الحرب الماثلة: خرائط جـديدة أم مواثيق جديدة

جمال محمد ابراهيم
(1)
لعلَّ أغرب المشاهد في السَّاحة الإيرانيـة، والتي لم يقف عندها الرئيس الأمريكي، هي خفوت وتيرة التظاهرات في شوارع مع المدن الإيرانية، مباشرة بعد تصريحات ذلك الرئيس، داعـياً الشعب الإيراني، أنّ الفرصة واتتـه لينتفض ضد حكم الملالي ، إذ النظام بات في حـال من الضعف ولم يبـقَ له من قـدرة على التماســك. لم يبكفَّ الرئيس الأمريكي عن ارسال تهديداته لقادة النظام في إيران، ولا في تحريضه للشعب ليهبَّ ويسقط النظام. بعد أن كانت أجندته هي معاقبة إيران لاصرارها على التخصيب النَّـووي، بدأ يفصح عن اتفاقه مع حليفه الإسرائيلي الأوثق، على ضرورة تغيير النظام برمَّتـه، ثم تراوح تصريحاته المضطربة بين الخيارين.
فيما أعلن الرئيس الأمريكي أنه قضى على المشروع النووي الإيراني، قضاءاً مبرماً في حرب الإثني عش يوماً ، وأنْ لن تقـوم له قائمة بعدها ، هاهو يعود ليعلن أمام الملأ، أن الجانب الإيراني أبدى تعـنـتَاً في مفاوضات الملف النووي التي جرتْ في جنيف بين ممثلي البلدين . ثم يعود الرئيس الأمريكي ثانية، ليعلن تعدبل أجندته ويستبدلها بالأجنـدا الإسرائيلية الداعية لتغيير النظام في إيران.
حسب الرئيس الشعبوي الذي لاتعنيه المواثيق والمباديء الدولية في شيء، أنّ قطع رأس النظام الإيراني، هو نهاية الأمر. مثلما اصطاد رئيس فينزويلا وأودعه السجون الأمريكية، ولاذ شعب فينزويلا بالصمت، طاب له أن يبتلع إيران على ذات النحـو.
(2)
التي لم تكن في حساباته، هي طبيعة الشعب الإيراني، وتلك العاطفة الدينية المتجذِّرة في نفوس أجيال في بلاد فارس، عايشتْ نظاماً قام على مباديء المذهب الشيعي، تجدّد بكائيـاتها كلَّ عام في يوم عاشـوراء، على استشهاد الحسين حفيد الرسول(صلعم) في كـربلاء، منذ عام 680 الميلادي.
هانحن نشهد أجيالاً، تركت التظاهرات الاحتجاجية في شوارع طهران وغيرها من المدن، وراء ظهرها وخرجت لتبكي المرشد الفـقـيه الذي اغتـاله ترامب متآمراً مع نتنياهو. إنَّ التعامل مع دولة مثل إيران ، يتطلب النظر عميقاً إلى الجذور التاريخية لبلاد فارس التي تأسّـست امبراطورية راسخة ، قبل خمسمائة عام قبل ميلاد المسيح، وإن الشاه رضا بهلوي كان يعدَّ نفسـه أحد أحفاد أولئك المؤسّسين القدامَى، برغم تداعي تلك الامبراطورية في عهد الدولة “الساسانية” وصيرورتها بعد الفتح الإسلامي، دولة إسـلامية كبرى.
كان مقتل الإمام علي بن أبي طالب عام 661 ميلادية، مدخلا لقيام الدولة الأموية الإسلامية وهي التي قتلت الحسين بن علي ابن أبي طالب في كربلاء. أهل فارس الذين تقاعسوا عن نصرته، جعلوا الندامة طقساً من طقوس بكائهم عليه كل عـام يمـرَّ على ذكرى كــربلاء. ترى هل يدرك “نتنايهـو” أو حتى “ترامب” ، مدلولات صرخة السيد “نعـيـم قاســم” رئيس حزب الله الحالي، حين صرَّح عن تسليم سلاح حزبه ، أنَّ دونه معركة كربلائيـة. .؟
مثل تلك التفاصيل، لم تـدُر ولا جالتْ بخلـد أيٍّ مِـن مستشاريّ الرئيس الشـعبوي، حامي حمى الكيان الصهيوني، دونالد ترمب ربيب الجزيرة الملعونة المعروفة.
(3)
ثمَّة طرفة شخصية أوردها في هذا السياق. . لقد صادفتُ خلال عملي دبلوماسياً في سفارة السودان في طهران، مواطناً ســودانياً اسمه “معـاوية”، جاء في مهمة خاصة إلى طهران، وحلّ بأحـد فنادق العاصمة الإيرانية. زارنا في السـفارة وشكا متذمّراً من سـوء خدمة الفندق الذي حلَّ به، وهو فندق أربعة نجوم. سـألته سـؤالا بريئاً في التاريخ ، إن كان يعلم من قتل سـيدنا الحسين حفيد الرسول ، فأجابني أنَّ الآمـر كان يزيد بن معاوية. قلـت له : إنَّ اسـمك معاوية ، وذلك اسـم يثير الحفيظة الدينية- إن جاز لي الوصف- عند أيِّ إيراني تجاه كلَّ من يحمل إسـم معاوية..! للعاطفة الدينية عند هؤلاء القوم، جـذورٌ تاريخيـةٌ عميقـةٌ في نفوسـهم، كما ان إعتداد أهل فارس بتـاريخهـم يعـود إلى ما قبل ميلاد المسيح بقرون.
حكيتُ لذلك الصديق، عن طبيعة مذهب الشيعة الإثني عشرية، كما حدثتهُ عن الثورة التي أسقطتْ نظام الشـاه رضا بهلوي، وأنَّ قائد تلك الثورة ، ظلَّ منفياً خارج إيران لسـنوات طوال ، واستقرَّ في فـرنسـا في ضــاحيــة باريســيــة اســمها “نوفيـل لو شـاتو”. صدح الشـيخ السبعيني- وقتها- آية الله الخميني بدعوته لشعبه عبر رسائل مسجَّلة على”الكاسيت” ليثور على الديكتاتورية والاستبداد . ألهبتْ تسجيلات خطبه النارية تلك، مشاعر الإيرانيين، فانقضّوا في أواخر سبعينات القرن العشرين على نظام الشـاه. يحكي أحـد مستـشاريه ، أنه حين هبَّـتْ الجماهير وضجَّتْ شوارع طهران التي لم يبـقَ فيها ركن لم ينادِ بسقوط الشــاه، أنَّ زوجـة الشـاه “الشـهبانو فـرح ديبـا” وقفت من شرفة قصر الشاه محمد رضا بهلوي “نياوران”، تتساءل: “من يكون هـذا الخميني بحقِّ السَّـماء..؟”
(4)
تلك ثورة أشعلها شــيخٌ غائب في منفاه، فكانت نهاية نظامٍ استبدادي، وبداية لنظام مازج العقيدة الدينـية بسياسة إدارة “الجمهورية الإســلامية في إيران”. وضع الخميني لها شــعاراً رئيسـياً ضد كل من ساند نظام الشاه ، تـبـنَّـاه الإيرانيون داخلياً خارجياً، لدحـر الاستبداد والهيمنة. كان ذلك الشـعار هـو: “مَـرْك بَـرْ أمْريكا” باللغة الفارسية، وتعني “المـوت لأمـريكا”.
بعد ما يُقارب الخمسين عاماً ، جاء رئيس شــعبوي اسمه “دونالد ترامب” ليقلـب ذلك الشِّعار بصيغةٍ جديدة اعتمدها لتغيير نظام الحكم في إيران، تقول : “الموت للمـلالـي..!”. لكن له أن يسمع “الشـهبانو فرح ديبا” وهي في ثمانيناتها ، تخاطبه بعد مقتل خامانئي هذه المرّة : “كلا يا سيدي الرئيس.. دع الإيرانـيـيـن ليختاروا النظـام الذي يريدون..”
لكنك تسمع “ترامـب”، وهـو ينتقـد رؤسـاءَ ســابقين من الحزب الديمقراطي، مثل كارتر وكلينتون وأوبامـا، حلّـوا بالبيت الأبيض ، لكنهم عجزوا عن مواجهة صلف إيران بحزم ، ويدَّعـي أنه سينتقم بطـريقـته الأمريكية، للإهانة التي لحقتْ بأولئك الأمريكيين الذين احتجزهم الملالي رهـائن لأربعمائة أربعٍ وأربعين يوماً، بين عامي 1979 و1980. لا يقف الرئيس الشعبوي لمقاتلة الإيرانيين حول الملف النووي وحـده، بل يتعهَّد لرئيس إسرائيل بتغيير النظام الإيراني عبر اغتيال المرشــد، رأس النظام الإيراني.
قام آية الله الخميني بتغيير نظام الشَّـاه قبل نحـو خمسين عاماً، برسائل “الكاسيت”، لياتي “الكاوبوي الأمريكي”، وفي العقـد الثاني من الألفـية الثالثة الميلادية، ليغـيَّر النظـام في إيران بحرب المُسـيّرات والصواريخ التي تخرق الأرض، وهـو يتابعها مُنـتـشـياً على الشـاشـات.
(5)
إنَّ الغطرسـة الأمريكية في اندفاعاتها، لا تتريَّث لترتيب خياراتها بالعمق الذي يجنّبها ارتدادات وعـواقـب غير محسـوبة. من الغريب أنَّ الثورة التي بدأها الملالي عام 1979، وأشعل فتيلها “الخميـني” بخُطب “الكاسيت” النارية، لم تستوعب أبعادها السـفارة الأمريكية في طهـران أوانذاك، وإلا ما كانت تنتظر طواقـم السفارة الأمريكية لينقضَّ عليهم طلاب الثورة الإيرانية ، ويحتجزونهم رهائن ذلك الأمد الطويل. أقـلام أكاديمية أمريكيـة ، اثار عجبها أن الكثير من كوادر السفارة الأمريكية تلك، لم يكونوا على دراية كاملة باللغـة الفارسـية، فلم يتبيَّنـوا وقائع ما يدور حولهم بحصـافـةٍ مـطـلـوبـة.
الذي نراه الآن، أنّ الحرب التي أشـعلها كلٌّ من “ترامـب” و”نتنـياهـو”، صحبتها تصريحـات متناقضة . أحدهما يحـدثنا عن تعنُّتٍ أبداه الطرف الإيراني في مفاوضات الملف النووي، فيما الآخر يعلنها حرباً على إيران، ستكون له أثاراً مدمّرة على كامل إقليم الشـرق الأوســط، ولن تتوقف عند أطرافها الثلاثة . إنَّ الحرب التي أشعلها الطرفان باندفاعٍ غير مدروس ضـدّ إيران، فات علـيهـما الإٌثنين أنَّ مغامـرتهما ليستْ حول النَّـووي، ولا حول تغيير الأنظمة، فقد تأبَّطـا شــراً مُسـتطيراً دون أن يدركا أبعـاد ما فعـلا . إن كيان الشـرق الأوسـط مُحتشـدٌ بعـلـلِ تاريـخٍ نائـم، وجغـرافيا مرتبكة، فصَّـلها غُـرباءُ طامعـون، فيما أصحاب الأرض ليسـوا – وعلى مدى حقبٍ طويلة- على قـلـبِ جـسـدٍ واحـد، وعقائدهم شـتى..
هذه ليست حرباً تدور نيرانها بيـن أطراف ثلاثة ، بل هي حـربٌ لرسم خرائط جديدة في منطقة الشـرق الأوســط، لـم يتحسّـب لها مشـعلوها.
(6)
إنَّ الحرب الدائرة منذ 28 فبراير/شبط 2026، كشـفتْ وقائعها خطل صفقة الحماية التي ظل يردَّدها الرئيس الشَّـعبوي ويدغدغ عبرها بغطرسـةٍ مذمومة، نفوس مـؤيديـه من الأمريكيين . لقد ظلّ يردَّد تصريحاته بعنجهية مجانية، أنّه يقبض من دول الشرق الأوسـط المليارات، ثمنـاً لحمايتـه المزعومة لهـم. لم يشهد المجتمع الدولي إسفافاً دبلوماسياً فاضحاً ، مثل هذا الذي يخرج من لسان هذا الرئيس الشعبوي المخاع، الذي زعم أنه سيعيد المنعة والعزة لبلاده التي ضيعها سـواه..
هاهي الحرب تتصاعد نيرانها ، فتهاجم المسيّرات الإيرانية دول الخليج بحجَّة و، فذلك انتهاك صارخ للمواثيق الدولية، مبرّر له. . تفعل طهران ذلك دون أدنى اعتبار لسيادة دول الخليج في حقـوقها المشروعة لأن تعقـد ما يخصها من اتفاقيات لحماية أراضيها، وفق المباديء والمواثيق التي تحكم التعاون بين أطراف المجتمع الدولي. ولعـلّ ما أصاب ويصيب بعض دول الخليج من اعتداءات ، يناقض بجلاء المباديء الدولية، ويعكس عمق الارتباك الداخلي عند بعض القيادات الإيرانية، وما يصدر عنها من تصريحات متناقضة من العسكريين منهم والمدنيين، حول الموقـف من مهاجمة بلدان تجمعها بإيران عـلائق الجـوار، وأخوة العقـيدة الإسلامية.
(7)
أمَّا أخطر ما نرصد من تداعيـات في طبيعة الحروب الدائرة الآن، فهـو انكشاف عجز المنظمة الأمميـة عن تدارك عقابيل مثل تلك الحروب التي تجاوزت أجيال حروب المواجهات المباشرة في القتال على الأرض، إلى حروب جيل جديد تعتمد الاستخدامات السيبرانيـة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. إنَّ المهمة الأساسية لتلك المنظمة، هي حفـظ الأمـن والسِّـلم الدولييـن ، وأنَّ ما عهدنا من أســـاليب بالية، مثل الفصل بين متقاتلين عبر انشاء المناطق عازلة كما هو حال “اليونيفيل” بين لبنان وإسرائيل، أوارسال بعثات عسكرية على الأرض مثل “اليوناميد” في حال أزمة دارفور في السودان، وغيرها من الإجـراءات التي عفا عليها الزمن، وظلت تتبعها تلـك المنظمة ، بات جلـياً في الواقع الحاضر، أنها فقدت جـدواها نهـائيـاً.
لـربَّمـا حـان الأوان للأمم المتحـدة، إزاء ما نشهد من استضعاف متعمّد لـها، أنْ تودّع ميثاقها الحالي، وأن تستشرف بعدها ميثاقاً جـديداً ، يسـتوعب واقع الخوارزميات والرّقميات والذّكـاء الاصطناعي الماثل، ليتاح لها القيام بمهام حفظ السِّلم والأمن الدوليين على الوجه الأمثل والمأمول ..

القاهرة – 13/3/2026

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

السودان… الشرعية المستحيلة

جمال محمد إبراهيم(1)لعلّ العقد الثاني في الألفية الثالثة الماثلة شهد تحوّلات بوتيرة غير مسبوقة في …