جمال محمد ابراهيم
صدر كتابُ “الثورة الجزائرية والدَّعم السوداني” هذا الشهر نوفمبر/تشرين 2025، عن “وزارة المجاهدين وذوي الحقوق” في الجزائر، وذلك اسم الوزارة كاملاً بقصد أن يحمل أوفى معاني الوفـاء . وقد يذهب ذهنُ المتلقِّي إلى أنَّ الكتاب المذكور، لا يعدو أن يكون إصدارة دعائية وترويجاً إعلاميـاً للثورة الجزائرية في عيدٍ من أعيادها السنوية. لكن الواقـع غير ذلك. تلك ثورة إن بادر أهلوها المناضلون لأن يحتفـوا بذكرى انتصارها عام 1962، فهي ثورة بلد المليـون شــهيد، صِفة ميَّزتْ الجزائر، ليكون نضالها بذلـك، الأغلى ثمنـاً في كتاب حركات التحرّر في القـارة الأفريقــية، بل وفي كامل بلـدان العالم التي نالت استقلالها في سموات النصف الثاني من القرن العشرين .
وأصحِّح لك نظرتك، وأقول إنَّ تلك الإصدارة لم تكن بطبيعتها كتابا دعائيـاً مَحضـاً، ولا ترويجـاً مجانيـا يُلقى جـانبـاً بعد الاطلاع عليه. كـلا . بل هو ثمرة مشروع توثيقي مُحكـم، وجهد أكاديمي رصيـن، رصد علاقات الدَّعـم السوداني للثورة الجزائرية، والسَّـند الذي رافقَ حراك تلك الثورة منذ بداياتها عام 1954، وحتى انتصارها بنيل الاستقلال عام 1962م. ولمشروع ذلك الكتاب قصَّّـة تروى، ووراءه جهدٌ يستحق كثير التقـدير، وعظيم الثناء، لما حمل من المقاصد نبيلها ومن مشـاعر التضامن أعزَّها.
(2)
لم يغِبْ عن نظر السفيرة النابهة نادية محمد خير وهي تتولى مهمتها سفيرة للسودان في الجمهورية الجزائرية، أنَّ للسودان علاقات ضاربة الجذور في عمق التاريخ مع مجمل البلدان المغاربية والجزائر بوجهٍ خاص. جاء في كتاب “الحزام السوداني” وهو كتاب مرجعي ألفه الكاتب السفير عبدالهادي الصديق تناول فيه العلاقات التاريخية لشعوب ذلك الحزام الممتد من المحيط الأطلسي إلى سواحل البحر الأحمر. أشار المؤلف إلى انتشار الطريقة التيجانية في أطراف أقاليم ذلك الحزام ، وإلى أنَّ مؤسّس الطريقة السيد أحمد التيجاني، ولد في مدينة صغيرة اسمها “عين ماضي” في وسط الجـزائر، أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، فلا غرو أن نجد للطريقة انتشارا بسبب رحلات الحجيج شرقا وجنوبي الجزائر عابرين مناطق كردفان ودارفور ووادي النيل ثمّ عبور البحر الأحمر إلى الحجاز. إذاً للتاريخ حضور عميق وتواصل قديم، ليس طارئا ولا عرضيا. لعلَّ هذه الملامسة العربية الأفريقية ، تفسِّـر اتساع رقعة الطريقة التيجانية من أقصَى المغـرب، مروراً بتونس والجزائر وموريتانيا وإلى تخوم دارفـور وكردفان. لعلاقات السودان بالجزائر ما هو أبعد وأعرق من علاقات القرن العشــرين.
(3)
تنبَّهت سفيرة السودان الأستاذة نادية محمد خير عثمان وهي تبتدر أولى أيام توليها لمهمةِ تمثيل بلادها في الجزائر، إلى ما انطوتْ عليه العلاقة بين بلدها والجزائر
من تميّز وعمقٍ وخصوصية.
في الدعم السياسي، وقف الزَّعيم السُّوداني إسماعيل الأزهري ومن مؤتمر “باندونق” في عام 1955 مؤيدا للمجاهدين الجزائريين، ولم يكفَّ السودان عن الدعم والسند السياسي الرّسـمي والشعبي لتلك الثورة، متواصلا بلا حدود. في اجتماعات الأمم المتحدة، كان للسُّـودان صوته المدوّي في إدانة للتجارب الذرّية في الصحراء الجزائرية . وقف مندوب السودان الدائم السفير عمر عبدالحميد عديل ، مدافعا عن حق الجزائريين في تقرير المصير والتحرر من ربقة الاستعمار الكولونيا لي. خاطب مندوب السودان دورة الجمعـية العامـة عام 1960، موجّهاً حديثه للمندوب الفرنسي:
“..إن فرنسا هي الدولة الوحيدة التي ظلتْ في حربٍ مستدامة منذ عام 1939، في الدفاع عن حريتها ، لكنها اتبعت أقســى الأساليب غير الإنسانية لسـلب الآخرين حـرياتهم”.
إنّ مهمّة كُلِّ سـفيرٍ يبتعث ليمثل بلاده في دولة أخرى، قـد لا تتعدّى اهتماماته دعم العلاقات القائمة وتمتين الصلات بين بلاده والبلاد التي استضافته. لكن ما بادرت بإنجازه السفيرة نادية ، تعدى ذلك إذ التفتت لتأصيل العلاقة بين بلدها والبلاد التي جاءت تمثل بلادها فيها. مع اهتمامها بملفات العلاقات الثنائية الماثلة في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والرياضية، وأبلتْ خلال أدائها الدبلوماسي المميز، البلاء المقدَّر لتمتين علاقات بلادها مع الجزائر، لكنها وقفتْ على جذور العلاقات بين بلادها والجزائر، خاصَّة في المساندة الشعبية العفوية التي جاءت من قبل السُّـودانيين في الدعم الشعبي قبل الرسمي، لجهاد الثوار الجزائريين. فالتفتتْ لتوثيق جوانب التميّز في تلك العلاقات، خاصة وأنَّ للجزائر وزارة خصّصت للمجاهدين وذوي الحقوق، ومع اهتمامها بتنشيط العلاقات الثنائية بين البلدين في كافة المجالات، فقد تقدمت لتلك الوزارة الجزائرية، بمقترح لتوثيق تلك المساندة والدّعـم التاريخيين اللذين قدمهما السُّودانيون للشعب الجزائري الشـقيق، دونَ مـنٍّ ولا أذى، بل جاء من تعاطفٍ راسـخ، وتضامن أخـوي صــادق.
(4)
بارك الجانبُ الجزائري مبادرة التوثيق التي اقترحتها السفيرة النابهة، فتشكلت لجنـة سـودانية جزائرية مشتركة، لإنجاز تلك المُهمّة. عملت اللجنة التي ضمَّتْ أميز الأكاديميين المرموقين من كلا البلدين، ممّن لهُـم باع في التاريخ وعلوم السياسة والدبلوماسية والأدب، وضمّ الجانب السوداني البروف أحمد إبراهيم أبوشوك والسفير عبد المحمود عبدالحليم والدكتور مكاوي قيلي، ومن الجانب الجزائري مجموعة من الأكاديميين على رأسهم الأستاذ الدكتور حسين عبدالستار مدير المركز الوطني للدراسات والبحث في المقاومة الشعبية والحركة الوطنية ةثورة أول نوفمبر فتولوا المهمّة بجهد طوعي جاد، وانشغلوا لأشـهرٍ طوال، ليخرج بعدها من ذلك المشروع، مخطوطة رصينة تجاوزتْ صفحاتها الثلاثمائة والثمانين، حَـوَتْ دراسات ضـافية، وبحوث معمّقة، توثق لعلاقات المساندة من قبل السودان للثورة الجزائرية، والدَّعم غير المسبوق، في كافة الجوانب السياسية والدبلوماسية والثقافيةـ وفي جوانبها الرسمية والشعبية كافة.
لعلَّ أكثر السُّودانيين لم يسمعوا عن السّلاح الي حملته إبل السودان بالبرِّ عبر صحارى شمال القارة السَّمراء إلى المجاهدين الجزائريين، أو ذلك السلاح الذي عبر بالسَّفين مياه البحــر المتوسط إلى سواحل الجـزائر. كثيره وصل إلى المجاهدين الجزائريين، وقليله وقع في أيدي المستعمر الفرنسي وجنوده الباطشـين. يحفظ التاريخ الجزائري والأوفياء من المجاهدين ومدونو تاريخ الثورة الجزائرية الباسلة ، ما للسودانيين من سهم في الدَّعم المادي لتلك الثورة، براً أو بحراً ولم يكن . المناضل السوداني إبراهيم النيَّل رقم بارز في سجل الثورة الجزائرية. حملت تلك الاصدارة التي أشرنا إليها ،أكثر التفاصيل التي توثق لمساندة السودان الرسمية والشعبية لثورة الجزائر..
ولعلّ أجمل مفاجأة، تمثلت في الكمِّ الهائل من القصائد التي نظمها الشعراء السودانيون وشكّلت كتابا منفصلاً ، تضمَّن فيما تضمَّن، رصداً للأغاني والأناشــيد التي تغنّى بها المُطربون السودانيون في الثورة الجزائرية.
أما المفاجأة الثانية فهي التـقـاء السّــفيرة بالمناضلة أيقـونة الثورة الجزائرية، البطلة جميـلة بوحـيرد، وكم تمنيت لو أنها كتبتْ أسطراً في مفتتح ذلك الكتاب التوثيقي.
(5)
أشـرفتْ وزارة المجاهدين الجزائرية، على طباعة الكتاب الذي قدم له معالي وزير “المجاهدين وذوي الحقوق” بقلم بريع، حمٍلَ عبــارات معبَّـرة جاء فيها:
(أنّ هذا العمل التوثيقي، يأتي تلبية لنداء الذاكرة، وأنّ ما يجمع بين الجزائر والسودان، ليس مجرد تضامن عابر، بل هو تاريخ من الايمان المشترك بعدالة القضية، وتجربة من الكفاح ضد الاستعمار والاستبداد..) .
كما حَمِل الكتاب مقدمة بقلم السَّـفيرة نادية محمد خير عثمان، وأشارت فيها إلى أن توثيق المساندة التاريخية للثورة الجزائرية، جاء كتجربة متفـرّدة لشـراكة عملية بين السَّفارة السودانية ووزارة المجاهدين الجزائرية، بما عكس متانة العلاقات بين البلدين.
تعتبر الشراكة السودانية الجزائرية لإنجاز مشروع توثيق العلاقات بين البلدين، تجربة فـريدة وغير مسبوقـة، وإنِّي أحسبها إضـافة حقيقية للتوثيق المُرتجى للدبلوماسية السودانية. ومن موقع اهتمامي بالتوثيق لدبلوماسية السُّودان، فإنّي أحثُّ بقية سفارات السودان، أن تحـذو حـذوَ ما فعلت سـفيرتنا في الجزائر، فتعتمد الشفافية في الأداء والوضوح والانفتاح في التعريف بمجريات العمل الدبلوماسي، والعمل على توثيـق مسارات كافة العلاقات الثنائية، بما في ذلك توثيق الأداء الدبلوماسي لبعثاتنا في الخارج، فإنَّ كلَّ ذلك يشكل فصلاً من من فصول تاريخنا الوطني. . لـقد انطوى عهد التخفِّي والملاحقـات، وبات على سفارات السودان، وبعد تعافي الوطن ، أن تكون قبلة للسودانيين، ومراكز لنشاطات تجارية واقتصادية وتعليمية وثقافية وفنية ورياضية، إلى جانب مهامها التمثيلية المعتادة. إنَّ في مثل ذلك المسعى ما قد يعـزّز علاقات البعثات الدبلوماسية في الخارج مع مؤسّسات الدولة ، ومع جالياتنـا في الخارج. وما أكثر الحاجَـة للتعريّف بحقائق التمثيل الدبلوماسي، وأن تكون الشفافية هادياً والوضوح هدفا ، إذ للعمل الدبلوماسي أدوارٌ أكثر الناس لا يعرفونها بحكم ما درج عليه من يمتهنونها من احاطة ملفاتها من ترتيبات سـرية تثير الرِّيَب لا الاطمئنان، وتحضَّ على التوجُّـس لا الـثـقـة.
(6)
لربّما يَحسب من يطلع على مقالي في التنويه لهذا الكتاب، الذي بادرت بطرح فكرته وتابعتْ تنفيذه، السفيرة النابهة نادية محمد خير عثمان، أنَّ ذلك الكتاب هو كلُّ ما أنجزته السفيرة نادية خلال العامين أو الثلاثة التي مثلت فيها بلادها في الجزائر الشقيقة. كــلا. لربَّما شكّل مشروع ذلك الكتاب الذي حـدَّثنا عنه هنا، ما نسبته 5% من المهام التي اطلعت بأدائها السـفيرة نادية.
إنّّ السـفير الذي يخرج ليمثل بلاده في الخارج، عادة يمتلك من القدرات المهنية العالية التي تعينه للقيام بكافة مهامه الدبلوماسية الرسمية، من اشرافٍ على زيارات الوفود الرئاسية والوزارية، وغيرها من المهام التي لا يُعلن عنها، كما عليه إدارة علاقات التعاون في كافة جوانب العلاقات الثنائية، السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والتجارية والثقافية والتعليمية والرياضية والقنصلية وشئون الجاليات. لا يتغيَّر الحال إن كانت البلاد في حالة حرب أم حالة سـلم. ولقد أوفَـتْ السفيرة بكلِّ ذلك وزادت عليه بمشروعها الذي ابتـدرته لتوثيق وتأريخ علاقات الأخوّة القائمة بين السودان والجزائر.
نُزجي التهنئة المستحقة لأعضاء اللجنة السودانية الجزائرية المشتركة، والتقدير العظيم المستحق للسفيرة القديرة الأستاذة نادية محمد خير.
القاهرة – 30 نوفمبر/تشرين 2025
jamalim@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم