صديق الزيلعي
يتواصل الحوار مع الدكتورة ناهد محمد الحسن حول مقالها الهام: أين ذهب الرفاق؟ وتعرض المقال السابق لقضية الطليعية، حيث تشكل الطبقة العاملة طليعة التغيير، ويشكل حزبها الشيوعي طليعة قوي التغيير. وأوضحت التحديات لتحقيق ذلك في بلداننا، التي تعيش مراحل ما قبل الرأسمالية، وتعاني من ضعف الطبقة العاملة، وكل مظاهر التخلف. وشددت ان ذلك المنظور حول الطليعية ينعكس داخل الأحزاب، بتأثير الشكل أو الرؤية اللينينية للتنظيم، في شكل مركزة مفرطة، وسلطة مطلقة للقيادة.
سأتعرض اليوم لما طرحته ناهد عن وضع المثقفين في الحزب الشيوعي. سأحاول ان اقدم مدخل، باختصار شديد واتمنى الا يكون مخلا، حول الماركسية وقضايا الثقافة والمثقفين ودورهم، ثم احلل التجربة العملية من خلال التجارب المتعددة للأحزاب الشيوعية. ورغم اتساع الموضوع وتشعبه، ولكني سأقامر بطرحه في عدد من السطور.
كتبت الدكتورة ناهد محمد الحسن ما يلي:
” في هذا السياق، تصبح شهادة عبد الله علي إبراهيم ذات دلالة خاصة، لا بوصفها سيرة شخصية أو خلافًا تنظيميًا، بل بوصفها نافذة على هذا المأزق من الداخل. عبد الله لم يكن ناقدًا جاء من خارج التجربة، بل مثقفًا نشأ داخل الحزب الشيوعي السوداني، وعاش سنوات طويلة من الالتزام والعمل السري. خروجه في أواخر السبعينيات لم يكن بسبب انقلاب على الفكرة، بل بسبب ما وصفه بانكسار التعاقد بين الحزب والمثقف: ذلك الوعد بأن يعمل المثقف داخل التنظيم بوصفه مثقفًا، لا كادرًا سياسيًا مؤجَّلًا أو منبريًا احتياطيًا.”
كما ذكرت سأقدم مدخلا عاما ومختصرا ثم اناقش أزمة المثقف في أي حزب شيوعي، على نطاق العالم.
علاقة ماركس بقضية الأيدولوجية والثقافة مرت بثلاث مراحل. اولها مرحلة ما يسمي بماركس الشاب وكان منشغلا بالحوارات الفلسفية مع اطروحات هيجل وفورباخ. وخلال تلك الفترة كان يحمل تقديرا للفلاسفة والطرح النظري. ثم تلتها المرحلة الثانية، وهي ما يمكن تسميتها بمرحلة الانشغال بالتاريخ، وكتابة نظريته الشهيرة بالمادية التاريخية. وفي هذه المرحلة أكد، بقطعية صارمة، ان أوضاع الناس الاجتماعية هي التي تحدد أفكارهم، وهي ما طورت لاحقا لقضية العلاقة بين البناء الفوقي والبناء التحتي. وخلال هذه المرحلة كان له رأي سلبي في الفلسفة، خاصة من الالمان. المرحلة الثالثة، وهي الأطول، وهي انشغاله بالاقتصاد، وبكتابه رأس المال، الذي وردت فيه صفحات عن الأيديولوجية، ولكنها بسيطة، وليست رؤية مكتملة.
قام لينين بطرح أغلب القضايا المتعلقة بالمثقفين وعلاقتهم بالحزب. فهو يعتقد ان الطبقة العاملة لوحدها لن تنتج فكرا ثوريا، بل تنتج فكرا نقابيا صرفا. لذلك طرح ان الوعي يأتيها من الخارج عن طريق المثقفين. وفي هذه المرحلة كان له نظرة إيجابية نحو المثقفين، خاصة وان اغلب الحلقات الماركسية السرية كان قوامها من المثقفين. بعد فشل ثورة 1905 طغت نظرته السلبية واتهام المثقفين بالتذبذب وعدم الثورية. وخاض ضدهم معارك قاسية داخل الحزب وخارجه. بعد انتصار الثورة الروسية صار يعمل لجذب المثقفين (التكنوقراط) أصحاب الخبرة العملية للمساعدة في بناء الدولة الوليدة، ولكنه احتفظ بنظرته السلبية نحو عموم المثقفين.
أكثر ماركسي بذل جهدا خالصا لقضية المثقفين هو أنطونيو قرامشي. وقدم رؤية متكاملة عن دورهم المحوري في عملية التغيير الاجتماعي في اطار نظريته حول الهيمنة. وقسم المثقفين الى نوعين: مثقف عضوي، وهو المعبر عن الطبقات الكادحة وحامل لقاء التغيير، والمثقف التقليدي، وهو المعبر عن الطبقات المالكة والداعم للنظام القائم. وتعتبر أفكاره نقلة نوعية وتخطي لمرحلة الماركسية الكلاسيكية، وفتحت الباب النظري لمفكرين أتوا بعده، كمدرسة وفرنكفورت والشيوعية الاوربية والماركسيين الاكاديميين.
هذا مدخل عام، ولكن واقع وضع المثقفين، داخل كل الأحزاب الشيوعية في العالم، تحكمه لائحة تلك الأحزاب. وهذه اللوائح هي في الحقيقة لائحة واحدة، تلك التي وضع أسسها لينين في نظريته حول المركزية الديمقراطية. وتحكم المثقف، في اطارها، أسس وقواعد محددة. ومنها أسس الصراع الفكري، وهو الجهد المبذول لمحاربة الأفكار غير البروليتارية وطردها من الحزب، وحتى هذا يفتح بقرار من القيادة، التي تحدد أسسه وزمنه. ومقاومة التفكير المستقل، أو طرح رؤى جديدة فذلك محتكر للقيادة، وهي تكلف من يقوم بذلك من أعضائها. وهناك تفاصيل كثيرة عرضتها في ذلك الباب عن المركزية الديمقراطية في كتابي الذي صدر بعنوان: هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي السوداني؟ لمن أراد الاستزادة.
الخص وضع المثقف داخل الحزب، وأفضل تلخيص هو ما جاء في رواية المانية كتب عنها استاذي وصديقي دكتور حامد فضل الله. وقام بتأليفها كريستوف هاين بعنوان” سفينة الحمقى” وهي من 751 صفحة وتحكي تاريخ دولة المانيا الديمقراطية. وقد لخص وضع المثقف داخل الحزب، البروفسير كارتن امزر، وهو بروفسير في الاقتصاد وعضو لجنة مركزية في الحزب الاشتراكي الموحد، حيث يقول:
” يسمح للمرء أن يخطئ، لكن ليس ضد الحزب، واذا اخطأ الحزب، فانك ترتكب خطأ، ان لم تشارك في هذا الخطأ. لا يجوز مطلقا ان تكون حقا ضد الحزب، لإنه وحده دائما على حق”
ولكيلا يكون نقدي سلبيا، سأقترح في الحلقة الأخيرة تصوري للإصلاح، الذي يخرجنا من هذه الأزمة.
siddigelzailaee@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم