بسم الله الرحمن الرحيم
يقول أرسطو أن الإنسان يمارس فضيلته من خلال أداء وظيفته الصحيحة … والوظيفة الصحيحة تتناسب وقدرات مرتادها وقد اختار البعض الخدمة المدنية ووصف لنا جيل الاباء والاجداد الخدمة المدنية في السودان بأنها كانت كالسيف وبأن المرء يمكن أن يضبط ساعتة عليها ووصف الإنجليز الخدمة المدنية في السودان بأنها عمود الدولة الفقري، وسموها “قلم السودان” (Sudan Service). واعتبروا أن بقاء وقوة السودان الحديث يعتمد على ثلاثة أعمدة رئيسية هى الخدمة المدنية ومشروع الجزيرة والسكة حديد، محذرين من انهيار الخدمة المدنية الذي يعني انهيار الدولة. وقد سلمنا بانتهاء جدوي مشروع الجزيرة بنظام الري الحالي وبأنه يسبح عكس تيار اقتصاد السوق الحر رغم رأينا في هذا النموذج الاقتصادي وأن السكة حديد تم تخفيض العمالة فيها عدة مرات وتركت عمدا بهذه الكيفية للسماح لأصحاب الشاحنات والبصات للعمل لضمان نجاح سياسة السوق الحر فى السودان وحاربها لاحقا اصحاب المصلحة من عدم جدوي مواعينهم أمام عملاق النقل السوداني السكك الحديدية كما حوربت مشاريع كثيرة في السودان لذات السبب وتبقت الحدمة المدنية بكل ايجابياتها وعمالتها الأقل كلفة مقارنة بسياسة التعاقد الخارجي فى الخدمات (out-sourcing) التي جاءت اتساقا مع سياسة السوق الحر.
وقد نشأت الخدمة المدنية في السودان في الإطار الاستعماري في جانبه الايجابي والاسراع بتكوين دولة في السودان منفصلة عن مصر وتلك قصة أخري من خفايا السياسة في تاريخ السودان الحديث. وركزت الخدمة المدنية على الضبط الإداري لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية لحكومة السودان في ذلك الوقت وقد تطورت لاحقًا ولتحقيق ذات الأهداف وذلك بتوزيع الوظائف المركزية العامة وفق تصنيف مهني يعتمد على المؤهلات والواجبات والمسؤوليات والامتياز والمحاسبة وبذا اصبحت تمثل جزءًا أساسيًا من الهيكل الإداري القومي وهناك اجتهاد مستمر مع محاولة التطوير والمرونة عبر تحديث وتصنيف الوظائف وتطويرها وتحسين الكفاءةو رغماً عن كل هذه التحديات والعيوب المتمثل أبرزها في عدم القدرة علي التخلص من عديمي الكفاءة وأن من يتعرض للمحاسبة هو النشط والذي يملك الهمة لأنه يقع فى التجاوز بهمته وحرصه لي الانجاز ولكنها لا تزال تمثل ركيزة أساسية في إدارة الدولة السودانية وأنها حتي الان بالعموم أكفأ من القطاع الخاص وأقل كلفة منه (اقصد بالكفاءة الاداء الافضل والأجود) وأسالوا ناس الزراعة علي سبيل المثال من ادارات الري أيهم الافضل ما بين القطاع الحكومي والخاص والأهلي سيجيبونك الحكومي بلا جدل، بل هنلك من الوظائف من لايقوم بها الا الخدمة المدنية.
يستند الهيكل الحالي بشكل رئيس على قانون الخدمة المدنية القومية لسنة 2007، وهذا القانون أيها السادة وضعت الافضليه فيه للمؤسسة لا للفرد العامل – بعكس قانون العمل للعام 1997م الذي ينظم عمل القطاع الخاص- وذلك لحماية مؤسسات الدولة من الابتزاز او ضغط العاملين بما يحرفها عن دورها الاساسي، وتواجه الخدمة المدنية في الوقت الراهن تحديات هيكلية واقتصادية غير مسبوقة بسبب تداعيات الحرب الذي أثر على سير العمل والرواتب. وهذه التحديات ليست بالجديدة اذ بلغت نسبة تغطية المرتبات للحوجة الاساسية للعامل في المتوسط حوالي 20% بحسب دراسة سابقة لمجلس الوزراء. وربما هذه هي المفارقة الرئيسية التي تجعلنا نلاحظ العيوب الرئيسية للخدمة المدنية من عدم الدافعية والتأجيل والبعض يصف هذا بالبيروقراطية وهذا خطأ فالبيروقراطية معناها اتباع الاجراء الاصح حتى لو كان طويل المسار واجراء مزيد من التأكد على صحة القرار الاداري أو المالي بغرض حماية مال الضرائب الذي جلب من عرق جبين البسطاء والمزارعين وعن طريق الرسوم المحلية والجبايات وغيرها.
آتي للقرا ر الوزاري رقم 22 والخاص بتكوين لجنة فنية عليا لحصر العاملين بالحكومة الاتحادية وتتسربت توصيات بامكانية منح المعاش المبكر لشريحة واسعة تصل نسبتها الي والي 60% من العاملين (حوالي 57 الف موظف) وبعيداً عن الشكوك السياسية لمغزي القرار والتي تتطابق فيه نسبة 40% التي نصت عليها اتفاقية جوبا مع حيثيات القرار فان الذي يهمني هو مدى شرعية القرار وقانونيته وأثره اذا طبق بصورة أو بأخري. الحكومة الحالية هي حكومة انتقالية (بطة عرجاء) ولايجوز لها اتخاذ القرارات المصيرية وقد اثير هذا الأمر اثناء مناقشة الخطة الاستراتيجية فى مدينة بورتسودان إذ أن وضع خطة استراتيجية لخمس سنوات أثار حفيظة خبراء التخطيط الاستراتيجي الذين أجزموا أن الحكومة الانتقالية لايمكنها وضع خطة لفترة زمنية خارجة عن مداها ومجال تفويضها الزمني ناهيك عن عدم وجود معلومات كافية وعدم يقينية الموارد المالية والايرادات الحكومية في الموازنة العامة للدولة وكان يمكن أن تضع برنامج انتقالي لثلاث سنوات كحد أقصي ولكن تقدير الحكومة كان يذهب في طريق اخر. وكذلك تواجه الحكومة ذات المعضلة الشرعية في قرار كالتخلص من الخدمة المدنية عن طريق لجنة بهذه الكيفية وعضويتها من الذين جاءت بهم الموازنات السياسية ذات الغرض الذي لايخفي علي أحد وثانيا هناك امكانية مجابهة القرار بالطرق القانونية إذ أن القانون يمنع مثل هذا الاجراء الا بموافقة العامل وأما اذا طبق بشكل أو اخر فإن الدولة ستفقد ذاكرتها المؤسسية ومعرفتها الادارية ورفاه تقديم الخدمات بهذه الكفاءة والكلفة المنخفضة.
شكرا للحكومية الانتقالية التي ما فتئت تجابه ظروف الحرب بكل جديد ومثير فالمواطن الذي فقد كل شئ من بيت وفرش ومتاع وعربات ووسائل تنقل تعلن الحكومة أنها ستتصرف فيها بعد فترة زمنية معينة وموظف ينتظر بفارق الصبر النزول الي عمله ومزاولة الحياة بشكل طبيعي واعادة اعمار داره واصلاح حاله ليتفاجأ بمثل هذه القرارات التي لا تعبر عن مسؤولية حكومة في ظرف قاهر كالحرب التى أفرزت الحرمان والنزوح وفقدان موائل وسبل كسب العيش. لايهم التراجع عن القرارات او نفيها لأنها كشفت عن نمط تفكير وطريقة ادارة للازمة الحالية وعقلية مسؤولين عن مواطن مقهور مستلب نازح ولاجئ ومحبط ولم يبق له شئ.
لو ارادت الحكومة العودة الي افئدة الناس اقترح الاتي أن تتصرف الحكومة بالكينونة الانتقالية حتي لاترسخ في الاذهان المحاصصات والتمسك بالسلطة فى لحظة زمنية فارقة من تاريخ السودان وأن تعمل علي تعزيز مشاريع التعويضات وتوسعة وتذليل سبل كسب العيش بالتنازل عن الرسوم وأن تتوسع مع شركائها في مشاريع التحويلات النقدية للأسر المحتاجة الامر الذي يمكن أن ينعش الاسواق ويجعلها تعود تدريجيا ويمكن الحكومة لاحقا والمحليات من أخذ رسومها وانعاش مواردها حتي تتمكن من مزاولة مشاريعها التنموية والخدمية. وأن تقوم الحكومة باطلاق مشروع تعويضات مالية كبير مع شركائها والاجتماع مع شركات التأمين لمعرفة موقفهم من التعويض وقدرتهم عل ذلك وأن تكون من مكوناته أيضا أن يمنح اعفاء جمركي لكل مواطن فقد عربته أو وجدها بكيفية لا يمكن صيانتها أو يصبح كلفة صيانتها يقترب من سعرها في الحالة التي كانت عليها أولا وذلك لفترة تاريخية معقولة ممكن تكون لعشر سنوات للوراء وأن تسمح باستيراد المستعمل بحالة معينة ولانواع يمكن التوصية بها من الجهات ذات الاختصاص في الجمارك والمالية وغيرها والتخلص من الهياكل بعد ضبط الملكية من الشرطة واتخاذ الاجراءات التي تضبط العملية وأن تعطي اعفاء جمركيا يصل الي 50% فى حالة اختار المواطن استيراد عربة جديدة بدلا من عربته المحروقة او التي اتلفت بالكامل ويمكن للحكومة أن تستفيد من حديد الخردة فى صناعاتها الدفاعية أو بيعها داخليا أو خارجيا كما تشاء وأن تخفض رسوم الترخيص والتسجيل للجديد بنسبة 30%. وذات الشئ يمكن أن يعمم علي معدات المصانع أو اي اليات أخري وفي ذلك ابداء قدرة الحكومة علي التكيف مع الظروف وجبر ضرر للمواطن وحراك كبير فى الاسواق سيعود نفعه للحكومة كما يعود نفعه للمواطن وسينعكس في رضا شعبي كبير يمكن أن يسهم في دعم السلام الاجتماعي والوفاق المجتمعي. وأخيرا يجب وقف حملات تنظيم الاسواق والسماح للباعة المتجولين لمدة عام على الأقل مراعاة للظروف الحالية وقد وجدنا أسواقا ازيلت فيها الاكشاك والمحلات الشعبية واماكن بيع الفريشة ومنعهم من العمل فى وقت هم أشد حوجة للعودة الي نشاطهم الذي كانوا يمارسونه فى الخرطوم أو المدن التى نزحوا منها.
وعلى الله قصد السبيل //
الفاضل أبو آمنة
a.moniem.awad@gmail.com
