الدبلوماسية: انكشاف تحت الشمس وشفافية تحت القمر

جمال محمد ابراهيم
(1)
مع تعاظم قدرات الإعلام عموما، في متابعة وملاحقة مجريات الأحداث السياسية التي تدور في مختلف بقـاع العالم، وبما أتاحته الشبكة العنكبوتية والأقمار الصناعية والرَّقميات والذكاء الاصطناعي من إمكانات ، فقد أمكن لكلِّ مشاهدٍ أنْ يكون له رأيٌ فيما يشاهد ويسمع ويقـرأ عمَّا يدور حوله في العالم. إنَّ الانفتاح والشفافية صارا سِمة العصر الماثل بما تلاشت معه ما كان يطلق عليه في السابق من عبارات مثل: “ما يدور خلف الكواليس”، أو “ما يجري تحت الطـاولة”، أو “ما دار مــن خفـايا”، أو “مداولات ســرية”. إنَّ اللغة نفسها قد تجـاوزتْ مثل هذه العبارات.

(2)
لكن يدور تساؤل حول ما قد تستدعي كلُّ تلك التحوُّلات من تداعياتٍ على الوسائل والأساليب التي تتبع في الممارسات السياسية والإعلامية والدبلوماسية، في العلاقات الثنائية بين الدّول من جهة، والعلاقات الجماعية المتعدَّدة الأطراف فيما بين المنظمات والجماعات الرّسمية والمدنية من جهة أخرى. ثمّـة ضوابط وتقاليـد وأعراف تمَّ التوافـق عليها عبر عقود طويلة لتنظيم العلاقات ووسائل التواصل حولها بين مختلف الأمم، قامت على أسسٍ راعتْ مبادئ المساواة والتراتبيات والأسبقيات. غير أن تلك التقاليد والأعراف جرى صياغتها في شكل اتفاقية دولية بدأت في فيينا عام 1815. غير أن التوسع في وضع ضوابط أكثر تفصيلاً بدأ في القرن العشرين بعد نحو عقد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. بعد تكوين الأمم المتحدة بهدف حفظ الأمن والسلم الدوليين لتجنيب العالم وقوع كارثة حرب عالمية أخرى تدمّر عمارة الأرض تهلك ملايين البشر، مثلما وقع خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (1938-1945).
في فيينا عام 1961، تمَّ التوافق على اتفاقية العلاقات الدبلوماسية، وتلتها اتفاقية العلاقات القنصلية عام 1963، وهما اتفاقيتان أضيفت اليهما اتفاقيات إضافية أخرى، الزَمتْ الدُّول الأعضاء في الأمم المتحدة باحترامها والعمل بها.
ولأنَّ عصب التعاون الدولي قائمٌ على وسائل وأساليب للتواصل بين أعضاء المجتمع الدولي الرسمي منه والمدني، فقد شكَّل التطوّر الذي وقع في معينات وميسّرات ذلك التواصل ، وما أشرنا إليه من انفـتاح معلوماتي وشفافية مسؤولة، طرأتا بعد ثورة التواصل الرَّقـمي، فقد بات من الضرورة الاستجابة لمستجدَّات أوجدتها تلك التطوّرات ضربة لازب.

(3)
سيقتصر حديثنا هنا على الجوانب الدبلوماسية المتأثرة بهذه التطورات ، ونراها على أهميتها الشَّكلية، هيَ أقلَّ الشواهد الملاحظة من طرف المشاهدين والمتابعين لأجهزة الاعلام وتوابعها من وسائل التواصل والاتصال الإلكتروني والرَّقمي السائد.
لعلَّ أوّل وأوضح التطورات التي نراها من حولنا هي قدرات الإعلام على النقل الفوري المباشر لمختلف الأحوال السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية التي تقع في مختلف البقاع، وما تترك من آثار وانطباعات متباينة على متلقيّ تلك التغطيات.
وثاني التطورات المباشرة وتأثيرها على المتلقي، هي أهمية ما تحمل لغة الجسد من معاني ورسائل ، لم تكن مُتاحة من قبل أن يتطوَّر التصوير والتسجيل الفوري المباشر للأحـداث.
لأنَّ شهادات إعلامية مباشرة وفورية على عملية اغتيال الإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، لم يمكن لإعلام إسرائيل أن يتحايل ليدّعي أنَّ حادثة الاغتيال ، كانت بسبب رصاصة طائشة. لذلك وصلت القضية إلى المحكمة الدولية. أمّا في السُّودان وبعد التجاوزات والاغتيالات التي وثقتها مباشرة أجهزة تصوير تخصَّ من مارسـوا جرائم الاغتيالات بدم بارد في مدينة الفاشــر في دارفــور غربي السُّودان، فليسَ من السهل أن يفلت القتلة من ملاحقة المحاكم الدولية لمحاسبتهم.

(4)
لو نظرنا إلى لغة الجسد ، وهي تشكّلَ جانباً شكليٌّاً محضا ، غير أنها قد تحمل من المعاني ما يفوق اللغة المحكية أو المقروءة. واضرب لك مثلين، أحدهما وهو الأقرب وقع في بورتسودان ، والثاني الأبعد وقع في واشنطون.
زار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشئون الإنسانية مدينة “بورتسودان” عاصمة السودان المؤقتة في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الجاري، على رأس وفد أممي، والتقى بال حول شفافية “ترامب” المفرطة في أسلوبه في مقابلة الرؤساء مسؤول الأول في الحكومة القائمة في بورتسودان، وهو الجنرال قائد الجيش السوداني الفريق البرهان. نقلت الفضائيات كيف هَبّ واقفا ليصافح أفراد الوفد فرداً فردا. من الطبيعي أن يلتقي مثل هذا المسؤول الأممي أقرب رصيف له، وهو وزير الخارجية في جلسة عمل تغطَّى إعلامياً كما هو متوقع. أما لقاء ذلك الوكيل لرئيس الدولة- الشرعي أم غير ذلك – فهي مقابلة مجاملة ليسَ مهما تغطيتها إعلاميا. ذلك خطأ بروتوكولي واضـح.
أما في واشنطون- وإنْ تباينت النظرة لأسلوب الرئيس “ترامب” في الشفافية الإعلامية المفرطة في مقابلاته للرؤساء الأجانب- فقد شهدنا النقل المباشر للقائه جالساً على مكتبه فيما اصطفَّ أمامه مساعدوه يتوسّـطهم رئيس الجمهورية السّورية، بما لا يعكس نديَّة بين الرئيسين. ذلك تجاوزٌ بروتوكولي وإن كان شكلياً محضاً، لكنه ينتقص شيئاً من المكانة السيادية للضَّيف، حتى وإنْ لم تحمل ليارته لواشنطون صِفة رسمية.
في الحالة الأولى، قد يُفسَّر تصرُّف الفريق البرهان بأنّهُ مسـعيً لاكتسابِ شرعيةٍ منقوصة، أما في الحالة الثانية فإنّ تصرُّف واشنطون يعكس تطبيعاً إجرائياً لم يكتمل، مع دولة ظلتْ خاضعة لمقاطعة أمريكية منذ عقـودٍ طويلة.

(5)
خلاصة ما نودُّ تبيانه ، أنّ الإعلام بشفافية تغطياته، وانكشاف بعض الممارسات والنشاطات السياسية والدبلوماسية من قـبل بعض السياسيين أمام عدسات مصوريه، يعكسَ قدراتٍ متعاظمةٍ في التأثير على الرأي العام لاستيعاب تداعيات ما يقع من تطوُّرات وتحوُّلات تجري في الساحات الدولية والإقليمية.
كانت بعض المراجع الأكاديمية الساخرة تعرّف الدبلوماسي بأنه ذلك الشخص الذي تبعث به بلاده ليكذب بالنيابة عنها، وذلك نقلاً لقول قديمٍ عن لورد “بالمرستون” في القرن الثامن عشر. ليسَ المقصود بالمعني هنا الكذب المحض ، وإنما الإشارة هنا إلى التعقيدات التي تحيط بالممارسات الدبلوماسية لجهة اضطرار الدبلوماسي للدفاع عن مصالح بلاده.
ليس من الممكن- ولو مجازا -أن يكذب الآن الدبلوماسي أمام معطيات واقعٍ صارتْ جميع الممارسات الدبلوماسية فيه، تتم بانكشافًٍ تحت الشمس وبشـفافيةٍ تحت القمر. .

القاهرة – 13/11/2025

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …