الدولة المركزية في السودان

إعداد: بروفيسور عادل علي وداعه
نشر المصرفي المعتق علي وداعه عوض الكريم في صفحته على الفيسبوك في يناير ٢٠٢٦م مقالا عن اعترافات الإنجليز(السودان غلطة تاريخية دفع ثمنها الشعوب…) وطلب مني مشكورا أن ادلي بدلوي في الموضوع متسائلا هل دارفور وجبال النوبة والاستوائية مناطق انضمت للسودان مع الاحتلال البريطاني؟.
الدولة المركزية في السودان ترجع نشاتها إلى ما بعد عام ١٨٢١م مع الغزو التركي المصري والذي عمل على القضاء على التكوينات السياسية المستقلة وجمعها تحت إدارة مركزية واحدة،واقتصاد يعتمد على الضرائب والتجارة المحدودة والعمل على صناعة قوة عسكرية منظمة مهمتها ضبط التحركات المناوئة وبسط الأمن ليتسنى لهم السيطرة على موارد واراضي ومواني البلاد. وواصلت الإدارة الجديدة مساعيها فقامت بأعمال ذات طابع اجتماعي واقتصادي عندما أنشأت أول مدرسة نظامية في الخرطوم فكانت تلك البداية للتعليم الحديث في السودان،وعملت على ربط البلاد بالاتصالات(خطوط التلغراف ) ودرست مشروعا لربط أجزاء السودان بشبكة سكك حديدية فأدى هذا التطور

إلى انتعاش حركة التجارة وازدهار الأسواق وارتباط السودان بالسوق العالمي،وانعكس أثر كل ذلك وفتح الطريق إلى بداية نمط الإنتاج الراسمالي نتيجة للتحولات التي حدثت في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والمواصلات،وفي تلك الفترة ومن الناحية السياسية شهد السودان عددا من الانتفاضات وحركات المقاومة ضد النظام التركي المصري وأدى تراكمها إلى تحول كيفي في الثورة المهدية التي انطلقت في عام ١٨٨١م وانتصرت في يناير ١٨٨٥م.
استفادت الدولة المهدية من البنى التحتية التي ورثتها من النظام التركي المصري ووظفتها في حدود امكاناتها المتاحة وهي محاصرة بالضغوط الخارجية وطغيان الطابع العسكري مما حال دون بناء دولة مدنية مستقرة فانتهجت نظاما مركزيا للحكم وسعت سعيا حثيثا لتنظيم حركة الأسواق اداريا وتجاريا للخروج بالسودان إلى مشارف الإنتاج السلعي،وكان هدف الدولة المهدية إخضاع النشاط التجاري والاقتصادي لسلطة الدولة. على أن الدولة المهدية لم تعمر طويلا إذ سرعان ما تعرض السودان لغزو أجنبي في عام ١٨٩٨م وبالتالي أنتهت حقبة من التاريخ نال فيها السودان استقلاله ليدخل في عهد استعماري جديد.

 بدأ الحكم الثنائي نشاطه بتوقيع اتفاقية للحكم شكلت المرتكز السياسي والدستوري لإدارة السودان واهملت الاتفاقية مسألة السيادة على السودان ولم تشر إليها مما أوجد فهما خاطئا بأن الاتفاقية خلقت سيادة مشتركة برفع العلمين البريطاني والمصري والواقع أن الاتفاقية خلقت من الناحية النظرية فقط إدارة ثنائية. وفي دولة الحكم الثنائي حدث التوسع في نمط الإنتاج الراسمالي بصورة أكبر ونشأ قطاع حديث وسط قطاع تقليدي كبير وتاسست المدن التجارية والصناعية وقامت المشاريع الزراعية المروية وتحسنت الخدمات الصحية والتعليمية. 

استعصت دارفور على النظام التركي المصري فلم يتمكن من ضمها إلى إدارته إلا في أكتوبر ١٨٧٤م لذا لم يألف أهلها النظام الإداري المركزي وهيمنته القابضة. وبعد سقوط الدولة المهدية استعادة دارفور استقلالها الذاتي واعلن علي دينار عن سلطنة مستقلة فيها واجبر الإدارة الثنائية على الاعتراف بسلطته إلا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام ١٩١٤م بدل المواقف بانحياز علي دينار لتركيا فقررت الإدارة البريطانية انتهاج سياسة جديدة نحو دارفور واحتلالها في مايو ١٩١٦م والقضاء على علي دينار وفي عام ١٩٢١م انضمت

آخر المناطق في دارفور للإدارة البريطانية(دار المساليت ).
أما جنوب السودان فيعود التوسع الاستعماري فيه الى عهد الخديوي اسماعيل ١٨٦٣- ١٨٧٩م مستعينا بالاوربيين صمويل بيكر وجورج غردون وتمخضت جهودهما بتكوين مديرية جديدة عرفت بمديرية خط الاستواء استولت على أراضي يوغندية مما شجع الخديوي اسماعيل لربط دولته بساحل شرق افريقيا وهنا شعرت بريطانيا بخطورة الموقف وضرورة وقف التوسع المصري في هذه المناطق.
وواصلت الإدارة البريطانية سياستها نحو جنوب السودان عبر مراحل ففي المرحلة الأولى ركزت جهودها في حفظ الأمن والنظام وفتح الجنوب أمام الجمعيات التبشيرية المسيحية.وتلتها مرحلة العمل على فصل الجنوب وضمه لممتلكات بريطانيا في وسط وشرق افريقيا واتخذت جملة من التدابير لتنفيذ هذه السياسة مثل منع مديري المديريات الجنوبية من حضور الاجتماع السنوي بالخرطوم،واصدار قانون المناطق المقفولة،ومنع التجار الشماليين من العمل في الجنوب وبذل الجهود لمنع استخدام اللغة العربية كوسيلة للتخاطب واستبدال الموظفين الشماليين باخرين

جنوبيين. وتلا ذلك إعلان سياسة الفصل صراحة في مذكرة للسكرتير الإداري هارولد ماكمايكل في عام ١٩٣٠م وتبعه السير دوقلاس نيوبولد في تنفيذ هذه السياسة وشهد عهد السكرتير الإداري جيمس روبرتسون والذي أشرف على مؤتمر جوبا ١٩٤٧م وبذل جهدا خارقا لتنفيذ السياسة البريطانية الرامية لقطع الصلة كليا بين الشمال والجنوب إلا أن وعي السودانيين شماليين وجنوبيين هزم هذا المخطط وخرج المؤتمر بقرار قضى باشتراك الجنوب في الجمعية التشريعية..
ومما تقدم نرى أن المناطق المشار إليها انضمت إلى الدولة المركزية في السودان عبر فترات متفاوتة دارفور ١٨٧٤-١٨٩٩م ثم انتزعت استقلالها حتى عام ١٩١٦م،والجنوب خضع للإدارة المركزية في السودان في عام ١٨٦٩م مع سياسة خاصة نفذها الإنجليز نحوه دون مراعاة لواقعة الجغرافي والاثني والاجتماعي. أما مناطق جبال النوبة فلم تخضع كليا للحكم التركي المصري فكانت ملاذا آمنا للفارين من عنت الضرائب وشكلت حاضنة للثورة المهدية في مرحلتها الأولى وبعد الاحتلال البريطاني للسودان انحصرت فيها المقاومة القبلية وانطلقت معارضتها من موقع الولاء القبلي الرافض لهيمنة الدولة المركزية وضرائبها المرهقة غير أن

الإدارة البريطانية فرضت سيطرتها الكاملة عل المنطقة منذ عام ١٩١٧م.

adilali62@gmail.com

عن عادل علي وداعه عثمان

شاهد أيضاً

مقاربة تاريخية في تجارب فترات الانتقال السياسي في السودان (2-2)

التجمع الوطني الديمقراطي لإنقاذ الوطن أبريل 1985- أبريل 1986ا.د عادل علي وداعه (جامعة سنار)استولى الجيش …