د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول النص تطور الجدل حول علاقة الدين بالدولة في السودان بوصفه مسألة تاريخية وسياسية ودستورية معقدة، لا مجرد خلاف نظري بين الشريعة والعلمانية، حيث ارتبط هذا الجدل منذ الاستقلال بأزمة أعمق تتعلق بكيفية بناء الدولة في مجتمع متعدد دينياً وإثنياً دون تحويل الهوية إلى أداة للهيمنة السياسية. ويُظهر المسار الدستوري الممتد منذ خمسينيات القرن العشرين حالة من عدم الاستقرار، إذ تعاقبت دساتير ووثائق انتقالية صاغتها نخب محدودة في سياقات صراع، مما حال دون تأسيس عقد اجتماعي مستقر، وأبقى مسألة الدين والدولة مفتوحة ومتصلة بأزمات الشرعية والتمثيل وتقاسم السلطة.
تاريخياً، تذبذب السودان بين مشاريع تسعى إلى أسلمة الدولة وأخرى تدعو إلى حيادها دينياً، مع محاولات توفيقية لم تنجح في معالجة التوترات البنيوية بين الأغلبية والأقليات، ولا في تحديد العلاقة بين الشريعة والمواطنة. وقد مثّل مشروع 1968 محاولة واضحة لدمج الإسلام في بنية الدولة مع الإبقاء على بعض ضمانات الحرية الدينية، لكنه بقي غامضاً وغير حاسم، ما عكس عمق الإشكال المتعلق بتحديد مصدر السيادة وهوية الدولة. كما يتضح أن الصراع لم يكن حول الدين كعنصر ثقافي، بل حول توظيفه كمصدر تشريعي وأداة سياسية ملزمة.
شكّلت قوانين سبتمبر 1983 نقطة تحول مفصلية، إذ جرى فرض الشريعة من أعلى بصورة ربطت بين الدين والسلطة، وأدت إلى نتائج عكسية تمثلت في تعميق الأزمة السياسية وتجدد الحرب الأهلية، مما رسّخ إدراكاً بأن العلاقة بين الدين والدولة ترتبط مباشرة بقضايا السلام والمواطنة والحقوق. ولم تكن تلك المرحلة مجرد تعبير عن تدين سياسي، بل مشروعاً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع، عزّز المركز وأقصى أطرافاً واسعة.
مع وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة، تعمق الطابع الأيديولوجي للدولة، حيث توسعت عملية أسلمة المؤسسات والقانون والتعليم ضمن مشروع شامل، لكن ذلك أدى إلى انقسامات داخلية ومقاومة واسعة، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة وحدود تطبيق الشريعة في مجتمع متعدد. وفي هذه المرحلة أصبح النقاش يتجاوز تطبيق الشريعة إلى التساؤل حول نموذج الدولة ذاته، وما إذا كانت دولة مواطنة أو هوية أو تعبئة دينية.
جاء دستور 2005 في إطار تسوية سياسية أنهت الحرب مع الجنوب، لكنه عكس صيغة انتقالية مزدوجة تجمع بين الشريعة في الشمال والعلمانية في الجنوب دون حل جذري للإشكال، مما أبقى الأزمة قائمة. واستمرت هذه الهشاشة في الوثيقة الدستورية 2019 التي صيغت في سياق توازنات سياسية مؤقتة، ضمن نمط متكرر من كتابة الدساتير في لحظات الأزمات دون توافق مجتمعي شامل.
في السياق المعاصر، برزت مطالب فصل الدين عن الدولة بقوة من خلال مواقف عبد العزيز الحلو الذي طرح العلمانية كشرط للسلام وإعادة تأسيس الدولة على أساس المساواة، وليس كمجرد خيار فكري. وتوسعت هذه الفكرة لاحقاً عبر إعلان نيروبي 2024 الذي جمع قوى سياسية ومدنية ومسلحة حول برنامج يتضمن العلمانية ووقف الحرب وبناء نظام ديمقراطي فدرالي، ما يشير إلى انتقال النقاش من نطاق الهامش إلى مستوى وطني وإقليمي أوسع، رغم بقاء هذه المبادرات في إطار سياسي غير حاسم دستورياً.
كما يمثل ظهور تحالفات جديدة ذات خطاب تأسيسي محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية ضمن إطار مدني وعلماني ولا مركزي، في امتداد لمسار بدأ بمطالب الحركات المسلحة وتطور إلى مشاريع سياسية أوسع، وهو ما يعكس تحوّل فكرة فصل الدين عن الدولة من مطلب تفاوضي إلى عنصر مركزي في الصراع حول هوية الدولة.
على المستوى المفاهيمي، يبرز خلط واسع في الخطاب السوداني بين الشريعة والعلمانية والمدنية، حيث تُختزل الشريعة في العقوبات، وتُفهم العلمانية أحياناً كعداء للدين، بينما تُستخدم المدنية بمعنى نفي الحكم العسكري فقط. ويقترح النص أن الصيغة الأكثر ملاءمة للسودان هي دولة محايدة دينياً تحمي حرية الاعتقاد وتمنع توظيف الدين سياسياً، بما يتوافق مع تعددية المجتمع.
يخلص التحليل إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن في وجود الدين أو غيابه، بل في استخدامه كأداة للاحتكار السياسي، وأن فرض أي صيغة أحادية من أعلى يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع. كما أن غياب التوافق المجتمعي يجعل أي نص دستوري هشاً وقابلاً للانهيار. ويؤكد المسار التاريخي والمعاصر أن قضية الدين والدولة أصبحت محوراً مركزياً في إعادة تشكيل المجال السياسي السوداني.
وبناءً على ذلك، فإن تجاوز الأزمة يتطلب بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية والحياد المؤسسي تجاه الدين، مع ضمان التعدد وتقاسم السلطة بصورة عادلة، وإشراك جميع المكونات في صياغة عقد دستوري جديد، بما يحقق استقراراً سياسياً ويمنع توظيف الدين كوسيلة للهيمنة.
النص الكامل للمقال
المقدمة
لا يمكن فهم الجدل حول علاقة الدين بالدولة في السودان بوصفه خلافاً نظرياً بين “الشريعة” و”العلمانية” فحسب، لأن هذا التوصيف يختزل مساراً تاريخياً وسياسياً ودستورياً طويلًا تشكّل عبر الاستعمار، وبناء الدولة الوطنية، والانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والمفاوضات الانتقالية، ثم الحرب الراهنة. فالخلاف لم يكن يوماً متعلقاً فقط بمكانة الإسلام في النص الدستوري، بل كان دائماً مرتبطاً بسؤال أعمق: كيف تُبنى الدولة في مجتمع شديد التنوع بحيث لا تتحول الهوية الدينية أو الأيديولوجية إلى أداة احتكار للسلطة؟ وقد أظهرت الدراسات الدستورية أن السودان ظل منذ 1953 يعيش أزمة متكررة في التأسيس الدستوري، وأن أغلب دساتيره ووثائقه الانتقالية صاغتها نخب ضيقة في سياقات صراع لا في سياقات توافق وطني واسع (Babiker 2023).
هذه الأزمة لا تنفصل عن التاريخ السياسي الذي أعقب الاستقلال. فقد ظل السودان يتأرجح بين مشاريع تريد جعل الإسلام مرجعية الدولة، ومشاريع تطالب بدولة مدنية محايدة دينياً، وبينهما صيغ وسطية مترددة لم تستطع بناء عقد اجتماعي مستقر. وفي كل مرة كان يُعاد فتح السؤال، لم يكن ذلك نتيجة نقاش فكري مجرد، بل بفعل أزمة في الشرعية والتمثيل وتقاسم السلطة، وبفعل تداخل الدين بالهوية وبالمركز والهامش وبالحرب والسلام معاً (Babiker 2023; Mo 2014).
الجذور التاريخية والدستورية
تشير الأدبيات الدستورية الحديثة إلى أن المسار الدستوري السوداني بدأ مبكراً مع نظام الحكم الذاتي 1953 ثم الدستور الانتقالي 1956، وبعدها الدستور الانتقالي 1964، ثم المشروع الدستوري الإسلامي 1968، فـ الدستور الدائم 1973، ثم الدستور الانتقالي 1985، ثم دستور 1998، وبعدها الدستور الوطني الانتقالي 2005، وأخيراً الوثيقة الدستورية 2019 (Babiker 2023; Mo 2014). ويُظهر هذا التسلسل أن السودان لم يعرف استقراراً دستورياً طويل المدى، بل عرف وثائق تتبدل مع تبدل أنظمة الحكم والتحالفات السياسية.
وقد كان مشروع 1968 محطة مركزية في تاريخ الجدل حول الدين والدولة، لأنه طرح بوضوح أن السودان جمهورية ديمقراطية اشتراكية تقوم على هداية الإسلام، مع اعتبار الإسلام ديناً رسمياً، مع بعض الضمانات لحرية الدين لغير المسلمين (Babiker 2023). لكن هذه الضمانات لم تُنهِ التوتر، لأنها بقيت محكومة بلغة عامة لا تحسم العلاقة بين الأغلبية والأقليات، ولا بين الشريعة ومبادئ المواطنة، ولا بين المرجعية الدينية وحياد الدولة. لذلك كان المشروع، في جوهره، محاولةً توفيقية لم تنجح في تحويل التعدد السوداني إلى قاعدة دستورية مستقرة (Babiker 2023).
ومن المهم هنا التمييز بين ثلاثة مستويات: الدين كمرجعية مجتمعية، والدين كأداة تعبئة سياسية، والدين كمصدر تشريعي. فالسودان لم يشهد صراعاً حول الدين بمعناه الثقافي فقط، بل حول تحويل الدين إلى بنية قانونية وسياسية ملزمة للجميع. وهذا ما جعل المسألة الدستورية في السودان أكثر حساسية من مجرد الخلاف الأيديولوجي العادي، لأنها ارتبطت بسؤال السيادة نفسه: من يعرّف الدولة؟ ومن يملك الحق في تحديد هويتها وحدودها التشريعية؟ (Babiker 2023; Mahmoud 2003).
قوانين سبتمبر 1983 وتحول الصراع
مثّلت سبتمبر 1983 نقطة تحول حاسمة. فبحسب واربرغ، أعلن جعفر نميري رسمياً تطبيق الشريعة في السودان، وشرع في تنفيذ الحدود بما في ذلك العقوبات البدنية، كما فُرضت الزكاة وأُعيد تنظيم المجال الاقتصادي وفق ما سُمّي “الاقتصاد الإسلامي” (Warburg 1990). وتبين الدراسة نفسها أن هذه المرحلة انتهت بفشل سياسي وفكري واضح، وأن أحد أخطر آثارها كان تجدد الحرب في الجنوب عام 1983 (Warburg 1990).
هذه اللحظة مهمة لسببين. أولاً، لأنها أظهرت أن فرض الشريعة من أعلى، دون تسوية وطنية شاملة، لا ينتج استقراراً بل يعمّق الأزمة. وثانياً، لأنها رسّخت في الوعي السوداني أن العلاقة بين الدين والدولة ليست مسألة رمزية فقط، بل قضية حرب وسلام وحقوق ومواطنة. ولهذا استمرت قوانين سبتمبر في تشكيل النقاش السوداني لاحقاً، سواء في الفترة الديمقراطية القصيرة بعد 1985 أو في عهد الإنقاذ بعد 1989 (Warburg 1990).
وتؤكد الأدبيات أن هذه المرحلة لم تكن مجرد “تدين سياسي”، بل كانت مشروعاً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع والقانون. فقد ارتبطت بفرض صورة محددة للدولة الإسلامية، وبإعادة إنتاج المركز السياسي في مواجهة الأطراف، وبزيادة التوتر مع الجنوب ومع قوى سياسية أخرى رأت في تلك القوانين علامة على الإقصاء لا على الوحدة (Warburg 1990; Babiker 2023).
الإنقاذ والدولة الأيديولوجية
مع انقلاب 1989 دخل السودان مرحلة جديدة أكثر شمولاً في إعادة أسلمة الدولة. فقد سعت السلطة الجديدة إلى توسيع دور الشريعة وإعادة صياغة المؤسسات والتعليم والخطاب العام على أساس “المشروع الحضاري”. لكن التجربة بيّنت أن أي مشروع أيديولوجي يُدار من فوق، ويحتكر تعريف الإسلام والوطن، سرعان ما ينتج مقاومة داخلية وانقساماً مجتمعياً واسعاً. وقد ظل الدستور خلال هذه الفترة أداة لتكريس السلطة أكثر من كونه آلية لضبطها (Babiker 2023; Mo 2014; Fluehr-Lobban 2012).
وفي هذا السياق، لم يعد الجدل فقط حول ما إذا كانت الشريعة تُطبق، بل حول طبيعة الدولة التي تُطبق باسمها الشريعة. هل هي دولة مواطنة، أم دولة هوية، أم دولة تعبئة دينية؟ وهل يمكن لمجتمع متعدد مثل السودان أن يخضع لمنظومة قانونية واحدة ذات مرجعية دينية دون أن يشعر جزء كبير منه بالإقصاء؟ هذه الأسئلة ظلت حاضرة طوال التسعينيات وبداية الألفية (Fluehr-Lobban 2012; Babiker 2023).
اتفاق السلام الشامل 2005 وما بعده
جاء الدستور الوطني الانتقالي 2005 في سياق اتفاق السلام الشامل، وكان هذا الاتفاق مبنياً على إطار دولة واحدة، إذ أبقى على حكم الشريعة الإسلامية في شمال السودان وسمح بالحكم العلماني في جنوب السودان، مع ترتيبات تقاسم السلطة والثروة (Babiker 2023; Mo 2014). لكنه، رغم أهميته، لم يعالج جذرياً أزمة العلاقة بين الدين والدولة، بل أبقاها مفتوحة ضمن ترتيبات انتقالية غير مستقرة. وقد بيّنت الدراسات الدستورية أن دستور 2005 كان جزءاً من صيغة تفاوضية لا من بناء دستوري تأسيسي عميق، ولذلك ظل هشاً أمام التغيرات السياسية اللاحقة (Babiker 2023).
ثم جاءت الوثيقة الدستورية 2019 بعد سقوط البشير، لكنها بدورها لم تنهِ الخلاف، لأنها أُنتجت في سياق توازنات دقيقة بين قوى الثورة والمجلس العسكري، ثم أُعيدت صياغة المشهد عبر اتفاق جوبا 2020. ووفق تقرير المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، فإن هذه المحطات كلها بقيت جزءاً من نمط سوداني متكرر: كتابة دستور في لحظة أزمة، لا بناء دستور عبر توافق مجتمعي شامل (Babiker 2023; Mo 2014).
عبد العزيز الحلو ومطلب فصل الدين عن الدولة
برز عبد العزيز الحلو بوصفه أحد أبرز الأصوات التي جعلت فصل الدين عن الدولة شرطاً للسلام. ففي 9 يناير 2020 دعا الحلو في كاودا إلى بناء دولة علمانية تقوم على الفصل الكامل بين الدين والدولة، واعتبر أن هذه القضية ليست هامشية بل أساسية لتحقيق السلام (الجبهة الشعبية-شمال 2020). وتفيد المادة الخبرية نفسها بأن الحلو ربط هذا المطلب بإزالة القوانين الإسلامية التي فُرضت منذ 1983 (الجبهة الشعبية-شمال 2020).
المهم هنا أن الحلو لم يطرح العلمانية بوصفها استعارة فكرية مجردة، بل بوصفها شرطاً سياسياً وحقوقياً لإعادة بناء الدولة على قاعدة المساواة بين المواطنين. وفي هذا المعنى، صار مطلبه جزءاً من مسار أوسع داخل السودان يربط بين الهوية الدينية والعدالة التاريخية والتمييز بين المركز والهامش (الجبهة الشعبية-شمال 2020).
إعلان نيروبي 2024: حمدوك والحلو وعبد الواحد
في 13 يونيو 2024 وقّع عبد الله حمدوك، بصفته قائد تقدُّم، مع عبد الواحد محمد نور وعبد العزيز الحلو، إعلاناً سياسياً في نيروبي (راديو تمازج 2024). ويثبت النص المنشور أن الإعلان دعا إلى العلمانية، وفصل الدين عن الدولة، وحق تقرير المصير، كما أكد العمل على حل سلمي شامل، ووقف فوري للحرب، وحماية المساعدات الإنسانية، وتأسيس حكومة مدنية ديمقراطية فدرالية (راديو تمازج 2024).
أهمية هذا الإعلان أنه نقل مطلب فصل الدين عن الدولة من دائرة حركات الهامش وحدها إلى دائرة مدنية-سياسية أوسع، حتى لو ظل مثيراً للجدل. كما أنه أظهر أن النقاش لم يعد مقتصراً على الصيغة الدستورية داخل الخرطوم، بل أصبح جزءاً من تفاهمات إقليمية مرتبطة بالنزاع السوداني كله (راديو تمازج 2024). لكن ينبغي هنا الدقة: الإعلان كان سياسياً وليس دستوراً نهائياً، وهو لم يحسم شكل الدولة السودانية مستقبلاً بقدر ما وضع إطاراً لموقف مشترك من الحرب والدولة المدنية والمرجعية العلمانية (راديو تمازج 2024).
تحالف تأسيس والتطورات اللاحقة
تثبت المصادر المنشورة في 2025 وجود تحالف تأسيس السوداني التأسيسي باعتباره تحالفاً تأسيسياً يصف نفسه بأنه نحو “السودان الجديد الشامل” (تحالف تأسيس السوداني التأسيسي 2025). كما تشير الأخبار اللاحقة إلى أن التحالف أعلن قيادةً سياسية ضمت حميدتي رئيساً، وعبد العزيز الحلو نائباً للرئيس (سودانز بوست 2025). غير أن ما يمكن الجزم به هنا، بناءً على المصادر المتاحة، هو أن التحالف قدّم نفسه بوصفه مشروعاً سياسياً تأسيسياً جديداً، وأن خطابه العام اتجه نحو إطار مدني/علماني/لامركزي جديد، بينما تحتاج التفاصيل الدقيقة لكل بند إلى نص الوثيقة نفسها (تحالف تأسيس السوداني التأسيسي 2025; سودانز بوست 2025).
الأرجح، في حدود ما تم التحقق منه، أن تحالف تأسيس جاء امتداداً لمسار أوسع بدأ مع مطالب الحلو، ثم إعلان نيروبي 2024، ثم تبلور لاحقاً في صيغة تنظيمية أكثر وضوحاً في 2025. لذلك فالمهم أكاديمياً ليس فقط وصف التحالف، بل فهم كيف تحولت فكرة فصل الدين عن الدولة من مطلب تفاوضي إلى جزء من خطاب تأسيسي سياسي ينازع على تعريف السودان نفسه (تحالف تأسيس السوداني التأسيسي 2025; سودانز بوست 2025; راديو تمازج 2024).
التفكيك المفاهيمي: الشريعة والعلمانية والمدنية
المشكلة الكبرى في الخطاب السوداني هي الخلط بين المفاهيم. فالشريعة ليست مجرد عقوبات، بل منظومة فقهية وأخلاقية، لكن توظيفها السياسي غالباً ما اختزلها إلى شرعية سلطوية. والعلمانية ليست بالضرورة عداءً للدين، بل قد تعني حياد الدولة ومنع احتكار الدين للسلطة. أما المدنية، ففي السودان كثيراً ما تُستعمل بمعنى “غير عسكرية” لا بمعنى الفصل المؤسسي بين الدين والدولة (Babiker 2023; BBC 2021; Reuters 2021).
ولذلك فإن الصياغة الأكثر دقة بالنسبة للسودان ليست “دولة ضد الدين” ولا “دولة دينية” بالمعنى الصلب، بل دولة محايدة دينياً تحمي حرية الاعتقاد وتمنع التوظيف السياسي للدين، وتبني المواطنة على المساواة. هذه الصيغة هي الأكثر انسجاماً مع تعدد السودان ومع تاريخه الطويل من الصراع حول الشرعية والهوية (Babiker 2023).
النقد والتحليل
يظهر من مسار 1960s حتى اليوم أن المشكلة ليست في وجود التدين أو في حضور الإسلام، بل في تحويل الدين إلى معيار احتكار سياسي. وقد ثبت تاريخياً أن فرض الهوية الدينية من أعلى لا يحل الأزمة الوطنية، بل يعيد إنتاجها. كذلك ثبت أن النصوص الدستورية التي لا تُبنى على توافق مجتمعي لا تعيش طويلاً، وأن كل تسوية تترك سؤال الدين والدولة بلا جواب تعود لتتفجر في جولة جديدة من الصراع (Warburg 1990; Babiker 2023).
كما أن التحول الأحدث، من الحلو إلى إعلان نيروبي إلى تحالف تأسيس، يثبت أن هذا السؤال لم يعد شأناً جنوبياً أو هامشياً، بل بات جزءاً من إعادة تشكيل المجال السياسي السوداني كله. وإذا كان ثمة درس مركزي من هذا التاريخ، فهو أن السودان يحتاج إلى تسوية دستورية تُبنى على المواطنة والمساواة والحياد المؤسسي، لا على فرض مرجعية دينية واحدة، ولا على علمانية إقصائية منفصلة عن المجتمع (راديو تمازج 2024; تحالف تأسيس السوداني التأسيسي 2025; Babiker 2023).
الخاتمة
إن تاريخ الصراع حول الدين والدولة في السودان منذ منتصف ستينيات القرن الماضي يبين أن كل محاولة لفرض صيغة أحادية، سواء كانت إسلامية صلبة أو مدنية غامضة أو انتقالية هشة، انتهت إلى تعميق الانقسام لا إلى حله. وقد أثبتت قوانين سبتمبر 1983، والدساتير الانتقالية المتعاقبة، ومشروعات الأسلمة السياسية، ثم مواقف الحلو وحمدوك والواحد وإعلانات نيروبي وتحالف تأسيس، أن القضية ليست مجرد خلاف على ألفاظ دستورية، بل نزاع على معنى الدولة وشرعية السلطة ومكانة المواطن داخلها (Warburg 1990; Babiker 2023; راديو تمازج 2024; تحالف تأسيس السوداني التأسيسي 2025).
ومن ثم فإن الحل الواقعي لا يكمن في انتصار طرف على آخر، بل في بناء دولة سودانية جديدة تقوم على الحياد الديني، وحماية التعدد، وتوزيع السلطة بعدالة، وإشراك كل المكوّنات في تأسيس عقد دستوري جديد. فالسودان، وفق ما يثبته تاريخه الدستوري والسياسي، لا يحتاج إلى دولة تفرض عليه هوية دينية أو تنزع عنه دينه، بل إلى دولة تضمن للجميع أن يكونوا متساوين أمام القانون، وأن تبقى الأديان مكونات للمجتمع لا أدوات للهيمنة السياسية (Babiker 2023; BBC 2021; Reuters 2021).
المراجع
- Babiker MA, el-Battahani AH. Reflections on Sudan’s Constitutional Trajectory, 1953–2023: 70 Years Lacking Legitimacy, Democratic Governance and Ownership. International IDEA; 2023.
- Fluehr-Lobban C. Shari’a and Islamism in Sudan: Conflict, Law and Social Transformation. Berkeley: University of California Press; 2012.
- Mahmoud ME-T. State and Religion in the Sudan. Lewiston (NY): Edwin Mellen Press; 2003.
- Mo K. Contested Constitutions: Constitutional development in Sudan 1953–2005. Bergen: Chr. Michelsen Institute; 2014.
- Reuters. Sudan and rebel group sign agreement on separation of religion and state. 2021.
- راديو تمازج. حمدوك وعبد الواحد وعبد العزيز يوقعون إعلاناً في نيروبي. 2024.
- سودان تريبيون. عبد العزيز الحلو يحث حمدوك على دعم الدولة العلمانية في السودان. 2020.
- سودانز بوست. تحالف تأسيس يعلن القيادة مع حميدتي على رأسه. 2025.
- تحالف تأسيس السوداني التأسيسي. تحالف تأسيس السوداني التأسيسي – نحو سودان جديد شامل. 2025.
- Warburg GR. The ‘sharia’ in Sudan: implementation and repercussions, 1983-1989. Middle East Journal. 1990;44(4):624-637.
