بقلم م.م. جعفر منصور حمد المجذوب
Gaafar.hamad@gmail.com
من أكثر المفاهيم التي اختلطت في الفكر الديني والسياسي مفهوم الحاكمية. فقد تحولت في كثير من القراءات من الإيمان بمرجعية الله وقيمه العليا إلى تصور يجعل كل تفصيل سياسي واجتماعي «حكماً إلهياً»، ثم يُمنح بعض البشر حق التحدث باسم هذا الحكم وممارسته على الآخرين.
وهنا يجب أن نميز بدقة بين ثلاثة مفاهيم: الحاكمية، والخلافة، والسلطة.
الحاكمية لله من حيث الخلق والسنن والقيم والمبادئ العليا. أما الخلافة فهي مسؤولية الإنسان في الأرض، كما يقول تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وأما السلطة فهي وظيفة بشرية لإدارة شؤون المجتمع.
الخلافة إذن ليست سلطة، والإنسان الخليفة ليس حاكماً باسم الله.
فالخلافة تكليف وليست امتيازاً؛ مسؤولية في عمارة الأرض وإقامة العدل وحفظ الحقوق واستخدام العقل وتحمل نتائج الاختيارات. أما السلطة فهي صلاحية محددة، لا تمنح صاحبها قداسة ولا عصمة ولا حق السيطرة على ضمائر الناس.
وهنا تكمن نقطة جوهرية: النص الإلهي شيء، وفهم الإنسان للنص شيء آخر. القرآن وحي، أما تفسير البشر له فهو اجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ. والقرار السياسي الذي يقوم على اجتهاد ديني يظل قراراً بشرياً، مهما كان أصحابه مقتنعين بأنه يحقق مقاصد الدين.
إن تحويل الاجتهاد البشري إلى «حكم الله» يخلق مشكلة خطيرة؛ إذ يصبح الاعتراض على الحاكم أو الجماعة وكأنه اعتراض على الدين نفسه، ويتحول الخلاف السياسي إلى خلاف عقدي، ويصبح إقصاء المخالف أو قمعه قابلاً للتبرير باسم الدين أو المعتقد.
والتاريخ شهد، في سياقات مختلفة، كيف يمكن لاستغلال الشعارات الدينية في الصراع على السلطة أن يؤدي إلى إقصاء أفراد وجماعات، واضطهاد أقليات، وتعطيل الفكر، وإغلاق باب الاجتهاد.
المشكلة هنا ليست في القرآن، وإنما في احتكار البشر لتفسير القرآن وتحويل تفسيرهم إلى سلطة لا تقبل النقد.
فالقرآن يقرر مسؤولية الإنسان عن اختياره:
﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، ويقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
وهذه النصوص لا تعني أن القرآن يساوي عقدياً بين الإيمان والكفر، لكنها تؤكد أن الإنسان مسؤول عن اختياره، وأن الإيمان لا يصنعه الإكراه.
فإذا كان الإنسان مسؤولاً أمام الله عن ضميره واختياره، فليس من حق سلطة بشرية أن تدعي امتلاك ضمائر الناس وعقولهم.
ميثاق إنساني لإدارة المجتمع:
الله وضع مبادئ كبرى: العدل، والرحمة، والأمانة، والوفاء بالعهد، وحفظ الحقوق، ورفض الظلم، وكرامة الإنسان، والشورى والمسؤولية.
أما كيفية تحويل هذه المبادئ إلى مؤسسات وقوانين وأنظمة وآليات للحكم والمحاسبة، فهي مجال للاجتهاد البشري.
فالعدل مبدأ، لكن مؤسسات العدالة تتطور.
والشورى مبدأ، لكن أدواتها يمكن أن تتغير.
وحفظ المال مبدأ، لكن النظم الاقتصادية التي تحققه تحتاج إلى علم وتجربة.
وحماية الإنسان مبدأ، لكن وسائل حمايته القانونية والمؤسسية تتطور مع الزمن.
ومن هنا يمكن أن يقوم المجتمع على ميثاق إنساني مشترك يحفظ العدل والكرامة والحقوق وحرية التفكير والاعتقاد، ويضع السلطة تحت المساءلة، دون أن يحول أي اجتهاد بشري إلى حقيقة مقدسة.
فالإنسان الخليفة لا يُطلب منه أن يعطل عقله، بل أن يستخدمه في عمارة الأرض.
السلطة أمانة وليست تسلط على البشر.
الحاكم ليس مالكاً للناس، ولا وكيلاً عن الله في ضمائرهم.
الحكومة مؤسسة بشرية، والحاكم صاحب وظيفة، والقانون نتاج اجتهاد بشري قابل للمراجعة.
ولهذا يجب أن تكون السلطة محددة ومقيدة ومحاسبة وقابلة للتغيير.
فإذا تحولت السلطة إلى سلطة مقدسة، أصبح نقدها اعتراضاً على الدين، وأصبح الحاكم فوق المساءلة. وعندها يتحول مفهوم الخلافة من مسؤولية أخلاقية إلى أداة للهيمنة.
والفارق كبير بين أن نقول:
الإنسان خليفة في الأرض،
وبين أن نقول:
الحاكم خليفة الله على البشر.
الأولى مسؤولية عامة، والثانية تمنح بشراً سلطة دينية لا يملكها.
الخلاصة:
الحاكمية لله لا تعني إلغاء الإنسان، والخلافة لا تعني حكم الإنسان للإنسان باسم الله.
الحاكمية مرجعية قيمية، والخلافة مسؤولية، والسلطة وظيفة بشرية.
الله لا يحتاج إلى سلطة بشرية تدّعي احتكار إرادته، وإنما الإنسان هو الذي يحتاج إلى هداية القيم وإعمال العقل.
فالإنسان خليفة في الأرض، لكنه ليس إلهاً على الأرض.
ومهمته ليست أن يحكم الناس باسم الله، وإنما أن يحمل أمانة الله في الأرض: يعمرها، ويعدل فيها، ويحفظ كرامة أهلها، ويستخدم عقله، ويتحمل مسؤولية اختياراته.
وعندما ندرك هذا الفرق، يمكن للدين أن يبقى مصدراً للقيم والضمير، وللعقل أن يبقى مجالاً للاجتهاد، وللسياسة أن تبقى شأناً بشرياً قابلاً للنقد والتصحيح.
فالسلطة أمانة، والخلافة مسؤولية، أما القداسة فلا تكون لا لحاكم ولا لحزب ولا لاجتهاد بشري.
