صديق الزيلعي
يتواصل الحوار مع المقالات القيمة للدكتورة ناهد محمد الحسن بعنوان أين ذهب الرفاق؟ وقد عرضت في المقال السابق أن جوهر الأزمة الراهنة (عالميا ومحليا) للماركسية، هي التجربة الروسية. فقد تنبأ ماركس، بعد دراسته المتعمقة للرأسمالية، بأن التطور الي النظام الاشتراكي سيحدث في البلدان الصناعية المتطورة، بل حدد بريطانيا على انها الأقرب لذلك. ولكن ذلك لم يحدث وحدث في روسيا، اكثر بلدان أوروبا تأخرا، على المستويات الصناعية والاجتماعية والسياسية (بالتحديد الحريات). ذلك البلد الذي اختط الطريق الجديد، صار نموذجا وبديلا عالميا لكل قوى اليسار. فانطبعت ممارساته وتجربته على فكر وممارسات اليسار الماركسي على مستوي العالمي، رغم وجود تيارات رافضة للتجربة. لكن قوة الدولة وسطوع النموذج البديل، كان الأقوى. اعتقد ان هذه نقطة مركزية في تحليل وفهم كل ما حدث بعد ذلك.
كتبت الدكتورة ناهد عن قضية الطليعية ما يلي:
” في هذا التصور تكمن قوة الفكرة وخطرها في آن واحد. فحين يتحول الوعي إلى امتياز، يصبح السؤال: من يملك هذا الامتياز؟ وحين تُختزل الحقيقة في مركز واحد، يتحول الاختلاف من مورد للتعلم إلى تهديد للوحدة. ومع الوقت، يبدأ الحزب في تمثيل الجماهير أكثر مما يُصغي إليها، وفي تفسير الواقع بدلًا من التعلّم منه. وهنا، يتسلل فخّ الوصاية بهدوء، لا عبر القمع الصريح، بل عبر اللغة، والتنظيم، وتأجيل الأسئلة، إلى ما بعد.”.
اتفق مع مضمون الفقرة، وسأحاول ربطها بالواقع الملموس. فقضية الطليعية ليست للحزب فقط، وانما أولا للطبقة العاملة. ويشمل ذلك كل التنظيمات الأخرى كما سأوضح في الفقرات القادمة.
يقول التحليل الماركسي ان التناقض الأساسي في المجتمع الرأسمالي هو بين رأس المال والعمل المأجور، وبين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة. وان الطبقة العاملة هي التي ستقود النضال ضد الرأسمالية (بلغة ماركس حفار قبر الرأسمالية) وبناء البديل الاشتراكي. هذا ما طرح نظريا، ولكنه لم يحدث في الواقع، وحدث التغيير في بلد متخلف، يشكل الفلاحون اغلبيته العظمي. ولمعالجة ذلك طرح لينين قضية التحالف بين العمال والمزارعين، ولكن تحت قيادة الطبقة العاملة، باعتبارها الطبقة الطليعية.
تطور الطرح ليشمل ان الحزب هو المعبر عن الطبقة العاملة الطليعية، وهكذا هو قائد نضال الطبقة، ومن بعدها بقية الطبقات. من هذا الشرح المبسط والموجز نتعرف على مفهوم الطليعية، من وجهة النظر الماركسية.
قام ستالين والكومنتيرن (الأممية الشيوعية) بفرض ذلك المفهوم على بلدان الشرق (كما كانت تسمي). وكان جوهر السياسة الجديدة، هي كيفية التعامل مع البرجوازية المحلية. ووصفت بأنها وكيل للاستعمار، ولا تستطيع قيادة النضال الوطني التحرري حتى النهاية. انطلاقا من ذلك على الأحزاب الشيوعية أن تتصدي لقيادة النضال. هذا التبرير يجعل الأحزاب الشيوعية (المعبر والممثل عن الطبقة العاملة) قائد للنضال في المستعمرات وأشباه المستعمرات. وان الطبقة العاملة، رغم ضعفها وانها تتكون من عمال الخدمات، وليس الصناعيين كما طرح ماركس)، هي طليعة النضال الوطني.
خطورة ذلك الطرح، في بلداننا المتخلفة، ان تكون الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي هي قائدة معركة التغيير، وحتى ان دخلت في تحالفات يجب ان تكون تحت قيادتها وخطها السياسي. هذا على المستوي الوطني العام. وحتى على المستويات الأدنى، يكون الحزب الطليعي هو الوجه هو القائد لكل الأنشطة في مجاله، كالأنشطة والنقابية وعمل منظمات المجتمع المدني المختلفة. ويؤدي هذا الطرح لنتيجة منطقية هي الاستيلاء على السلطة واجراء التغيير من فوق. لذلك نرى اطروحات القفز على المراحل مثل الدعوة للتغيير الجذري وغيره.
وتتكرر نفس المسألة في داخل الحزب الطليعي حيث الانضباط الحديدي والطاعة التامة للقيادة المركزية، وحتى في القيادة يكون السكرتير العام سلطة كبيرة ومؤثرة. ويصبح شكل التنظيم يفرض انماطا سلوكية محددة وقواعد صارمة، تتعلق بأشياء كثيرة ومتنوعة. ويصبح التعامل مع الأعضاء والجماهير بمنطق الوصاية “وامتلاك الحكمة المطلقة ” وكل ما وصفته الدكتورة ناهد ببراعة في مقالها، حيث كتبت:
” من يملك هذا الامتياز؟ وحين تُختزل الحقيقة في مركز واحد، يتحول الاختلاف من مورد للتعلم إلى تهديد للوحدة. ومع الوقت، يبدأ الحزب في تمثيل الجماهير أكثر مما يُصغي إليها، وفي تفسير الواقع بدلًا من التعلّم منه. وهنا، يتسلل فخّ الوصاية بهدوء، لا عبر القمع الصريح، بل عبر اللغة، والتنظيم، وتأجيل الأسئلة ((إلى ما بعد)). هذا الانزلاق لا يحدث فجأة، ولا بالضرورة بسوء نية. غالبًا ما يتغذى على الخوف: الخوف من الانقسام، من الاختراق، من ضياع التضحيات. ومع القمع الخارجي، تميل التنظيمات الثورية إلى تشديد قبضتها الداخلية، فتُقدّم الانضباط على الحوار، والوحدة على التعدد، والاستمرارية على المراجعة. وهكذا تُعاد إنتاج بنية السلطة داخل التنظيم، حتى قبل أن يقترب من السلطة في المجتمع.”
هذا الوضع، الغير صحي، يشكل تحديا حقيقيا وكبيرا لقوي اليسار، ويفرض ضرورة الانتقال من التنظيم الحلقي، الذي وضع تصوره لينين، ويتكون محوره من حلقة متفرغين ثوريين.، الى التنظيم الجماهيري، الذي تم تنفيذه في الحركة السودانية للتحرر الوطني، والجبهة المعادية للاستعمار، ومشروع الحزب الاشتراكي. وان يتطور شكل التنظيم ليواكب الخبرات التنظيمية والإدارية، التي تراكمت عبر السنين، وفي كل انحاء العالم. لنعالج، بشكل جماعي، امراض الحلقية، والطاعة، والسرية، وعدم قبول الرأي الآخر، والتعلم من الجماهير والتعامل مع القوي الأخرى بندية واحترام وليس بوصاية.
اثارت الدكتورة قضية المثقف والحزب وهذه تحتاج لمناقشة منفصلة.
siddigelzailaee@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم