باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 20 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
بروفيسور/ مكي مدني الشبلي
بروفيسور/ مكي مدني الشبلي عرض كل المقالات

الدُوْلَارُ لَا يَهْزِمَ الْجُنَيْهَ السُوْدَانِيَ … بَلْ يَسْحَقَهُ اقْتِصَادُ الحَرْبِ

اخر تحديث: 19 سبتمبر, 2026 9:58 مساءً
شارك

الدُوْلَارُ لَا يَهْزِمَ الْجُنَيْهَ السُوْدَانِيَ … بَلْ يَسْحَقَهُ اقْتِصَادُ الحَرْبِ

The Dollar Is Not Defeating the Sudanese Pound — The War Economy Is Crushing It

 بروفيسور مكي مدني الشبلي

المدير التنفيذي المؤسس لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

لم يعد ارتفاع سعر الدولار في السودان خبراً اقتصادياً عابراً. فقد أصبح جزءاً من الحياة اليومية: يرتفع الدولار فترتفع معه أسعار الغذاء والدواء والوقود والنقل ومدخلات الإنتاج، وتتراجع القوة الشرائية للأجور والمدخرات، ثم يبحث المواطن والتاجر والمستورد مرة أخرى عن الدولار حمايةً لما تبقى من قيمة أموالهم، فيرتفع الطلب عليه من جديد. وهكذا يدخل الاقتصاد في دائرة مفرغة:

الحرب تُضعف الجنيه ← ضعف الجنيه يرفع الأسعار ← ارتفاع الأسعار يزيد الطلب على العملات الصعبة ← زيادة الطلب تضعف الجنيه أكثر

ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس فقط: لماذا يرتفع الدولار؟ بل: لماذا يفقد الجنيه السوداني قدرته على الدفاع عن نفسه؟ والإجابة، في تقديري، تبدأ من مكان واحد: اقتصاد الحرب.

الجنيه لا يحارب الدولار… بل عصفت به أعباء الحرب

تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية 8,000 جنيه في منتصف سبتمبر 2026، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً، بعد أن كان يدور حول 500 جنيه في قبل حرب أبريل 2023. ومن السهل أمام هذه الأرقام أن ينصرف النقاش إلى المضاربين وتجار العملة والتهريب وضعف الرقابة والسياسات الحكومية. وكلها عوامل مهمة. لكنها لا تفسر وحدها الأزمة. فالعملة الوطنية ليست مجرد ورقة يصدرها البنك المركزي. إنها، في نهاية الأمر، انعكاس لقدرة الاقتصاد الذي تقف وراءه على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار وتوليد النقد الأجنبي وتمويل وارداته والمحافظة على الثقة في مستقبله. وحين تدمر الحرب هذه القدرات، يصبح تراجع العملة نتيجة اقتصادية متوقعة، وليس مجرد مؤامرة للمضاربين عليها.

فقد قدر البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الحقيقي للسودان بنحو 29.4%  في 2023 ثم 14% في 2024، مع تدمير واسع للطاقة الإنتاجية وتعطل الزراعة والتجارة والخدمات والصناعة والنفط. كما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024–2025. وتلك ليست خلفية لأزمة سعر الصرف. إنها أزمة سعر الصرف نفسها.

اقتصاد الحرب يهاجم الجنيه من الجانبين

يمكن تبسيط سوق النقد الأجنبي، دون إخلال كبير، إلى جانبين: عرض العملات الأجنبية، والطلب عليها. والحرب تفعل شيئاً بالغ الخطورة: تضغط على العرض وترفع الطلب في الوقت نفسه. فمن ناحية العرض، يتراجع الإنتاج القابل للتصدير، وتتعطل سلاسل الإمداد، وتتضرر المؤسسات والأسواق والبنية التحتية، وتضعف قدرة الدولة على إدخال حصيلة الصادرات إلى النظام المصرفي الرسمي. ومن ناحية الطلب، يحتاج الاقتصاد إلى استيراد الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج، بينما تولد الحرب نفسها طلباً إضافياً على الموارد الخارجية واللوجستيات والمعدات والتمويل. والنتيجة معادلة قاسية:

دولارات أقل تدخل الاقتصاد + دولارات أكثر يطلبها الاقتصاد = ضغط مستمر على الجنيه.

ولا يستطيع القرار الإداري إلغاء هذه المعادلة. حين تتحول العملة الأجنبية من وسيلة للتبادل إلى مخزن للقيمة للحرب أثر آخر لا يقل خطورة. عندما يفقد الناس الثقة في قدرة العملة الوطنية على الاحتفاظ بقيمتها، لا يعود شراء الدولار مقتصراً على المستورد الذي يحتاجه لتمويل سلعة. يصبح الدولار وسيلة لحماية المدخرات من تآكل قيمتها. وهنا ينتقل الطلب على النقد الأجنبي من طلب معاملاتي إلى طلب تحوطي. المواطن يريد الدولار. والتاجر يحتفظ بجزء من رأسماله بالدولار. والمستورد يحتاج الدولار. ومن يستطيع تحويل مدخراته إلى ذهب أو عملات أجنبية يفعل ذلك تحسباً لانخفاض جديد في الجنيه. وهكذا تنتج توقعات انخفاض الجنيه طلباً إضافياً على الدولار، وهذا الطلب يساهم بدوره في تحقيق التوقعات نفسها. إنها ليست مجرد مضاربة. إنها أزمة ثقة في القيمة المستقبلية للعملة.

الذهب: حين يمتلك السودان الدولار ولا تصل دولاراته إلى الاقتصاد

وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات اقتصاد الحرب السوداني. السودان بلد منتج للذهب، أي أنه يمتلك مورداً يفترض أن يكون من أهم مصادر النقد الأجنبي والدفاع عن العملة الوطنية. لكن اقتصاد الحرب يستطيع تحويل الذهب من مصدر لاستقرار العملة إلى مصدر لتمويل الحرب.

وتشير الحكومة البريطانية، في سياق عقوبات فرضتها في 2026 على شبكات مرتبطة بتجارة ذهب النزاع، إلى أن قيمة صادرات الذهب الرسمية بلغت نحو1.5  مليار دولار في كل من 2024 و2025، بينما قدرت أن القيمة الحقيقية للقطاع أكبر بعدة مرات بسبب تهريب ذهب بمليارات الدولارات عبر قنوات غير مشروعة. كما أكدت دراسات ذات مصداقية أن تجارة الذهب ترتبط مباشرة بالاقتصاد الإقليمي للحرب وبالمنافسة على الموارد وتمويل أطراف النزاع. وهنا ينبغي التمييز بين إنتاج الذهب والعائد الوطني من الذهب. قد يرتفع إنتاج الذهب بينما يظل الجنيه ضعيفاً إذا خرج جزء معتبر منه خارج القنوات الرسمية ولم تتحول عائداته إلى احتياطيات وتمويل للواردات والإنتاج. وبذلك تظهر إحدى أهم قواعد اقتصاد الحرب: ليست المشكلة دائماً في أن البلد لا ينتج الموارد؛ بل في أن اقتصاد الحرب يفصل الموارد عن الاقتصاد الوطني.

لماذا لا تكفي مطاردة تجار العملة؟

يمكن للدولة أن تلاحق المضاربين. ويمكنها أن تقيد الاستيراد. ويمكن للبنك المركزي أن يضخ عملات أجنبية. ويمكن تغيير السعر الجمركي أو تشديد الرقابة على التحويلات. وقد ضخ البنك المركزي بالفعل 400 مليون درهم إماراتي في البنوك في يونيو 2026 لتمويل الواردات ومحاولة تهدئة سوق الصرف. لكن الفجوة مع السوق الموازية ظلت قائمة.  هذه الإجراءات قد تكون ضرورية في إدارة الأزمة. لكن هناك فرقاً بين إدارة الأزمة وإزالة أسبابها. فإذا استمر الاقتصاد في فقدان قدرته الإنتاجية، واستمر الطلب الاستثنائي المرتبط بالحرب، واستمر تهريب الموارد، وظل الاستثمار ضعيفاً والمخاطر مرتفعة، فإن التدخل النقدي يصبح أشبه بالدفاع عن سد بينما يستمر ارتفاع منسوب المياه خلفه. يمكن أن يؤخر الانهيار. وقد يحقق استقراراً مؤقتاً. لكنه لا يستطيع وحده إعادة بناء الأساس الحقيقي لقيمة الجنيه.

العجز والحرب والنقود

وثمة قناة أخرى شديدة الأهمية: المالية العامة. فالحرب تقلص قدرة الدولة على تحصيل الضرائب والإيرادات في الوقت الذي ترفع فيه احتياجات الإنفاق. وقد هبطت الإيرادات الحكومية، وفق البنك الدولي، إلى أقل من 5% من الناتج في 2024–2025. وعندما تتسع الفجوة بين الإيرادات والإنفاق في اقتصاد محدود القدرة على الاقتراض، يزداد خطر اللجوء إلى التمويل النقدي أو التوسع النقدي المباشر وغير المباشر. وقد سجل البنك الدولي نمواً في عرض النقود الواسع بنحو29%  في النصف الأول من 2025، رابطاً التوسع النقدي، إلى جانب نقص النقد الأجنبي، باستمرار الضغوط التضخمية والفجوة في سوق الصرف الموازية.  وهكذا تتصل ثلاث دوائر ببعضها:

اقتصاد الحرب ← اختلال المالية العامة ← ضغوط نقدية وتضخمية ← تدهور سعر الصرف

ثم يعود تدهور سعر الصرف فيرفع تكلفة الإنفاق الحكومي والواردات والأسعار، فتبدأ الدورة من جديد.

الجنيه ضحية … وأداة لنقل تكلفة الحرب إلى المواطن

هذه النقطة تستحق اهتماماً خاصاً. فانخفاض الجنيه ليس مجرد رقم على شاشة الهاتف. إنه آلية لنقل تكلفة الحرب من ساحات القتال إلى كل أسرة سودانية. المواطن الذي لا يحمل السلاح يدفع ثمن الحرب عندما يشتري الدواء. والعامل يدفعه حين يصبح راتب شهره غير كافٍ لأسبوع. والمزارع يدفعه في الوقود والأسمدة ومدخلات الإنتاج. والمصنع يدفعه في قطع الغيار والمواد الخام. والطالب والمريض والنازح والمتقاعد يدفعونه جميعاً من قوتهم وقدرتهم على الحصول على الخدمات. ولهذا فإن سعر الصرف واحد من أكثر مؤشرات الحرب ديمقراطية في توزيع الألم: فهو يصل إلى من لم تصل إليهم الرصاصة.

الحرب تأكل القاعدة التي يمكن أن تنقذ الجنيه

الأخطر أن استمرار الحرب لا يخفض قيمة الجنيه اليوم فقط. إنه يدمر مصادر قوته غداً. كل مصنع يتوقف هو عرض مستقبلي مفقود. كل مزرعة لا تنتج هي صادرات أقل وواردات غذائية أكبر. كل شركة تغادر هي استثمار مفقود. كل صاحب مهارة يهاجر هو جزء من رأس المال البشري الذي يحتاجه التعافي. كل طريق أو محطة كهرباء أو سوق أو بنك يدمر يرفع تكلفة إعادة البناء. وكل شبكة تهريب تترسخ أثناء الحرب تخلق مصلحة اقتصادية في استمرار النظام الذي أنتجها. وهنا نصل إلى قلب اقتصاد الحرب: الحرب لا تستهلك موارد الاقتصاد فقط؛ إنها تعيد تنظيم الاقتصاد بطريقة تجعل بعض الفاعلين يستفيدون من استمرارها. وعندئذ تصبح معركة إنقاذ الجنيه جزءاً من معركة أكبر: تفكيك اقتصاد الحرب نفسه.

هل يتحسن الجنيه بمجرد وقف الحرب؟

لا. وألف لا. ومن المهم ألا نخلق وهماً معاكساً. وقف إطلاق النار لن يعيد الجنيه في اليوم التالي إلى قيمته السابقة، ولن يعيد المصانع المدمرة أو الاحتياطيات المستنزفة أو الثقة المفقودة بضغطة زر. بل إن مرحلة ما بعد الحرب قد تشهد طلباً كبيراً على العملات الأجنبية لتمويل إعادة الإعمار والواردات المؤجلة. لكن وقف الحرب يغير اتجاه القوى الاقتصادية التي تضغط على العملة. فبدلاً من تدمير الإنتاج يمكن البدء في إعادته. وبدلاً من تمويل الحرب يمكن تحويل الموارد إلى الإعمار. وبدلاً من هروب رأس المال يمكن البدء في استعادته. وبدلاً من اقتصاد التهريب يمكن إعادة التجارة إلى القنوات المنظمة. وبدلاً من عزلة السودان يمكن استعادة علاقاته بالمؤسسات المالية والتنموية والأسواق والاستثمارات العالمية.

ولهذا يقول البنك الدولي صراحة إن مسار التعافي الاقتصادي المستدام للسودان يتوقف على استعادة السلام والاستقرار، ثم إصلاح الاقتصاد الكلي والاستثمار في القطاعات المنتجة واستئناف مسار إعفاء الديون وتعزيز الزراعة والتجارة.  

من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام

وهنا لا يكفي وقف إطلاق النار وحده. فقد تتوقف المدافع ويبقى اقتصاد الحرب حياً. تبقى شبكات الذهب والتهريب. تبقى الشركات والموارد خارج الرقابة العامة. تبقى مراكز القوة الاقتصادية المسلحة. وتبقى الدولة ضعيفة أمام شبكات تكونت خلال الحرب. لذلك ينبغي أن تتبع وقف الحرب عملية انتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام. وهذا الانتقال يحتاج إلى دولة مدنية ذات شرعية ومؤسسات قادرة على توحيد المالية العامة والسياسة النقدية، وإخضاع الموارد العامة للشفافية، وإعادة النشاط الاقتصادي العسكري إلى الإطار المؤسسي والقانوني المناسب، ومحاربة التهريب، وإعادة بناء البنك المركزي والجهاز المصرفي، وتوحيد سوق الصرف تدريجياً، واستعادة ثقة السودانيين في عملتهم. لكنه يحتاج أيضاً إلى شيء أكبر: إعادة فتح السودان على العالم.

الانفتاح ليس تنازلاً عن السيادة

الاقتصاد السوداني بعد الحرب سيحتاج إلى العالم. سيحتاج إلى الاستثمار. والتمويل التنموي. وإعفاء الديون. والتقنية. والأسواق الخارجية. وإعادة بناء سلاسل القيمة الزراعية والصناعية. واستعادة العلاقات المصرفية الدولية. ورأس المال السوداني في المهجر. وسيحتاج إلى تحويل موقع السودان وموارده الزراعية والمعدنية وثروته البشرية من موضوع للتنافس والصراع إلى أساس لمصالح مشتركة مع محيطه الإقليمي والدولي. وهنا تعود الفكرة التي طرحتها سابقاً حول إعادة هندسة المصالح.

فليس المطلوب أن يدخل السودان بعد الحرب في مواجهة مع مصالح الآخرين، ولا أن يسمح في المقابل بتحويل موارده إلى اقتصاد استخراج يخدم مصالح خارجية أو شبكات محلية مسلحة. المطلوب أن يجعل السلام أكثر ربحية للجميع من الحرب. أي الانتقال من:

ذهب يمول الحرب ← ذهب يدعم الاحتياطيات والتنمية.

حدود تخدم التهريب ← حدود تخدم التجارة.

موارد تتنافس عليها الجماعات المسلحة ← موارد تجذب الاستثمار المنتج.

علاقات خارجية تدير الصراع ← شراكات خارجية تبني المصالح المشتركة.

وهذا هو جوهر اقتصاد السلام.

الانتقال المدني هنا ضرورة اقتصادية أيضاً

لهذا لا ينبغي النظر إلى الانتقال المدني بعد وقف الحرب باعتباره مطلباً سياسياً منفصلاً عن الاقتصاد. فإعادة بناء الثقة في العملة تحتاج إلى إعادة بناء الثقة في الدولة. والمستثمر يحتاج إلى قواعد مستقرة. والبنك يحتاج إلى مؤسسات. والدائن يحتاج إلى حكومة تستطيع الالتزام. والشريك الدولي يحتاج إلى شفافية. والمواطن يحتاج إلى الاطمئنان إلى أن موارده العامة لا تعود مرة أخرى إلى تمويل اقتصاد موازٍ للحرب. ومن ثم فإن الانتقال من الحرب إلى الحكم المدني المؤسسي هو أيضاً انتقال من اقتصاد القوة المسلحة إلى اقتصاد القاعدة القانونية.

لا توجد وصفة نقدية لحرب اقتصادية

يمكن تعديل سعر الصرف الجمركي. ويمكن ضخ ودائع مقترضة بالعملات الأجنبية. ويمكن تقييد الاستيراد. ويمكن ملاحقة المضاربين والمهربين. وبعض هذه السياسات قد يكون ضرورياً. لكن لا ينبغي أن نطلب من البنك المركزي أن يحل بسياسة نقدية أزمة تنتجها حرب تدمر الاقتصاد الحقيقي كل يوم. فالمشكلة أعمق من سعر الدولار. المشكلة أن الحرب تخفض باستمرار القيمة الاقتصادية الكامنة وراء الجنيه السوداني. ولذلك فإن أول برنامج حقيقي لاستقرار سعر الصرف ليس قراراً يصدره البنك المركزي. إنه: وقف الحرب.

عندئذ فقط يمكن للسياسات المالية والنقدية والإنتاجية أن تعمل في بيئة تسمح لها بالنجاح. فالعملة القوية لا تُصنع بقرار إداري. إنها تُبنى باقتصاد ينتج، ودولة يُوثق بها، وسلام يسمح للموارد بأن تصنع الثروة بدلاً من أن تمول الحرب. ولذلك، عندما نسأل اليوم: كيف ننقذ الجنيه السوداني؟ ربما ينبغي أن نبدأ بالسؤال الأسبق: كيف ننقذ الاقتصاد الذي يعطي الجنيه قيمته؟ والإجابة تبدأ من حيث بدأت أزمتنا الكبرى: أوقفوا اقتصاد الحرب، لكي يستطيع اقتصاد السودان أن يبدأ من جديد.

من إنقاذ الجنيه إلى ابتناء السودان

في نظرية ابتناء السودان التي طرحناها كإطار لمخرج واقعي من أزمة السودان، لا تكمن المشكلة في إصلاح السياسات المختلة فحسب، بل في إعادة بناء المؤسسات والعلاقات والحوافز التي تنتج تلك السياسات وتحدد نتائجها. ومن هذا المنظور، فإن أزمة الجنيه ليست أزمة عملة منفصلة، كما أن اقتصاد الحرب ليس انحرافاً اقتصادياً مؤقتاً يمكن تصحيحه ببعض الإجراءات النقدية بعد صمت المدافع. كلاهما تعبير عن أزمة أعمق في بنية الدولة السودانية نفسها: دولة لم تستكمل احتكارها المشروع للقوة، ولا سيطرتها المؤسسية على مواردها، ولا قدرتها على تحويل ثرواتها إلى قيمة عامة يستفيد منها مواطنوها.

ولهذا فإن الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام يمثل جزءاً أصيلاً من عملية ابتناء السودان. فكما يتطلب الابتناء الانتقال من تعدد الجيوش إلى جيش وطني مهني واحد، فإنه يتطلب أيضاً الانتقال من تعدد اقتصادات القوة والذهب والتهريب والامتيازات إلى اقتصاد وطني واحد تحكمه مؤسسات وقواعد شفافة. وكما يعيد الابتناء السلاح إلى الدولة، فإنه يعيد الموارد العامة إلى الدولة، ويعيد السياسة إلى المؤسسات المدنية، ويعيد السوق إلى القانون، ويعيد علاقات السودان الخارجية من ساحات للتنافس على موارده إلى شبكات للمصالح المشتركة والاستثمار والتنمية.

وهنا تتضح العلاقة العضوية بين السلام والاقتصاد والشرعية. فلا سلام مستداماً مع اقتصاد حرب باقٍ، ولا استقراراً للعملة من دون اقتصاد منتج، ولا اقتصاداً منتجاً من دون مؤسسات موثوقة، ولا مؤسسات موثوقة من دون دولة تستمد شرعيتها من مواطنيها وتحكمها القواعد لا موازين القوة المسلحة. ومن ثم فإن الانتقال المدني بعد الحرب ليس مجرد ترتيب لمن يحكم السودان؛ إنه جزء من إعادة بناء الكيفية التي يُحكم بها السودان، وتُدار بها موارده، وتُنتج بها ثروته، وتُوزع بها فرصه.

وبذلك يصبح السؤال عن الجنيه جزءاً من سؤال أكبر بكثير. فنظرية ابتناء السودان لا تسأل فقط: كيف نستعيد قيمة العملة؟ بل تسأل: كيف نبتني الدولة والاقتصاد اللذين يمنحان العملة قيمتها؟ ويمكن اختزال المسار كله في معادلة واحدة:

وقف الحرب ← تفكيك اقتصاد الحرب ← انتقال مدني مؤسسي ← إعادة الموارد إلى الاقتصاد الرسمي ← ابتناء الدولة ← اقتصاد السلام ← استعادة الثقة والإنتاج ← الانفتاح على العالم ← استقرار الجنيه.

فالهدف في نهاية المطاف ليس إعادة الجنيه إلى سعر قديم، ولا إعادة الاقتصاد السوداني إلى ما كان عليه قبل 15 أبريل 2023؛ لأن ما كان قائماً قبل الحرب كان يحمل في داخله بعض الاختلالات التي ساهمت في هشاشة الدولة. الابتناء يعني ألا نعيد بناء السودان كما كان، بل أن نبنيه كما ينبغي أن يكون. وعندها يصبح تعافي الجنيه ليس غاية في ذاته، بل أحد المؤشرات على تعافي الدولة السودانية نفسها. فالجنيه لا يستعيد قيمته الحقيقية إلا عندما يستعيد السودان قيمة دولته، ومؤسساته، وإنتاجه، وثقة مواطنيه والعالم فيه.

melshibly@hotmail.com

Author
بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

التصدع الميداني !!
بيانات
بيان من هيئة محامي دارفور وشركاؤها حول توجيه مفوضية العون الإنساني للفنادق بعدم إقامة اي ورشة إلا بعد الحصول منها على إذن مسبق
منبر الرأي
نِقوش على جِدار الحرب السودانية ٧: ترميم المجال العام و عودة السياسة
منبر الرأي
رجل وجاموسة في قفص الاتهام!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي
اجتماعيات
سودانايل في ضيافة الأستاذة أسماء الحسيني والأستاذ نبيل نجم الدين

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

العلاقة بين الرأسمالية والصهيونية .. بقلم: د.صبري محمد خليل

د. صبري محمد خليل
منبر الرأي

في الذكري العشرين لرحيله: غادر عمر الدوش الدنيا …. والساقية لسه مدورة .. كتب صلاح الباشا

صلاح الباشا
منبر الرأي

مشروع التواضع القومي (1) .. بقلم: الريح عبد القادر

طارق الجزولي
منبر الرأي

تجربة عائد للجميلة ومستحيلة .. بقلم: كمال الدين بلال

كمال الدين بلال
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss