي وتسهيل تقديم الخدمات العامة (Operation Vijiji, 1973–1976). اعتمد هذا التحول على نقل آلاف الأسر الريفية في جميع أنحاء تنزانيا إلى القرى الجديدة، وكان الهدف المعلن هو زيادة كفاءة تقديم الخدمات مثل التعليم والمياه والرعاية الصحية عبر تنظيم السكان في تجمعات مركزية.
4.3 الخدمات الاجتماعية والقيمة الاجتماعية للأوجاما
ظل توفير الخدمات الاجتماعية من أكثر نتائج الأوجاما شبه نجاحًا حتى مع الانتقادات الاقتصادية. وفقاً لتقارير في أواخر السبعينات وثمانينات القرن العشرين، ارتفعت معدلات الإلمام في تنزانيا إلى مستويات مرتفعة — حيث بلغت نسبة الإلمام بين البالغين نحو 90% في منتصف الثمانينات، وهو أعلى مستوى في إفريقيا في ذلك الوقت (Massoi, 1999). وقد ساهم هذا المناخ في تحقيق تسهيلات في وصول السكان الريفيين إلى التعليم الأساسي والثانوي دون تمييز بسبب العرق أو الطبقة أو الخلفية الاقتصادية.
4.4 تحديات الإنتاجية والإدارة الاقتصادية
رغم الفوائد الاجتماعية، واجهت السياسات الاقتصادية تحديات جوهرية. أشار عدد من التحليلات إلى أن الإنتاجية الزراعية لم ترتفع بالشكل المتوقع لأن التجمعات الأوجامية أعاقت الزراعة التقليدية الفعالة، حيث أن التوزيع القسري للأراضي وإجبار الأسر على الانتقال أخلّ بالخبرات الزراعية المحلية وعطل استراتيجيات الزراعة التي كان يهيمن عليها الفلاحون قبل الأوجاما (Mandalu et al., 2018). علاوة على ذلك، أثرت العوامل الخارجية مثل الأزمات الاقتصادية العالمية في السبعينات وتراجع الدعم المالي الدولي على قدرة الحكومة التنزانية على تمويل البرامج الاشتراكية بصورة مستدامة (Mandalu et al., 2018).
4.5 نقد الأوجاما وانتقاد التطبيق العملي
ركز النقاد على أن التطبيق الفعلي للأوجاما كان بعيدًا في كثير من الأحيان عن مبادئه النظرية، وأن البرنامج فُرض بطريقة من أعلى إلى أسفل في كثير من المناطق بدون مشاركة كافية من المجتمعات الريفية في التخطيط، مما أدى إلى مقاومة وتذمر من بعض الفلاحين الذين لم يروا الفائدة المباشرة في حياتهم اليومية (Rwekaza, 2008). كذلك، أشارت الدراسات إلى أن الأوجاما، رغم أهدافها في خلق تعاونيات زراعية، فشلت في تلبية توقعات النمو الاقتصادي، مما دفع الحكومة في نهاية المطاف إلى تبني سياسات تحرر اقتصادي جزئي في الثمانينات (Mandalu et al., 2018).
4.6 التوازن بين المزايا والقيود
يُظهر منظور تقييم السياسات أن الأوجاما أسهم في تحسين نوعية الحياة في بعض جوانبها الاجتماعية — مثل محو الأمية وتوسيع الخدمات العامة — لكنه أخفق في تحقيق زيادة مستدامة في الإنتاجية الاقتصادية أو النمو المتوازن عبر القطاعات (Rwekaza, 2008). تظل الفائدة الأساسية في الأوجاما هي قدرتها على توفير إطار اجتماعي يعزز التماسك الاجتماعي والوصول إلى الخدمات الأساسية، بينما كانت القيود الاقتصادية والمؤسسية سببًا في عدم ترجمة هذا التكافل الاجتماعي إلى نتائج اقتصادية قوية.
4.7 الدروس المستفادة لتطبيق الصيغ الاشتراكية
يمكن استخلاص عدة دروس من تجربة الأوجاما لتطوير سياسات تنموية في سياقات مشابهة مثل السودان. من أبرز هذه الدروس:
- أهمية إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ لضمان قبول السياسات وتحديد احتياجات السكان الفعلية.
- ضرورة توازن بين خطة الدولة والمبادرات المحلية حتى لا يؤدي التوجيه المركزي الكامل إلى تعطيل الخبرات التقليدية.
- ضرورة مرونة السياسات الاقتصادية بحيث تستجيب للتغيرات الخارجية وتوفر وسائل فعّالة لزيادة الإنتاجية إلى جانب العدالة الاجتماعية.
الفصل الخامس – التجارب الاشتراكية في آسيا وأمريكا اللاتينية
5.1 التجربة الكوبية: الصحة والتعليم كنموذج اشتراكي شامل
تُعدّ كوبا نموذجًا بارزًا في كيفية توظيف الدول الاشتراكية للسياسات العامة في الصحة والتعليم كركيزتين للتنمية البشرية. تشير الدراسات الصحية إلى أن النظام الصحي الكوبي مبني على الرعاية الصحية الأولية الشاملة التي تغطّي جميع السكان، بما في ذلك المناطق الريفية، عبر فرق طبية تعمل ضمن مجتمعاتها، ما ساهم في تحقيق مؤشرات صحية عالية مقارنة بدول ذات دخل مماثل (de Vos & De Ceukelaire, 2006).
وفق تقرير منظمة الصحة الأمريكية، وصل معدل الإلمام في كوبا إلى نحو 99.9% في عام 2021، بينما بلغ معدل متوسط سنوات الدراسة نحو 10.7 سنوات في الفترة 2002‑2022، مع تناقص ملحوظ في معدلات الوفيات الرضعية وارتفاع متوسط العمر المتوقع عند الولادة إلى 78.3 سنة بحلول 2024 (PAHO, 2024).
تُظهر التحليلات العلمية أن هذا النجاح الصحي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنظام التعليم الشامل الذي بدأ بعد الثورة، والذي رفع فرص التعليم للجميع وساهم في رفع الوعي الصحي لدى السكان، ما يعزز قدرة النظام الصحي على تنفيذ برامج وقائية فعالة (Aguirre & Collins, 2023).
5.2 الصين: الإصلاح الاشتراكي المعدّل بالسوق منذ 1978
انطلقت الإصلاحات الاقتصادية في جمهورية الصين الشعبية رسميًا في ديسمبر 1978، بهدف إدخال آليات السوق ضمن الإطار الاشتراكي السائد، وذلك لتحقيق زيادة في الإنتاجية، جذب الاستثمار، وخفض الفقر (Kang & Li, 2024). ترتكز هذه الإصلاحات على تحرير بعض الأسعار، تحديث الزراعة عبر نظام المسؤولية العقدي، وتحفيز الصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة بينما تظل الدولة تتحكم في القطاعات الاستراتيجية (Kang & Li, 2024).
لقد أدّت هذه السياسات إلى نمو اقتصادي قوي ومستدام، وتأثير مباشر على خفض معدلات الفقر في الريف بشكل كبير، حيث انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بشكل مطلق من حوالي 50% أو أكثر في أوائل الثمانينات إلى أقل من 5% بحلول عام 2005 وفق تقديرات متعددة اقتصادية (Ravallion & van de Walle, 2008). إن النمو السريع في مستوى الناتج المحلي الإجمالي وزيادة الدخل الفردي عزز قدرة الأسر على الوصول للخدمات الأساسية ومكنّ الدولة من تمويل برامج اجتماعية مؤثرة في القطاعات الحيوية.
5.3 فيتنام: دمج السوق ضمن الإطار الاشتراكي عبر إصلاحات Đổi Mới
أطلقت دولة فيتنام الاشتراكية في ديسمبر 1986 إصلاحات Đổi Mới بهدف إدماج آليات السوق تدريجيًا داخل الاقتصاد المركزي المخطط، مع تحرير الأسعار، تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الاقتصادية (World Bank, 2024).
وفق تقارير البنك الدولي، شهدت فيتنام نموًا دائمًا في الناتج المحلي الإجمالي للفرد من أقل من 700 دولار في 1986 إلى نحو 4,500 دولار في 2023، مع انخفاض كبير في نسبة السكان الذين يعيشون بأقل من 3.65 دولار في اليوم من 14% في 2010 إلى أقل من 4% في 2023 (World Bank, 2024).
ساهم هذا النمو إلى جانب التحسينات في التعليم والبنية التحتية الصحية في تعزيز التنمية الشاملة، رغم التحديات المتبقية مثل الفوارق بين المناطق الحضرية والريفية ومحدودية الموارد لدى بعض الفئات الاجتماعية (Pham Viet Anh, 2025).
5.4 مقارنة التجارب والدروس المستفادة
تهدف مقارنة هذه التجارب الاشتراكية في آسيا وأمريكا اللاتينية إلى استخلاص الدروس التالية:
- الاستثمار في رأس المال البشري: ترتبط مؤشرات الصحة والتعليم المرتفعة في كوبا بنظم تعليم وصحة عموميين قادرين على الوصول إلى السكان في جميع المناطق (PAHO, 2024; de Vos & De Ceukelaire, 2006).
- المرونة في السياسات الاقتصادية: دمج آليات السوق داخل إطار اشتراكي يدعم النمو ويخفض الفقر كما في الصين، مع الحفاظ على التحكم في القطاعات الاستراتيجية (Ravallion & van de Walle, 2008; Kang & Li, 2024).
- التحول المؤسسي المتدرّج: تجربة فيتنام تظهر أهمية الدمج التدريجي بين التخطيط المركزي ودور السوق في تعزيز التنمية الاجتماعية وتقليل معدلات الفقر المستمر (World Bank, 2024; Pham Viet Anh, 2025).
5.5 الدروس التطبيقية للسياسات الاشتراكية في السودان
يمكن للسودان الاستفادة من هذه التجارب عبر ما يلي:
تعزيز التعليم والرعاية الصحية كركيزتين أساسيتين لتنمية رأس المال البشري، مع برامج شاملة قادرة على استهداف الفئات الضعيفة وتحسين جودة التعليم والخدمات الصحية.
تبني نهج اقتصادي مرن يوازن بين التخطيط المركزي والتخصيص السوقي لتحفيز الإنتاج وزيادة فرص العمل والاستثمار الداخلي.
تنظيم الموارد الطبيعية بطريقة عادلة تضمن توزيع الإيرادات لدعم التنمية الاجتماعية، مع الحفاظ على الاستدامة البيئية والمؤسسية.
تعزيز القدرة المؤسسية لضمان التنفيذ الفعّال للسياسات، مع إشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار لضمان توافق السياسات مع الاحتياجات الفعلية للسكان.
الفصل السادس – مقارنة السياسات الاشتراكية في آسيا وأمريكا اللاتينية
6.1 المنهجية التحليلية للمقارنة
يعتمد هذا الفصل على بيانات وتقارير موثوقة من مؤسسات عالمية مثل البنك الدولي (World Bank) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بالإضافة إلى دراسات منشورة في الدوريات المحكمة حول التنمية والاقتصاد السياسي. يهدف التحليل إلى تسليط الضوء على التشابُهات والاختلافات بين التجارب الاشتراكية المعدلة في كل من الصين، فيتنام، وكوبا، مع التركيز على السياسات، النتائج التنموية، والآليات المؤسسية. الإطار التحليلي يؤكد أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية تتفاعل مع المؤسسات والحوكمة لتؤثر على النتائج التنموية بطرق ملموسة وقياسية (World Bank 2018; UNDP 2024).
6.2 الصحة والتعليم: مقارنة موسَّعة
الصحة والتعليم في الصين
أظهرت بيانات البنك الدولي أن الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في الصين في أواخر السبعينات أدت إلى تحسن مستمر في متوسط العمر المتوقع عند الولادة ليصل إلى نحو 77–78 سنة في عام 2023، كما شهدت منظومة التعليم تطوراً كبيراً في تغطية المدارس وتحسين جودة التعليم، مما ساعد على رفع مستوى رأس المال البشري وتعزيز القدرة على المشاركة الاقتصادية والإنتاجية (World Bank 2023). وقد ساهم هذا التحسن في تقليل معدلات الأمراض المعدية وزيادة متوسط سنوات الدراسة بين السكان عبر العقود الأخيرة.
الصحة والتعليم في فيتنام
وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ارتفع مؤشر التنمية البشرية في فيتنام من أقل من 0.5 في أوائل التسعينات إلى حوالي 0.72 بحلول عام 2022، ما يعكس تحسناً ملحوظاً في الصحة والتعليم والدخل (UNDP 2024). كما ساهمت هذه التحسينات في تقليل معدلات وفيات الأطفال وتحسين التسجيل المدرسي على نطاق واسع، رغم التحديات الاقتصادية التي سبقت الإصلاحات.
الصحة والتعليم في كوبا
بينما كانت الموارد الاقتصادية محدودة، أظهرت بيانات البنك الدولي أن كوبا حافظت على متوسط عمر متوقع عند الولادة يصل إلى نحو 78 سنة، وهو مستوى يضاهي كثيراً من الدول ذات الدخل المرتفع نسبيًا، مما يعكس تركيز النظام الاشتراكي على تحسين الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية لجميع المواطنين (World Bank 2024). كما ساهمت برامج التطعيم الشاملة وتوفير التعليم الأساسي المجاني في تعزيز صحة السكان وتحسين مستويات المعرفة والمهارات.
6.3 التشابُهات بين التجارب الاشتراكية المعدّلة
1) الاستثمار في رأس المال البشري
تُظهر جميع التجارب الثلاثة تركيزاً مشتركاً على تحسين الصحة والتعليم كجزء من الاستراتيجية التنموية. في الصين، توسعت التغطية الصحية والتعليمية ضمن سياق تحرير السوق الاشتراكي، ما أدى إلى تحسين جودة الحياة وتعزيز الإنتاجية الاقتصادية (World Bank 2023). وفي فيتنام، حسّنت إصلاحات Đổi Mới التعليم والرعاية الصحية بشكل كبير، ما رفع مؤشرات التنمية البشرية بشكل ملحوظ (UNDP 2024). أما كوبا، فحافظت على مستويات عالية نسبيًا في الصحة والتعليم مع تركيز واضح على العدالة الاجتماعية والقدرة على الوصول الشامل للخدمات (UNDP 2022).
2) خفض الفقر عبر سياسات اشتراكية مرنة
رغم اختلاف السياقات الاقتصادية والسياسية، اعتمدت الصين وفيتنام نموذجاً يجمع بين التخطيط المركزي والتحفيز السوقي. الصين خفّضت الفقر المدقع بشكل غير مسبوق منذ عام 1978، إذ انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون بأقل من 1.90 دولار يومياً من نحو 88% إلى أقل من 1% بحلول 2018، ما يمثل خفضًا لأكثر من 700 مليون شخص (World Bank 2018). وفيتنام حققت انخفاضًا كبيرًا في الفقر منذ تطبيق إصلاحات Đổi Mới عام 1986، حيث انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون بأقل من 3.20 دولار يوميًا من 16.8% في 2010 إلى حوالي 5% في 2020 (World Bank 2022).
3) النظم المؤسسية القوية
تؤكد الدراسات أن قوة المؤسسات الحكومية تعد عاملًا محوريًا في نجاح التجارب الاشتراكية المعدلة. في الصين، عززت المؤسسات الحكومية تنفيذ السياسات على المدى الطويل بطريقة فعالة ومستدامة (Rodrik 2007). وفي فيتنام، ظهرت قدرة مؤسسية متزايدة على إدارة التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق نتائج ملموسة في التنمية (World Bank 2022). حتى في كوبا، رغم القيود الاقتصادية الخارجية، لعبت الأطر المؤسسية دوراً في الحفاظ على الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم (UNDP 2022).
6.4 الاختلافات بين التجارب الاشتراكية
1) نمط دمج السوق ضمن الاشتراكية
يختلف عمق وطبيعة دمج السوق ضمن النظام الاشتراكي بين الدول الثلاث. الصين اعتمدت دمجاً واسعاً ومنهجياً لعناصر السوق ضمن إطار اشتراكي موجه، مع الحفاظ على ملكية الدولة للقطاعات الاستراتيجية (World Bank 2023). بينما في فيتنام، تم اعتماد نفس النهج لكن بطريقة مرحلية وتدرجية منذ 1986 مع الحرص على الانفتاح التدريجي للتجارة والاستثمار (World Bank 2022). أما كوبا، فلم يتم دمج آليات السوق بنفس العمق، بل ظل التركيز على التخطيط المركزي الكامل في القطاعات الحيوية، مما حد من بعض فرص النمو الاقتصادي.
2) النتائج الاقتصادية الكلية
تحققت تفاوتات كبيرة في حجم النمو الاقتصادي الكلي بين الدول. الصين حققت فائضًا في الناتج المحلي الإجمالي وتحولت من اقتصاد زراعي إلى صناعات متقدمة، بينما فيتنام سجلت نمواً قوياً لكنه أقل نطاقًا، مع التركيز على الصناعات التحويلية والتصدير (World Bank 2018; World Bank 2022). أما كوبا، فقد حافظت على مستويات جيدة من الخدمات الاجتماعية لكن النمو الاقتصادي الكلي ظل محدودًا بسبب العقوبات الدولية وضعف تنوع الإنتاج (UNDP 2022).
3) هيكلة القطاعات الاقتصادية وعلاقتها بالأسواق الدولية
الصين أصبحت أحد أكبر المصدرين عالميًا بفضل تطوير القطاع الصناعي والتجاري، بينما فيتنام ركزت على الصناعات التحويلية المتوسطة ونجحت في زيادة الصادرات لكنها لم تصل إلى حجم الصين (World Bank 2022). كوبا واجهت تحديات كبيرة في التصدير بسبب محدودية الموارد وضعف القدرة على التوسع في الأسواق العالمية.
6.5 مقارنة مؤشرات التنمية البشرية
على الرغم من التشابُه في تحسين الصحة والتعليم، تختلف مستويات التحسن بين التجارب الثلاثة. في الصين، مؤشرات التنمية البشرية ارتفعت بشكل مستمر مع متوسط عمر متوقع عند الولادة نحو 77–78 سنة، وتحسن شامل في التعليم، وانخفاض ملموس في الفقر المدقع (World Bank 2023; World Bank 2018). في فيتنام، ارتفع مؤشر التنمية البشرية بشكل ملحوظ مع متوسط عمر متوقع بين 73–75 سنة، وتحسن كبير في التعليم وخفض الفقر بشكل معتبر (UNDP 2024; World Bank 2022). أما كوبا، فتمتعت بمؤشر تنمية بشرية مرتفع نسبيًا، مع متوسط عمر متوقع عند الولادة نحو 78 سنة، نطاق واسع من التعليم، لكن ظلت تواجه بعض المشاكل في خفض الفقر (UNDP 2022; World Bank 2024).
6.6 استنتاجات مقارنة
تظهر المقارنة أن النهج المؤسسي القوي يعتبر عامل تشابُه رئيسي بين الصين وفيتنام وكوبا، حيث يضمن تنفيذ السياسات بفعالية. كما يميز التدرج في دمج السوق ضمن الإطار الاشتراكي الصين وفيتنام عن كوبا بشكل واضح. نطاق خفض الفقر والنمو الاقتصادي الكلي أكبر في الصين، يليه فيتنام، بينما تواجه كوبا قيودًا مرتبطة بالبيئة الدولية. أخيرًا، تُظهر التجارب الثلاثة أن الاستدامة التنموية تعتمد على المزج بين العدالة الاجتماعية، الاستثمار في رأس المال البشري، والمرونة المؤسسية في تعديل السياسات وفق الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
الفصل السابع – دروس مستفادة للسودان من التجارب الاشتراكية المعدلة في آسيا وأمريكا اللاتينية
7.1 المنهجية التحليلية للفصل
يركز هذا الفصل على استخلاص الدروس العملية والممكنة للتطبيق في السودان من التجارب الاشتراكية المعدلة في الصين، فيتنام، وكوبا، مع مراعاة الخصائص الاقتصادية والاجتماعية للسودان مثل الزراعة، الرعي، الموارد الطبيعية، والبنية المؤسسية المحدودة. يعتمد التحليل على بيانات وتقارير موثوقة من البنك الدولي، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ودراسات أكاديمية محكمة لتحديد السياسات الاقتصادية والاجتماعية القابلة للتطبيق (World Bank 2018; UNDP 2024; Rodrik 2007).
7.2 التحديات التنموية في السودان
يعاني السودان من عدة تحديات رئيسية يمكن أن تؤثر على تنفيذ السياسات الاشتراكية:
- اعتماد الاقتصاد على الزراعة والرعي: تشكل الزراعة التقليدية والرعي جزءاً كبيراً من الناتج المحلي الإجمالي وتشغل نسبة كبيرة من السكان (World Bank 2023).
- عدم التنوع الاقتصادي: السودان يعتمد على صادرات محدودة، بما في ذلك النفط والمعادن، مع ضعف الصناعات التحويلية.
- الفقر متعدد الأبعاد: تشير بيانات UNDP إلى أن حوالي 46% من السكان يعيشون تحت خط الفقر الوطني، مع تفاوت كبير بين المناطق الحضرية والريفية (UNDP 2024).
- التحديات المؤسسية: ضعف قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ الفعال للسياسات التنموية، خاصة في المناطق النائية والنزاعات القبلية (Rodrik 2007).
7.3 الدروس المستفادة من التجارب الصينية والفيتنامية والكوبية
1) الاستثمار في رأس المال البشري
التجارب الثلاثة أظهرت أن التركيز على الصحة والتعليم يعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل مباشر:
في السودان، يمكن اعتماد برامج شاملة لتحسين التعليم الريفي والصحة الأولية، بما في ذلك التوسع في المدارس الصحية والتعليمية المجتمعية، وتوفير برامج تدريبية للرعاة والمزارعين.
نتائج الصين وفيتنام تشير إلى أن الاستثمار المبكر في التعليم والصحة يقلل الفقر المدقع ويحسن القدرة الإنتاجية للأجيال القادمة (World Bank 2023; UNDP 2024).
2) خفض الفقر عبر سياسات اقتصادية اشتراكية مرنة
يمكن للسودان تبني نموذج تدريجي يجمع بين التخطيط المركزي والتحفيز الاقتصادي للسوق، بما يتناسب مع القطاع الزراعي والرعوي:
تشجيع جمعيات تعاونية للمزارعين والرعاة لتحسين الإنتاجية والدخل.
دعم برامج قروض صغيرة ومتوسطة للوصول إلى التكنولوجيا الزراعية الحديثة.
استلهام تجربة فيتنام في التدرج التدريجي للإصلاحات، مع مراقبة تأثيرها على الفقر والتنمية الاجتماعية (World Bank 2018; World Bank 2022).
3) تعزيز النظم المؤسسية
تعلم السودان من التجارب الثلاثة أن قوة المؤسسات وقدرتها على التخطيط والتنفيذ الفعّال تعد شرطًا أساسيًا لنجاح السياسات:
تحسين إدارة الموارد الطبيعية، خاصة الأراضي والمياه، عبر مراكز إقليمية للتخطيط الزراعي والرعوي.
بناء قدرات الموظفين الحكوميين في مجالات التخطيط والتنمية الريفية.
تطوير أنظمة مراقبة وتقييم للبرامج التنموية لضمان تحقيق النتائج المرجوة (Rodrik 2007; UNDP 2024).
4) دمج السوق ضمن الإطار الاشتراكي
تشير التجارب إلى أن دمج آليات السوق بشكل محسوب يمكن أن يحفز النمو:
السودان يمكنه تشجيع مشاريع خاصة صغيرة ومتوسطة في الزراعة والصناعات الغذائية المرتبطة بالموارد الطبيعية، مع الحفاظ على الرقابة والدعم الحكومي للقطاعات الاستراتيجية.
تجنب الانفتاح السريع الذي قد يضر بالمزارعين والرعاة الصغار، واتباع سياسة تدرجية في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية (World Bank 2023).
5) التركيز على العدالة الاجتماعية
تجربة كوبا توضح أن توفير خدمات الصحة والتعليم للجميع يعزز الاستقرار الاجتماعي:
يمكن للسودان تبني برامج توظيف ريفية، خدمات صحية متنقلة، ومدارس مجتمعية في المناطق المهمشة، خاصة في مناطق النزاعات القبلية والريفية.
الربط بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية يساهم في الحد من النزاعات المحلية وتحسين جودة الحياة (UNDP 2022).
7.4 توصيات عملية لتطبيق التجارب الاشتراكية المعدلة في السودان
- استثمار مكثف في التعليم والصحة، مع التركيز على المناطق الريفية والنائية.
- إصلاح تدريجي للنظام الاقتصادي، بحيث يجمع بين التخطيط المركزي والتحفيز السوقي للقطاعات الزراعية والصناعية المرتبطة بها.
- تعزيز القدرات المؤسسية للوزارة المختصة بالتنمية الريفية والزراعة، بما يشمل التخطيط، الرقابة، وإدارة الموارد الطبيعية.
- دعم التعاونيات الزراعية والرعوية لتوسيع نطاق الإنتاج وتحسين الدخل المحلي.
- تطبيق برامج اجتماعية شاملة تقلل من الفقر متعدد الأبعاد وتزيد من الاستقرار الاجتماعي.
7.5 الاستنتاجات
تظهر المقارنة أن التجارب الاشتراكية المعدلة في الصين وفيتنام وكوبا توفر نموذجاً عملياً للسودان إذا تم تكييفه مع الخصائص المحلية. الاستثمار في رأس المال البشري، التدرج في الإصلاحات الاقتصادية، تعزيز المؤسسات، دمج السوق بشكل محسوب، والتركيز على العدالة الاجتماعية، تشكل العناصر الأساسية التي يمكن أن تساعد السودان على تحسين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الحد من الفقر، وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم