منذ اندلاع الحرب في السودان، لم يتوقف الناس عن طرح مثل هذه الأسئلة، ما الذي اوصلنا إلى هذا المصير، الم يجدوا حل آخر يمكن من خلاله تجنب كل هذا الدمار والخراب. ولو اعمل هولاء عقولهم ربما وجدوا السبب في كل ذلك هو (الحماقة)
نعم ياسادتي فكل ماجرى ويجري لم يكن بسبب نقص في موارد ولا شح في الكفاءات، انما هو نتيجة حماقة في التفكير، وحماقة في اتخاذ القرار، وحماقة في إدارة الخلافات حتى تحولت إلى حرب قضت على كل اخضر ويابس…
دعونا قبل أن نذهب اكثر في هذا الوصف، أن نسأل عن ماهى الحماقة، وهل هي صفة يولد بها الإنسان، أم سلوك يكتسبه من بيئته وتجاربه الحياتية..
يرى اصحاب المعرفة ان الحماقة لا تعتبر مرضًا نفسيًا ولا تشخيصًا طبيًا، بل هي وصف لسلوك يتسم بسوء التقدير، وعدم القدرة على التعلم من التجربة، والإصرار على تكرار الأخطاء رغم وضوح نتائجها. وقد يكون الشخص واسع الثقافة، أو صاحب ذكاء مرتفع، لكنه يتصرف بحماقة عندما يقوده الغرور، أو التعصب، أو التسرع، إلى تجاهل الحقائق والعواقب.
هنا ياسادتي نستبين الفرق بين الذكاء والحكمة. وقد تسألني كيف؟ فأقول لك ان الذكاء عادة يجعل الإنسان قادراً على الفهم، أما الحكمة فتمكنه من حسن استخدام ذلك الفهم. ولهذا رأينا عبر التاريخ أذكياء ارتكبوا أخطاءً كارثية، لأنهم افتقدوا الحكمة، لا الذكاء.
ولو تأملنا احياناً في واقعنا، قد نجد أن الحماقة نادرًا ما تكون وراثية..لكنها في الغالب نتاج التربية، والثقافة، والبيئة، والخبرات التي يمر بها الإنسان. فالطفل لا يولد أحمق، لكنه قد ينشأ في بيئة تكافئ التهور، وتزدري التفكير، وتعتبر الاعتراف بالخطأ ضعفًا، فيكبر وهو يكرر السلوك نفسه دون مراجعة.
لو تاملنا أكثر سمات الإنسان الأحمق لعرفنا أنه لا يتعلم من أخطائه. فمثلاً إذاأخطأ ألقى اللوم على الآخرين، وإذا نُصح عدّ النصيحة إساءة، وإذا ظهرت الحقيقة أمامه بحث عن مبررات جديدة ليحافظ على موقفه. إنه لا يخشى الخطأ بقدر ما يخشى الاعتراف به.
وقد يسأل سائل: هل الحماقة مرض يمكن علاجه؟والأقرب إلى الصواب أنها ليست مرضًا كما اشرنا، لكنها قد تصاحب بعض الاضطرابات النفسية أو المعرفية. أما في أغلب الأحوال، فإن علاجها يبدأ بالتواضع، والقدرة على مراجعة النفس، واحترام المعرفة، وتربية الإنسان على التفكير النقدي، لا على التقليد الأعمى.
في اوقات الحرب (وهذا مايهمنا الان) تصبح تلك الحماقة أكثر كلفة. فقرار أحمق قد يهدم مدينة، وكلمة طائشة قد تشعل فتنة، وتعصب أعمى قد يزرع كراهية تحتاج أجيالًا لتجاوزها. لذلك فإن الأمم لا تُقاس فقط بما تملك من موارد، وإنما بقدرتها على التعلم من أخطائها، وتهتم بمعالة مسارها قبل أن تدفع الثمن مرة أخرى.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن وصف شعب كامل بالحماقة؟
أرى أن هذا الوصف ظالم وغير منصف. فلا يوجد شعب أحمق بطبيعته، كما لا يوجد شعب حكيم بطبيعته. ففي كل أمة عقلاء وحمقى، ومصلحون ومفسدون، لكن الظروف السياسية، ونوعية التعليم، وطبيعة الخطاب العام، قد تدفع مجتمعًا بأكمله إلى اتخاذ قرارات لا تعبر عن أفضل ما فيه.
ولعل أكبر مظاهر الحماقة الجماعية أن يكرر الناس الأخطاء نفسها، ويتوقعوا نتائج مختلفة. أما الحكمة فتبدأ عندما نعترف بأننا أخطأنا، وأن المستقبل لا يُبنى بالعناد، بل بالمراجعة الصادقة، والعدل، واحترام الإنسان.
إن الحرب التي نعيشها في السودان لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت أيضًا امتحانًا للعقل. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: من انتصر؟ بل: ماذا تعلمنا؟
فالأمم التي لا تتعلم من مآسيها، محكوم عليها بأن تعيشها مرة بعد أخرى، بأسماء مختلفة، ووجوه مختلفة، لكن بالألم نفسه.
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
