باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 27 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
معاوية ماجد
معاوية ماجد عرض كل المقالات

الحوار السوداني: حين يسبق الواقِعُ الكلامَ

اخر تحديث: 26 أغسطس, 2026 8:04 مساءً
شارك

من حيث المبدأ، لا يملك السوداني، بعد سنوات الحرب والخراب والانقسام، إلا أن يرحب بأي دعوة جادة إلى الحوار، لأن الحوار في بلد أنهكته الحرب ليس ترفًا سياسيًا ولا مناورة لغوية، وإنما هو أحد الشروط الضرورية لاستعادة السياسة من قبضة السلاح، وإعادة بناء المجال العام على قاعدة الاعتراف بالآخر والبحث عن صيغة مشتركة للخروج من الكارثة. غير أن المشكلة في السودان لم تعد في أن أحدًا يقول «الحوار» أو لا يقولها، فقد امتلأت الحياة السياسية السودانية، طوال العقود الماضية، بمبادرات ومؤتمرات وموائد مستديرة وشعارات عن الوفاق الوطني، بينما ظل الواقع يمضي في اتجاه آخر؛ ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الترحيب بالدعوة أو رفضها هو: أي حوار نريد، ومن يدعو إليه، ومن يديره، وفي أي مناخ يجري، ومن يملك حق تحديد أطرافه وأجندته، وما الضمانة ألا تكون نتائجه محددة سلفًا؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا أمام الدعوة التي أطلقها الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى حوار سوداني–سوداني، وما رافقها من حديث عن آلية وطنية مستقلة تتولى إدارة الحوار، وعن توفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، مع تأكيده أن الدولة ليست الجهة المنظمة للحوار ولا المحددة لأجندته ومخرجاته، وأن نجاح العملية يتطلب مناخًا عامًا تسوده الحريات. وهذه التعهدات، مهما بدت إيجابية في ظاهرها، لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش، وإنما بدايته، لأن الحوار السياسي لا يكتسب مصداقيته من اللغة التي تصفه بها السلطة، وإنما من الشروط التي تسمح له بأن يكون حوارًا حقيقيًا، ومن الأفعال التي تؤكد أن ما يقال يمكن أن يتحول إلى ممارسة.

وليس من الإنصاف رفض الدعوة لمجرد أنها صدرت عن البرهان، كما ليس من الحكمة قبولها لمجرد أنها حملت عنوان الحوار؛ فالمواقف السياسية الجادة لا تقاس بأسماء أصحابها وحدها، وإنما بالشروط التي تحيط بها وبالأفعال التي تؤكدها أو تنقضها. وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أكبر مشكلات السياسة السودانية، وهي الفجوة المزمنة بين الخطاب والممارسة، وهي فجوة خبرها السودانيون طويلًا في تجربة الحركة الإسلامية التي حكمت البلاد ثلاثة عقود، حيث امتلكت قدرة عالية على إنتاج الخطاب السياسي والأخلاقي والديني، بينما كانت حصيلة الممارسة على الأرض شيئًا آخر تمامًا، من تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها وفق الولاءات، إلى الحروب والعنف والتشريد والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وهي تركة لا يمكن محوها بمجرد إعادة صياغة الخطاب أو تقديم التجربة القديمة في ثوب سياسي جديد.

ومن هذه الزاوية، فإن دعوة البرهان إلى الحوار ينبغي أن تخضع هي الأخرى لاختبار الفعل لا لاختبار الكلام؛ فالبرهان يستطيع أن يقول إن الحوار مستقل، وأن الدولة لن تضع أجندته ولن تحدد مخرجاته، لكن استقلال الحوار لا يصبح حقيقة بمجرد إعلان ذلك، وإنما يتأكد من خلال تركيبته، ومن يملك القدرة الفعلية على اختيار أطرافه، ومن يحدد قواعده، ومن يضع جدول أعماله، ومن يملك حق الاعتراض على نتائجه، والأهم من ذلك كله أن تكون القوى المشاركة مطمئنة إلى أنها تستطيع الدخول في الحوار والخروج منه من دون أن تتحول مواقفها إلى سبب للملاحقة.

وهنا تبرز مسألة أخرى لا يمكن تجاوزها، وهي موقع الحركة الإسلامية من المشهد الراهن؛ فالبرهان ينفي علانية أن يكون جزءًا من الحركة الإسلامية أو واجهة لها، ولا ينبغي التعامل مع هذا النفي باعتباره واقعة يمكن حسمها بمجرد الرأي أو الاتهام، لكن السياسة لا تقرأ بالنوايا المعلنة وحدها، وإنما كذلك بشبكة التحالفات والقوى والمصالح التي تحيط بصاحب القرار، وبمدى تأثير الحركة الإسلامية والتيارات المرتبطة بها داخل المعسكر الذي يقود الحرب والدولة. ولذلك فإن القضية السياسية الأهم ليست إثبات توصيف شخصي للبرهان بقدر ما هي معرفة ما إذا كانت دعوة الحوار تستطيع أن تقنع قطاعات واسعة من السودانيين بأنها تمثل انتقالًا حقيقيًا من منطق الاصطفاف إلى منطق التسوية الوطنية، أم أنها قد تُفهم باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي من داخل موازين القوة القائمة.

وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نلتفت إلى اللجنة أو الآلية الوطنية التي يفترض أن تدير الحوار، لأن هذه اللجنة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن المرور عليه سريعًا، وإنما هي نقطة البداية التي يمكن عندها أن يتحدد شكل الحوار قبل أن يبدأ. فقد تحدثت مصادر سياسية عن لجنة من عشرة أعضاء، وطرحت أسماء من بينها قاسم بدري، ونبيل أديب، ونور الدين ساتي، والواثق كمير، ومضوي إبراهيم، ومحمد جلال هاشم، ونور الدين شلقامي، وعثمان ميرغني، وعائشة البرير، والمحبوب عبد السلام، مع بقاء التشكيل النهائي وآلية عمله محل متابعة.

وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال عن الأسماء من باب التشكيك في وطنية هذا الشخص أو ذاك، ولا من باب تصنيف الناس وفق انتماءاتهم الفكرية لمجرد الاختلاف معها، وإنما من باب أكثر موضوعية يتعلق باستقلال اللجنة نفسها وقدرتها على القيام بوظيفتها. فالوطنية ليست لقبًا يمنح للجنة بمجرد أن توصف بأنها «وطنية»، وإنما هي معيار ينبغي أن يظهر في طريقة التشكيل، وفي درجة الاستقلال عن أطراف الحرب، وفي القدرة على إدارة الاختلافات السياسية والفكرية من دون أن تتحول اللجنة إلى امتداد لأي طرف من أطراف الصراع.

كما أن السؤال عن الخلفيات الفكرية والسياسية لأعضاء اللجنة لا يعني المطالبة بلجنة بلا أفكار أو بلا اختلافات، فهذا أمر غير ممكن وغير مرغوب فيه أصلًا، لأن الحوار الوطني الجاد لا يمكن أن يديره أشخاص متشابهون في رؤيتهم ومواقفهم، وإنما المطلوب لجنة تستطيع أن تستوعب التعدد من دون أن يتحول التعدد إلى اصطفاف، وأن تجعل اختلاف أعضائها مصدرًا للاتزان لا سببًا للانقسام. فالمعيار الحقيقي ليس أن يكون أعضاء اللجنة بلا انتماءات فكرية، وإنما ألا يتحول أي انتماء فكري أو سياسي أو أيديولوجي إلى ولاء يتقدم على وظيفة العضو باعتباره مؤتمنًا على عملية الحوار؛ لأن الانتماء، حين يصبح أقوى من المهمة الوطنية، يجعل الاجتماع نفسه هشًا، ويهدد استمراره، وقد يحول الاختلاف الطبيعي بين أعضاء اللجنة إلى صراع على اتجاه الحوار وملكيته.

وهذا يقود مباشرة إلى مفهوم «ملكية الحوار»، وهو من أكثر المفاهيم أهمية في الحالة السودانية. فمن يملك الحوار لا يملك فقط حق الدعوة إليه، وإنما يملك، بصورة أو بأخرى، القدرة على التأثير في مراحله الأولى، ولذلك فإن السؤال عن الجهة التي شكلت اللجنة، والمعايير التي اختير بموجبها أعضاؤها، والجهة التي تحدد أطراف الحوار، لا يقل أهمية عن السؤال حول ما سيقوله المتحاورون بعد جلوسهم إلى الطاولة. فإذا كانت جهة ما طرفًا في الصراع ثم امتلكت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، القدرة على تشكيل الأداة التي تدير الحوار، فإن مشكلة الثقة ستظل قائمة حتى لو كانت الأسماء المختارة محترمة ومستقلة في مواقفها الشخصية.

ولا تقف أزمة الملكية عند حدود اللجنة، لأن هناك سؤالًا أوسع يتعلق بمن يمثل السودان نفسه في هذا الحوار. فالسودان الذي يحتاج إلى الحوار ليس فقط الجيش والدعم السريع، وليس فقط الأحزاب والقوى السياسية التقليدية، وإنما هو مجتمع واسع دفع ثمن الحرب بطرق مختلفة، ويضم المدنيين والمهنيين والشباب والنساء والنقابات والمبادرات الأهلية والقوى الاجتماعية التي ظلت خارج دوائر القرار، فضلًا عن النازحين واللاجئين والمناطق التي عانت طويلًا من الحروب والتهميش قبل أن تمتد الحرب الحالية إلى معظم البلاد. ولذلك فإن أي حديث عن حوار وطني لا يطرح منذ البداية سؤال التمثيل سيظل ناقصًا، لأن الأزمة السودانية في أحد وجوهها الأساسية هي أزمة تمثيل سياسي ومجتمعي، وليست مجرد أزمة خلاف بين نخب تتنافس على السلطة.

ومن هنا فإن شمول الحوار لا ينبغي أن يقاس بعدد الأسماء التي تجلس حول الطاولة، وإنما بقدرة تلك الأسماء على التعبير عن مجتمع متنوع لا يمكن اختزاله في القوى التي تمتلك المنابر أو السلاح أو القدرة على الوصول إلى مراكز القرار. فالحوار الذي يعيد توزيع السلطة بين النخب نفسها، من دون أن يعيد المجتمع إلى قلب العملية السياسية، قد ينجح في إنتاج اتفاق مؤقت، لكنه لن يعالج أزمة الشرعية والتمثيل التي ظلت واحدة من جذور الأزمة السودانية.

غير أن أكثر ما يثير القلق في دعوة الحوار ليس فقط مسألة اللجنة والتمثيل، وإنما المناخ الذي جاءت فيه الدعوة نفسها؛ إذ إن الحوار لا يبدأ لحظة دخول المتحاورين إلى قاعة المؤتمر، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من المجال العام الذي ينبغي أن يسمح للناس بالتعبير والاختلاف والنقد. وفي الوقت الذي كان يجري فيه الحديث عن تهيئة المناخ السياسي للحوار، اعتُقل الصحفي قرشي عوض في 13 أغسطس على خلفية بلاغ قيل إنه مقدم من جهاز المخابرات العامة بموجب قانون جرائم المعلوماتية، ثم أطلق سراحه بالضمان في 15 أغسطس، وسط إدانات من جهات صحفية وسياسية وحقوقية.

وهنا تظهر المفارقة بأوضح صورها: كيف يمكن الحديث عن حوار وطني مفتوح في الوقت الذي يشعر فيه أصحاب الرأي بأن المجال العام نفسه ليس آمنًا بما يكفي للتعبير؟ وكيف يمكن إقناع القوى السياسية والمجتمعية بأن الحوار سيكون فضاءً للاختلاف إذا كانت بعض الممارسات السابقة عليه توحي بأن الاختلاف قد يتحول إلى سبب للملاحقة؟ صحيح أن البرهان تعهد بتوفير حصانة مؤقتة وضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، وأكد أن ما يقال داخل جلسات الحوار لن يستخدم أساسًا لملاحقتهم قانونيًا، لكن هذه الضمانات ينبغي ألا تكون امتيازًا استثنائيًا تمنحه السلطة للمشاركين في الحوار، وإنما ينبغي أن تكون امتدادًا طبيعيًا لحق السودانيين في التعبير السياسي الذي يفترض أن يسبق الحوار ويهيئ له.

إن الاعتقالات التي تقع بالتزامن مع دعوة الحوار لا تعني بالضرورة أن الحوار قد فشل قبل أن يبدأ، لكنها تكشف عن تناقض ينبغي أخذه بجدية، لأن الممارسات السابقة على الحوار يمكن أن تتحول إلى مخرجات مبكرة له؛ فإذا كان الحوار يفترض أن ينتج مناخًا جديدًا من الحريات والاعتراف بالاختلاف، ثم بدأ في مناخ يضيق على الصحافة وأصحاب الرأي، فإن الرسالة السياسية التي تصل إلى المجتمع تصبح ملتبسة، وقد يفقد الحوار جزءًا من رصيده قبل أن يجلس أول متحاور إلى مقعده. والأسوأ من ذلك أن استمرار هذا التناقض قد يقتل فكرة الحوار في مهدها، لا لأن السودانيين لا يريدون الحوار، وإنما لأنهم لا يثقون في البيئة التي سيجري فيها.

وهنا نعود مرة أخرى إلى مشكلة الخطاب والممارسة التي ظلت واحدة من أكثر مشكلات التجربة السودانية إلحاحًا؛ فليس صعبًا أن نتحدث عن السلام ونحن نواصل منطق الحرب، ولا أن نتحدث عن الحوار ونحن نضيّق المجال العام، ولا أن نتحدث عن الاستقلالية بينما تظل الجهة التي تملك القوة العسكرية صاحبة التأثير الأكبر في ترتيب المشهد السياسي. الصعب هو أن تتحول الكلمات إلى قواعد عمل، وأن يصبح الحوار فعلًا سياسيًا حقيقيًا لا مجرد لغة جديدة لإدارة الأزمة القديمة.

ولذلك فإن نجاح الحوار لا يتوقف فقط على جمع القوى السياسية والمجتمعية حول طاولة واحدة، وإنما يتوقف قبل ذلك على بناء الحد الأدنى من الثقة، وهذه الثقة لا تنتجها البيانات ولا التصريحات، وإنما تنتجها إجراءات ملموسة تبدأ بإطلاق المجال العام، ووقف الملاحقات التي تستهدف الرأي السياسي، وضمان حرية الصحافة، وتوضيح طبيعة الاتهامات والإجراءات القانونية بحق المعارضين، ثم تقديم ضمانات حقيقية للمشاركين، لا حصانات مؤقتة مرتبطة بمدة انعقاد الحوار، وإنما ضمانات تجعل الاختلاف السياسي حقًا أصيلًا لا مخاطرة مؤجلة.

ومن هنا أيضًا ينبغي ألا يختزل الحوار في ثنائية الجيش والدعم السريع وحدهما، لأن السودان الذي تحطم بفعل الحرب أكبر من طرفيها العسكريين، كما أن الأزمة التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع لم تبدأ في أبريل 2023، وإنما سبقتها عقود من الاختلال السياسي والاجتماعي والمؤسسي. وإذا كان الحوار سيصبح مجرد وسيلة لإعادة توزيع السلطة بين القوى العسكرية ومن يساندها، فإنه لن يكون حوارًا وطنيًا بالمعنى الذي يحتاجه السودان، وإنما سيكون تسوية بين مراكز قوة، وقد تؤجل الأزمة من دون أن تعالج جذورها.

الحوار الذي يحتاجه السودان هو الذي يعيد السياسة إلى المجتمع، ويمنح القوى المدنية والاجتماعية والمهنية والشبابية والأهلية، بكل تنوعها، مكانًا حقيقيًا في صياغة المستقبل، ويعترف بأن الشرعية لا تستمد من امتلاك السلاح ولا من القدرة على السيطرة على الأرض، وإنما من قدرة العملية السياسية على تمثيل السودانيين والتعبير عن مصالحهم وتطلعاتهم، ولذلك فإن مسألة التمثيل ليست تفصيلًا إجرائيًا، وإنما هي جوهر الأزمة نفسها.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري النظر إلى دعوة البرهان لا باعتبارها فرصة ينبغي اغتنامها بأي ثمن، ولا باعتبارها مناورة ينبغي رفضها مسبقًا، وإنما باعتبارها اختبارًا للمصداقية السياسية؛ فإذا كان الحوار مستقلًا حقًا، فليثبت ذلك استقلال اللجنة التي تديره، وإذا كان شاملًا حقًا، فلتثبت ذلك قائمة المشاركين، وإذا كان مفتوحًا حقًا، فليثبت ذلك المجال العام الذي يسبقه، وإذا كانت مخرجاته غير محددة سلفًا، فلتكن قواعد الحوار واضحة منذ البداية، وإذا كانت الدولة ليست صاحبة الحوار، فليظهر ذلك في قدرتها على قبول نتائجه حتى عندما لا توافق عليها.

فالاختبار الحقيقي ليس في أن يقول البرهان إن الدولة لا تحدد أجندة الحوار ومخرجاته، وإنما في أن نرى ما إذا كانت الدولة تستطيع بالفعل أن تتراجع خطوة إلى الخلف، وتترك للقوى السودانية فرصة بناء عملية سياسية لا تتحكم فيها موازين القوة العسكرية وحدها. فالدولة التي تدعو إلى الحوار مطالبة قبل غيرها بإثبات أن الحوار ليس مجرد أداة لإعادة إنتاج شرعية قائمة، وأن اللجنة التي تديره ليست مجرد واجهة إجرائية، وأن المجال العام الذي يسبقه ليس مساحة يمكن فتحها وإغلاقها بحسب مقتضيات اللحظة السياسية.

إن السودان لا يحتاج إلى حوار جديد يضاف إلى أرشيف الحوارات التي لم تغير شيئًا، وإنما يحتاج إلى حوار يختلف في شروطه عن الحوارات السابقة، وفي علاقته بالسلطة، وفي تركيبته، وفي ضماناته، وفي قدرته على الوصول إلى نتائج لا تكون مكتوبة سلفًا في ذهن أي طرف. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل نريد الحوار؟ فالإجابة عن ذلك ينبغي أن تكون محسومة، وإنما السؤال هو: هل نملك الشجاعة السياسية لبناء الشروط التي تجعل الحوار ممكنًا ومصدقًا؟

فالحوار الذي يبدأ بالخطاب وينتهي إلى ممارسة تناقضه لن يصنع سلامًا، والحوار الذي تختار أداته من داخل الاصطفاف السياسي لن ينتج ثقة، والحوار الذي يجري في ظل الخوف من الكلمة الحرة لن يكون قادرًا على إنتاج تسوية حقيقية، والحوار الذي تحدد مخرجاته قبل أن يجلس أصحابه إلى الطاولة لن يكون حوارًا أصلًا، وإنما سيكون مجرد إعلان عن نتيجة جرى إعدادها مسبقًا.

ولذلك فإن الترحيب بالحوار لا ينبغي أن يكون ترحيبًا أعمى، كما أن نقد شروطه لا ينبغي أن يتحول إلى رفضه صفحه قصة يلىءلفكرة الحوار نفسها؛ المطلوب هو شيء أكثر صعوبة وأكثر مسؤولية: أن نحمي فكرة الحوار من أن تتحول إلى أداة جديدة لإدارة الصراع، وأن نجعل من شروطه ومناخه وتركيبته وتمثيله ومخرجاته جزءًا من الحوار نفسه.

فالسودان لا يحتاج إلى حوار تعقده النخب لكي تتوافق على السودان، وإنما يحتاج إلى حوار يعيد السودان نفسه إلى قلب السياسة، ويعيد للمجتمع حقه في أن يكون شريكًا في صناعة الدولة لا متلقيًا لنتائج الصفقات التي تبرم باسمه. ولا يحتاج إلى حوار يبدل وجوه السلطة من دون أن يبدل قواعدها، وإنما إلى عملية سياسية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السياسة والسلاح، وبين السلطة والشرعية، وتفتح الطريق أمام دولة لا يكون فيها امتلاك القوة هو الطريق الأقصر إلى امتلاك القرار.

لقد جرب السودانيون طويلًا أن يصدقوا الكلمات قبل أن يروا الأفعال، وكانت النتيجة في كثير من الأحيان أن الخطاب سبق الحقيقة بمسافة كبيرة، ثم جاءت الوقائع لتكشف المسافة بينهما. ولذلك فإن دعوة الحوار الحالية تحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى أن تجعل الفعل يسبق الكلام هذه المرة؛ لأن السودان الذي دفع ثمنًا باهظًا للحرب وللاستبداد وللاستقطاب السياسي لا يحتمل حوارًا يقتل نفسه بنفسه قبل أن يبدأ، ولا تسوية تعيد إنتاج أسباب الأزمة التي جاءت لتضع لها نهاية.

م. معاوية ماجد

muawiyamag@gmail.com

Author
معاوية ماجد

معاوية ماجد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
جمال محمد أحمد وفلسفة الكتابة
منشورات غير مصنفة
البشير: سنقضي على الجبهة الثورية بدارفور
منشورات غير مصنفة
قرار لجنة الإستئنافات باطل .. بقلم: حسن فاروق
منبر الرأي
رسائل سودانية: الرسالة رقم 5 : المجلس العسكري الانتقالي .. بقلم: عمر عبدالله محمدعلي
منبر الرأي
النظام في زمن الكورونا .. بقلم: حسن عباس

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الخامس من حزيران لم يكن نكسة فقط كما صوره هيكل بل كان نكبة !!.. .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

طارق الجزولي
منبر الرأي

مدنية السلطة لإستكمال التغيير الديمقراطي .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

لاصلاح مسارنا وحالنا .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

إذا كنتم تحبون هذا الشعب ..اتركوه يقرر … بقلم: طلحة جبريل

طلحة جبريل
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss