مناظير الاثنين 5 أكتوبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- لي معه حكاية بدأت وأنا في الخامسة من عمري. ذهبت مع أبي إلى احتفال جماهيري بمناسبة ذكرى الاستقلال في الأول من يناير عام 1965. ما زلت أذكر المكان. أذكر الزحام. أذكر مكبرات الصوت. وأذكر صوتاً قوياً صافياً خرج منها وهزني من الداخل: «اليوم نرفع راية استقلالنا«.
- لم أكن أعرف يومها من الذي كان يشدو. لم أكن أعرف أن صوته سيظل معي طيلة حياتي. لم أكن أعرف أن طفلاً في الخامسة يمكن أن يلتقي بفنان، فيبقى معه حتى آخر العمر. عرفت لاحقاً من أبي أنه وردي. ومنذ تلك اللحظة دخل هذا الاسم الكبير حياتي.
- كبرتُ وكبر وردي في أعماقي. صرت مهووساً به. وعندما انتقلت إلى المرحلة الجامعية، كنت أطارد حفلاته من مكان إلى مكان. من «المين رود» إلى «ميدان الهندسة». من السكة حديد، حيث الطب والصيدلة، إلى مجمع شمبات، حيث الزراعة والطب البيطري. من جامعة الخرطوم إلى جامعة القاهرة الفرع وبالعكس. إلى الإذاعة والتلفزيون والحفلات العامة. أينما ذهب وردي ذهبت وراءه. وأينما حل حللت. لم يكن بالنسبة لي مطرباً فقط. كان شيئاً أكبر. كان السودان.
- لا أعرف فناناً حمل السودان في قلبه ودمه كما حمله وردي. لا أعرف فناناً غنى للوطن كما غنى له. ولا أعرف من شخصا أحب السودان داخل الوطن وخارجه كما أحبه وردي.
- تغرب. عانى. سُجن. واجه القهر ولم ينكسر.
مرض. اشتد عليه المرض. وظل يغني.
كان يستطيع أن ييأس. لم يفعل.
كان يستطيع أن ينسى. لم يفعل. - ظل السودان معه في كل مكان. ولهذا أحبه السودانيون. وأحبه الأفارقة. واحبه كل الناس وصار «فنان أفريقيا الأول«.
- عندما اضطرتني الظروف الصعبة للهجرة إلى أقصى شمال العالم، كان وردي دائماً معي. لم أفارقه لحظة. ظللت أستمع إليه كل يوم. أتذكر السودان. وتنهمر دموعي كالسيل.
- كنت قبل بضعة أيام في حضرته على «يوتيوب»، وانا جزين على السودان وأهله، وفجأة خطر في ذهني سؤال: ماذا سيقول وردي إذا عاد اليوم، ماذا سيغني، ماذا سيفعل عندما يرى السودان الذي يعشقه كما نراه الآن؟!
- وتخيلت انه قد عاد إلى الوطن الذي أحبه، مشى في شوارعه. رأى البيوت التي هدمتها الحرب. رأى المدن التي أرهقها الموت. رأى الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم. رأى الملايين الذين حملوا الوطن حقائب النزوح واللجوء، وظل يبحث هنا وهناك عن السودان الذي يعرفه.
وفجأة جاءه صوته من بعيد:
»لو لحظة من وسنِ
تغسل عني حزني
تحملني، ترجعني
إلى عيون وطني«
فتنهد وأنشد:
»يا بلادي
يا مغاني وطني«.
- هذه المرة لم يكن وردي هو الغريب الذي ينادي وطنه. كان الوطن هو الغريب. كان السودان هو الذي يحتاج إلى من يناديه.
وصدح وردي:
»حأسأل عن بلد رايح
وأفتش عن بلد سايح… «
- بحث عن ذلك البلد الذي حمله في قلبه. البلد الذي غنى له. البلد الذي لم يتخلَّ يوماً عنه. وظل يبحث حتى وجده.
- وجده في الأطفال. في النساء. في الشباب. في النازحين. في العائدين. في الذين بقوا. وفي الذين كانوا ينتظرون العودة.
- لم يقف وردي عاجزاً أمام الخراب. لم يستسلم. لم يقل إن السودان انتهى. ظل يؤمن بالسودان وشعبه. وظل يرى الغد حتى في أحلك الأيام. لم يبكِ كما نبكي نحن. تأثر. حزن. تألم، ولكنه شمر عن ساعديه وبدأ رحلة المعاناة والابداع من جديد!
- غنى للأطفال الذين سرقت الحرب طفولتهم. غنى للأمهات الثكالى. غنى للشباب. غنى للواقفين في صفوف الطعام. غنى للنازحين والعائدين. ثم صدح بأعلى صوته:«بلا وانجلا«، فتوقفت الحرب واشرق صبح السودان من جديد، وصار الكل يغني .. «أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا ** بالذي أصبح شمسا في يدينا» !
- إنه وردي، رسول الحرية والسلام والعدالة.
