د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال سؤال “من أطلق الرصاصة الأولى” في حرب 15 أبريل 2023 باعتباره مأزقاً معرفياً، ويؤكد أن البحث عن فاعل لحظة بعينها يختزل بنية أعمق من تفكك احتكار الدولة للعنف الشرعي بدأ منذ تأسيس قوات الدعم السريع من ميليشيات الجنجويد واعتماد منطق “السوق السياسي” الذي يربط القرارات العسكرية بشبكات المال والنفوذ. يُقدَّم الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022 كتكتيك لكسب الوقت من جانب البرهان لإعادة ترتيب ميزان القوى مع الدعم السريع، بينما رأته قيادة الدعم السريع فرصة لتثبيت مكاسبها، في ظل دور موثق للعناصر الإسلاموية في تخريب مسار التحول الديمقراطي وتعطيل الاتفاق، بما ساهم في خلق بيئة انفجار الحرب دون أن توفر وثائق أو أوامر عمليات تكشف قراراً مركزياً واضحاً ببدء القتال.
يعرض المقال أربع سرديات كبرى لبداية الحرب: تخطيط إسلاموي مسبق لاستثمار الصدام بين الجيش والدعم السريع لإجهاض التفكيك؛ ضربة استباقية من الدعم السريع عبر تحركاته نحو مروي والقيادة العامة واحتجاز الجنود المصريين؛ صدام ميداني عفوي في محيط المدينة الرياضية سرعان ما تصاعد بفعل الاستنفار؛ وتداخل إقليمي ودولي دفع الطرفين إلى مواجهة صفرية. كما يربط بين هذه السرديات وتسلسل وقائع الأيام السابقة للحرب، من انتشار الدعم السريع حول القيادة العامة ومروي وصولاً إلى الهجوم على مطار الخرطوم والقصر الرئاسي، ثم لحظة إطلاق النار الأولى في المدينة الرياضية حوالي 8:50 صباحاً وانتقال الاشتباك خلال دقائق إلى القيادة العامة وبيت الضيافة، في “نافذة انهيار” حسمت المسار نحو حرب شاملة.
يعود المقال إلى جذور الصراع في سياسة “التجييش الموازي” لنظام الإنقاذ، التي أنشأت الجنجويد ثم حولتها إلى دعم سريع مرتبط بالرئاسة، شارك في حرب دارفور بانتهاكات جسيمة ضد المدنيين، ثم تحوّل إلى مؤسسة مرتزقة عابرة للحدود تقاتل في اليمن، وتتعاون مع فاغنر وحفتر، وتسيطر على الذهب، مكسبةً استقلالية مالية وعسكرية عن الجيش. بعد سقوط البشير، قاد البرهان وحميدتي انقلاب أكتوبر 2021، ثم جاء الاتفاق الإطاري ليطرح دمج الدعم السريع وتفكيك التمكين الإسلاموي، فزاد انقسام المؤسسة العسكرية بين ضباط ذوي توجه إسلاموي رافضين للحكم المدني وآخرين يميلون للحل السياسي، واستغل أنصار النظام السابق هذا الانقسام لدفع الأوضاع نحو عدم استقرار يجهض المسار المدني.
في فصل “جدل الرصاصة الأولى”، يعرض المقال كيف يتهم جزء من الرأي العام الحركة الإسلامية المتغلغلة داخل الجيش بإشعال الشرارة الأولى لإجبار الطرفين على الحرب، مستشهداً بمناخ الخوف والترقب في الخرطوم قبل أبريل وشكوك البرهان المبكرة في نوايا حميدتي، مقابل الرواية الرسمية التي تتهم الدعم السريع بالتمرد ومحاولة انقلاب، مدعومةً بسجل انتشار قواته في مروي وأسر الجنود المصريين ثم السيطرة السريعة على مطار الخرطوم والقصر الجمهوري. في الوقت نفسه، تظهر رواية أخرى من داخل غرفة عمليات الجيش تشير إلى رصد تحركات الدعم السريع ليلاً حول القيادة العامة، ما يدعم فكرة الاستنفار المتبادل. يخلص المقال إلى أن تحديد “من ضغط الزناد” يظل معوقاً بسبب غياب أدلة مكتوبة، وأن الأجدى هو تفكيك من هيأ الشروط البنيوية والسياسية للصدام.
في هذا السياق، يقدّم المقال قراءة مضادة استناداً إلى تحليل عبد الرحمن الغالي، الذي يستبعد فرضية مبادرة الجيش بالحرب اعتماداً على مؤشرات مثل مفاجأة كبار الضباط وسقوط مواقع الجيش في الساعات الأولى، ويستبعد أيضاً فرضية مبادرة حزب المؤتمر الوطني منفرداً لغياب التنسيق اللازم مع قيادة الجيش، ليخلص بدلاً من ذلك، استناداً إلى شهادات دولية ومحايدة متعددة منها شهادة فولكر بيريتس وتقارير مراكز بحثية أجنبية، إلى ترجيح أن قوات الدعم السريع هي من بادرت عسكرياً بالهجوم المتزامن على مواقع الجيش (الغالي، 2024).
في فصل “الرصاصة الثانية والجمود التكتيكي”، يفسر المقال عجز الجيش عن احتواء التصعيد بانقسامه الداخلي الأيديولوجي، وبالانتشار العميق للدعم السريع داخل الأحياء المدنية الذي حوّل محاولة الحسم إلى حرب مدن مكلفة ضخمة الأثر على البنية التحتية والمستشفيات والخدمات. كما يبرز تعقّد المشهد بتعدد مراكز القرار والتنافس الإقليمي، مع دعم غير متوازن من أطراف عربية وإسرائيلية لكل من البرهان وحميدتي، وفشل جولات الوساطة في جدة ومبادرات مصر وإيغاد في فرض وقف دائم للنار. يستعرض المقال توسع الحرب إلى طابع قبلي وعرقي في دارفور، وانفجار أزمات نزوح ومجاعة ودمار، وتبادُل المكاسب والخسائر الميدانية بين الطرفين في ولايات العاصمة والجزيرة وسنار وغيرها.
يقدّم فصل “تحكيم القرائن والمؤشرات” ثلاثة مؤشرات لفهم الرصاصتين: مؤشر الجاهزية والانتشار الذي يرجح مبادرة الدعم السريع ميدانياً بفضل تموضعه السابق في مروي والعاصمة؛ مؤشر المستفيد الاستراتيجي الذي يُظهر استفادة الإسلاميين من إجهاض الاتفاق الإطاري والدعم السريع من تعطيل دمجه وحماية إمبراطوريته الاقتصادية؛ ومؤشر الديناميكيات الميدانية الذي يربط استمرار القتال بتغذية الاستقطاب القبلي والدعم الخارجي وتوسع رقعة العمليات وتحول الملف من دمج قوة موازية إلى إعادة ترسيم الخريطة السياسية والجغرافية للسودان، مع تصاعد العنف ضد مجموعات إثنية في دارفور وتوصيف جزء منه كإبادة جماعية.
يعرض المقال دور شهادات الإعلام الرسمي في تكريس سردية الجيش، من خلال روايات ضباط وجنود عن هجوم مباغت للدعم السريع على المدينة الرياضية والقيادة العامة والمطار، واستخدام هذه الشهادات في خطاب تعبوي يبرز الجيش كضحية غدر، مع الاستفادة البحثية منها في تثبيت بعض التفاصيل الزمنية والمكانية. وفي المقابل، تمنح شهادة العقيد عوض الكريم موسى أبو شنب، كما نشرتها “الراكوبة”، زاوية حرجة؛ إذ يكشف عن أوامر تحريك قوة من الباقير صوب المدينة الرياضية وسوبا صباح 15 أبريل، ووصول هذه القوة إلى تمركز الدعم السريع وحدوث اشتباك بالأسلحة الثقيلة، ما يفتح جدلاً حول ما إذا كان الجيش تحرك هجوميّاً نحو مواقع الدعم السريع وبدأ الاشتباك، أو تصرف دفاعياً أمام انتشار قوة متمردة. كون أبو شنب قُتل لاحقاً يضفي على شهادته طابع “وصية عملياتية”، ويجعلها مركزاً لاشتباك التأويل بين رواية هجومية ورواية دفاعية.
تُستكمل الصورة بشهادات وسائط التواصل، خاصة شهادة د. محمد بدر الدين من المؤتمر الشعبي، التي تتحدث عن محاولات أطراف ما قبل الحرب لإقناع قيادات حزبه في سجن كوبر بشعار “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”، ورفض الحزب لأي تغيير عسكري، وعن معلومات لديهم بأن الجهة التي أدارت الحرب كانت تعتقد أنها قادرة على التخلص من الدعم السريع في وقت وجيز واستعادة سلطتها المفقودة. كما ينقل رؤية شهود من المؤتمر الشعبي لحركة العربات في المدينة الرياضية قبل الفجر بوصفها تحضيراً لقضاء سريع على “مجموعة متمردة”، ويذكر جهود الحزب لوقف الحرب منذ اليوم الأول واتصالاته بالطرفين، مع استعداد الدعم السريع لوقف القتال مقابل إصرار الجهة الأخرى على “القضاء على التمرد”. هذه الشهادة تُفهم في سياق تباين الإسلاميين أنفسهم حول الحرب، وتقدم قرينة على أن بعض النخب كانت ترى في الصراع وسيلة لاستعادة السلطة، وتربط بين التحركات المبكرة في المدينة الرياضية وبين قرار محسوب لخوض مواجهة قصيرة وحاسمة، في تقاطع واضح مع شهادة أبو شنب.
في الخاتمة، ينتقد المقال التركيز على هوية مطلق الرصاصة الأولى باعتباره ممارسة رمزية تُغفل بنية أعمق من التسييس المزمن للمؤسسة العسكرية، وتحويل الأمن إلى سلعة في سوق سياسي مسلح، وتوظيف التنافس الإقليمي والدولي في تعميق الانقسام. يدعو إلى تفكيك هذه البنى المشتركة عبر إعادة بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة ومحترفة تحت قيادة مدنية ديمقراطية، وحظر أي تجييش موازٍ أو اقتصاد ميليشياوي، وتحصين مسار الانتقال من اختطاف القوى الأيديولوجية المتطرفة والموارد غير الشفافة العابرة للحدود. كما يشدد على ضرورة الاعتراف بمسؤولية الفاعلين الإقليميين والدوليين في تغذية الحرب، وتطوير آليات مساءلة فعّالة عن جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، مؤكداً أن دون هذا الاعتراف البنيوي ستظل المطاردة الرمزية للرصاصة الأولى تتجاهل عشرات الآلاف من الطلقات اللاحقة التي ما زالت تعيد إنتاج المأساة في مدن وقرى السودان.
النص الكامل للمقال
المقدمة التحليلية: مأزق التشخيص بين الحتمية البنيوية والفعل العرضي في لحظة انهيار احتكار العنف
يفرض السؤال عن “من أطلق الرصاصة الأولى” في السودان صبيحة السبت 15 أبريل 2023 على الباحث مأزقاً معرفياً مزدوجاً؛ فمن جهة، يستدعي هذا السؤال إغراء الاختزال الصحفي الذي يبحث عن فاعل واحد ولحظة واحدة وقرار واحد يمكن تجريمه وتحميله المسؤولية الكاملة عن أشد الحروب الأهلية دموية في تاريخ السودان الحديث، ومن جهة أخرى، تكشف القراءة البنيوية المتعمقة أن الحرب لم تكن حادثاً طارئاً بقدر ما كانت “تفجراً متوقعاً” لتراكمات تفكك احتكار الدولة للعنف الشرعي الذي بدأ فعلياً مع تأسيس قوات الدعم السريع من ميليشيات الجنجويد في مطلع الألفية الثانية وتقنينها لاحقاً كقوة موازية للجيش النظامي (دي وال، 2019؛ دي وال، 2023). هذا السؤال يتقاطع أيضاً مع جدل أوسع في نظريات العنف السياسي حول العلاقة بين “الطلقة الأولى” بوصفها لحظة حادثية، وبين البنى العميقة التي تجعل تلك الطلقة أقرب إلى نتيجة ضرورية لمسار طويل من التسييس المفرط للمؤسسة العسكرية، وخصخصة أدوات العنف، وتغذية اقتصاد حرب متشابك مع القوى الإقليمية والدولية (دي وال، 2024؛ جيمستاون، 2025).
يذهب الباحث السوداني مجدي الجزولي، الذي يكتب بانتظام عن الاقتصاد السياسي والتاريخ الفكري للسودان من منصة معهد ريفت فالي، إلى أن اتفاق ديسمبر 2022 الإطاري لم يكن مجرد تسوية سياسية بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير، بل كان بمثابة “تكتيك لكسب الوقت” من جانب رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي رأى في الاتفاق فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية قبل استحقاق دمج قوات الدعم السريع، بينما رأت فيه قيادة الدعم السريع بوابة لتثبيت مكاسبها السياسية والاقتصادية المتراكمة منذ سقوط الرئيس عمر البشير في 11 أبريل 2019 (الجزولي، 2023؛ سودان إن ذا نيوز، 2023). هذا التحليل يندرج ضمن تصور أوسع لـ”السوق السياسي” كما يقدمه أليكس دي وال، حيث لا تُفهم القرارات العسكرية الكبرى إلا ضمن شبكة من المعاملات المالية والزبائنية التي تربط القادة العسكريين بشبكات دعم داخلية وخارجية، وتحول ملفاً فنياً كدمج القوات إلى معركة وجودية على السلطة والنفوذ (دي وال، 2019).
تضاعف من صعوبة الحسم القاطع في مسألة “الرصاصة الأولى” عدة عوامل متداخلة؛ أولها غياب أي وثيقة رسمية موقعة أو أمر عمليات مسرب يثبت تخطيطاً مركزياً موحداً من أي طرف، وثانيها تداخل مستويات القرار العسكري والسياسي والأيديولوجي داخل المؤسسة العسكرية السودانية وحولها، وثالثها الطابع “المديني” الكثيف للمعركة الأولى في الخرطوم، حيث يمكن أن تنطلق الشرارة من نقطة احتكاك ميداني صغيرة لكنها تستدعي استجابة متسلسلة من مستويات مختلفة من القيادة خلال دقائق معدودة. كل ذلك يحول البحث من منهجية “الدليل الجنائي المباشر” إلى منهجية “تحكيم القرائن والمؤشرات” التي تستقرئ السلوك التنظيمي للفاعلين، وأنماط الانتشار العسكري، والمصلحة الاستراتيجية الآنية والمستقبلية لكل طرف، إضافة إلى المسار السابق لتراكم التوترات السياسية والأمنية التي جعلت لحظة الانفجار قريبة ومحتملة في نظر قطاعات واسعة من سكان الخرطوم قبل أسابيع من 15 أبريل (العربي الجديد، 2025؛ الجزيرة نت، 2025).
وقد أكدت وزارة الخزانة الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية في بيانات متعاقبة خلال عام 2025 أن العناصر الإسلاموية السودانية لعبت دوراً محورياً في “تخريب” مسار التحول الديمقراطي وتقويض الحكومة الانتقالية المدنية ومسار الاتفاق الإطاري، وأن هذا السلوك “أسهم في اندلاع القتال” بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وذلك في سياق فرض عقوبات على قادة إسلاميين مثل جبريل إبراهيم محمد فديال وكتيبة “البراء بن مالك” ذات الارتباطات بإيران (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025). هذه البيانات تربط بوضوح بين تحركات الإسلاميين وعرقلة الاتفاق الإطاري من جهة، وبين بيئة اندلاع الحرب من جهة أخرى، دون أن تُسند بشكل مباشر “إطلاق الرصاصة الأولى” إلى فاعل بعينه، لكنها توثق أن “هذا السلوك ساهم في اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023” (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025).
في المقابل، يشير الباحث أليكس دي وال، مدير برنامج أبحاث النزاعات في مدرسة لندن للاقتصاد ومدير مؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس، في تحليله المطوّل عن “السوق السياسي السوداني” إلى أن الحرب لم تكن سوى الوجه الأخير لمنطق “السوق السياسي” الذي تحكم فيه المعاملات النقدية والعسكرية العابرة للمؤسسات مصير السلطة، وأن حميدتي بنى إمبراطورية اقتصادية-عسكرية عابرة للحدود جعلت من الصدام مع الجيش مساراً شبه حتمي بمجرد أن بدأ ملف الدمج يهدد استقلاليته (دي وال، 2019؛ دي وال، 2023؛ BBC، 2019). فمنذ 2015، شاركت قوات الدعم السريع في حرب اليمن إلى جانب التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات، وأرسلت آلاف المقاتلين هناك، ما وفر لها موارد مالية ضخمة وعلاقات إقليمية متعددة، في الوقت ذاته الذي توسعت فيه في السيطرة على مناجم الذهب في دارفور، بحيث قدّرت بعض التقارير أن جزءاً كبيراً من صادرات السودان الذهبية كان يُهرب عبر شبكات مرتبطة بقيادة الدعم السريع (دي وال، 2019؛ BBC، 2019).
تتوزع السرديات الشاملة حول المبادأة ببدء الحرب، بحسب المصادر الصحفية والبحثية المتعددة التي تناولت الحدث في ذكراه الأولى والثانية، إلى أربعة اتجاهات رئيسية متكاملة وليست بالضرورة متنافية:
سردية التخطيط الإسلاموي المسبق: تفترض أن شبكات الحركة الإسلامية وكوادر حزب المؤتمر الوطني المنحل، المتغلغلة داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات، دفعت باتجاه المواجهة المسلحة لإجهاض استحقاقات الاتفاق الإطاري ولجنة التفكيك التي كانت ستطال شبكات تمكينها الاقتصادي والوظيفي، مستغلة الصدام شبه المحتوم بين الجيش والدعم السريع كأداة لإعادة إنتاج نفوذها بالقوة (جيمستاون، 2025؛ وزارة الخارجية الأمريكية، 2025).
سردية الضربة الاستباقية للدعم السريع: ترجح أن قوات الدعم السريع بادرت بتحريك تعزيزات عسكرية كبيرة نحو قاعدة مروي الجوية ومحيط القيادة العامة قبيل 15 أبريل بأيام قليلة، في محاولة لفرض أمر واقع عسكري يمنع الجيش من فرض جدول زمني قصير لدمجها، وهو ما اعتبرته القيادة العامة “تمرداً” ومحاولة “انقلابية”، خاصة مع احتجاز 204 جنود مصريين في مروي ثم نقل 177 منهم إلى الخرطوم وإعادتهم إلى مصر لاحقاً في 19 أبريل 2023 (ويكيبيديا، 2025).
سردية الصدام العفوي وتدرج الاشتعال: ترى أن الحرب نتاج احتكاك ميداني غير مخطط بين دوريات الطرفين في محيط المدينة الرياضية جنوب الخرطوم، تصاعد خلال دقائق معدودة إلى مواجهة شاملة بفعل حالة الاستنفار المسبق والتعبئة النفسية المتبادلة، دون صدور أمر مركزي موحد من أي من القيادتين، حيث أفادت شهادات من غرفة العمليات أن القادة كانوا يراقبون تحركات الدعم السريع عبر الكاميرات طوال ليلة الجمعة السابقة (الجزيرة نت، 2025).
سردية التداخل الإقليمي والدولي: تشير إلى أن تشابك مصالح قوى إقليمية (مصر والإمارات والسعودية) ودولية في ملفي التموضع الأمني على البحر الأحمر والصراع على النفوذ في القرن الأفريقي، إلى جانب الدعم المزدوج الذي تلقاه كل من البرهان وحميدتي من أطراف خارجية متنافسة، هيأ بيئة إقليمية دفعت الطرفين نحو مواجهة صفرية بدل التسوية التفاوضية (دي وال، 2024).
أما من حيث التسلسل الزمني والوقائع الميدانية الموثقة، فقد بدأت التوترات المباشرة تتصاعد بشكل ملموس منذ أواخر مارس ومطلع أبريل 2023، حين أفادت تقارير صحفية متعددة، من بينها تقرير الجزيرة نت الذي استند إلى شهادة مسؤول عسكري مطّلع على غرفة القيادة والسيطرة، بأن قوات الدعم السريع تموضعت تدريجياً في مواقع تحيط بالقيادة العامة للجيش من كل الاتجاهات في الأيام التي سبقت الحرب مباشرة (الجزيرة نت، 2025). وفي 11 أبريل 2023، أي قبل أربعة أيام من اندلاع القتال، انتشرت قوات تابعة للدعم السريع في محيط مدينة مروي بالولاية الشمالية وفي أنحاء متفرقة من الخرطوم، وهو ما وثقته موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية في مادتها عن “معركة مطار مروي” استناداً لتغطيات صحفية معاصرة (ويكيبيديا، 2025). وبحلول مساء 14 أبريل، هاجمت قوات الدعم السريع مطار الخرطوم الدولي وعدداً من القواعد العسكرية والقصر الرئاسي وحي المطار السكني الذي يقطنه كبار الضباط وأسرهم، في سلسلة تصعيد متلاحقة أدت إلى اندلاع الاشتباكات الشاملة صبيحة اليوم التالي (ويكيبيديا، 2023).
وبحسب رواية مفصلة نشرتها الجزيرة نت بمناسبة الذكرى الثانية للحرب، استناداً إلى شهادة مصدر عسكري كان حاضراً في غرفة العمليات، فإن الطلقة الأولى انطلقت في تمام الساعة الثامنة وخمسين دقيقة صباح السبت 15 أبريل 2023 في منطقة المدينة الرياضية جنوب الخرطوم، لتنتقل الاشتباكات خلال دقائق إلى البوابات والمداخل المحيطة بالقيادة العامة وبيت الضيافة حيث كان يقيم الفريق أول البرهان، وقد أُبلغ الأخير باندلاع الحرب في الساعة التاسعة وعشر دقائق تقريباً بينما كان القتال يدور عند بوابة مقر إقامته بالتحام مباشر بين قوات الحرس الرئاسي ومهاجمي الدعم السريع (الجزيرة نت، 2025). هذه الدقائق العشر الأولى من القتال تمثل في التحليل العملياتي “نافذة انهيار”؛ إذ يتحدد فيها ما إذا كان الصدام سيُحتوى عبر أوامر سريعة بوقف إطلاق النار أو إعادة الانتشار، أو سيتحول إلى حرب شاملة، وقد رجحت الوقائع الخيار الثاني بفعل غياب قرار مركزي محكم، وتعدد تفسيرات القيادات الوسطى لما يجري في الميدان.
سياق انفجار الصراع: من التجييش الموازي إلى تفكك احتكار العنف الشرعي
يعود الجذر البنيوي لهذا الانفجار إلى استراتيجية “التجييش الموازي” التي اعتمدها نظام الإنقاذ بقيادة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني طوال ثلاثة عقود من الحكم، امتدت من انقلاب 30 يونيو 1989 وحتى الإطاحة بالبشير في 11 أبريل 2019 (جيمستاون، 2025). فقد نشأت قوات الدعم السريع أساساً من ميليشيات “الجنجويد” التي استخدمها النظام لمواجهة حركات التمرد المسلحة في دارفور مطلع الألفين، قبل أن يقرر البشير عام 2013 إضفاء طابع مؤسسي رسمي عليها كقوة شبه عسكرية تابعة للدولة تحت اسم “قوات الدعم السريع”، ومنح قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) رتبة عسكرية رفيعة رغم أن تكوينه العسكري الوحيد جاء من ساحة القتال لا من الكليات الحربية النظامية، ثم ربطها مباشرة بمكتب رئاسة الجمهورية (دي وال، 2019؛ BBC، 2019).
في دارفور، أسهم استخدام الجنجويد ثم الدعم السريع في عمليات واسعة النطاق ضد المدنيين، وصفتها تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بأنها حملت سمات جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع مقتل مئات الآلاف ونزوح ملايين الأشخاص منذ 2003 (Human Rights Watch، 2025). هذه الخبرة القتالية في بيئة نزاع قبلي-جهوي ساعدت لاحقاً في تكوين قوة مرنة من حيث القدرة على الحركة السريعة في التضاريس المختلفة، لكنها في الوقت نفسه كرست نمطاً من “العنف غير الخاضع للمحاسبة المؤسسية”، حيث ظل كثير من الانتهاكات دون مساءلة قضائية داخلية، ما أضعف فكرة احتكار الدولة للعنف الشرعي على المستوى العملي رغم استمرارها شكلياً في النصوص القانونية.
ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في ديسمبر 2018 وبداية انهيار قبضة نظام البشير، استدعى الأخير وحدات حميدتي إلى العاصمة لتشكل قوة حماية شخصية له، في قرار وصفه دي وال بأنه كان ينبغي أن يعرف عواقبه المحتومة (دي وال، 2023). فقد تحولت هذه القوة تدريجياً إلى ما وصفه دي وال بـ”مؤسسة مرتزقة عابرة للحدود الوطنية”، إذ أجّرت خدماتها لدول خليجية للقتال في اليمن، وأقامت علاقات تشغيلية مع مجموعة فاغنر الروسية ومع قوات المشير خليفة حفتر في ليبيا (دي وال، 2019؛ دي وال، 2023)، فضلاً عن سيطرتها المتنامية على قطاع تعدين الذهب في دارفور وجنوب كردفان، وهو ما أتاح لها تراكم استقلالية مالية وعسكرية وتجنيدية متزايدة عن القيادة العسكرية الرسمية للدولة. تشير تقارير اقتصادية إلى أن السودان كان ينتج قرابة 90 طنّاً من الذهب سنوياً في نهاية العقد الثاني من الألفية، وأن جزءاً معتبراً من هذا الإنتاج كان يمر عبر قنوات مرتبطة بالدعم السريع خارج الإطار الرسمي للبنك المركزي (BBC، 2019؛ دي وال، 2019).
عقب سقوط البشير، دخل السودان مرحلة انتقالية مضطربة قادها في البداية مجلس سيادة انتقالي مشترك بين المكون العسكري والمدني، قبل أن يقود الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالتنسيق مع حميدتي انقلاباً عسكرياً في 25 أكتوبر 2021 أطاح بحكومة رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك، الأمر الذي قطع معظم الروابط الاقتصادية والدبلوماسية للسودان مع الغرب وأدى إلى تعليق جزء كبير من المساعدات الدولية (جيمستاون، 2025). وفي محاولة لإعادة بناء مسار انتقالي، وقّع المكون العسكري وتحالف قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) في 5 ديسمبر 2022 ما عُرف بـ”الاتفاق الإطاري”، الذي وضع على الطاولة قضيتين وجوديتين لكل من الجيش والدعم السريع: الأولى هي جدول دمج قوات الدعم السريع ضمن هيكل الجيش الموحد، حيث طالبت قيادة الجيش بجدول زمني قصير نسبياً بين عامين إلى خمسة أعوام، بينما تمسكت قيادة الدعم السريع بفترة أطول تصل إلى عشر سنوات تحفظ استقلاليتها الرتبوية؛ والثانية هي مسار تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو من مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والقائية والخدمة المدنية (سودان إن ذا نيوز، 2023؛ جيمستاون، 2025).
وبحسب تحليل نشره مركز جيمستاون، فإن هذا الاتفاق الإطاري، بدل أن يوحد المؤسسة الأمنية، كشف حدة الانقسام داخلها، إذ إن كبار ضباط الجيش السوداني ظلوا، وفق هذا التحليل، متأثرين بأيديولوجيا إسلاموية ترفض فكرة الحكم المدني العلماني، واستغل أنصار النظام السابق داخل الجيش الخلاف حول الاتفاق الإطاري لخلق حالة من انعدام الاستقرار السياسي تصب في مصلحة عودة نمط الحكم العسكري-الإسلاموي (جيمستاون، 2025). وقد وثّقت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الدور بشكل مباشر في بيانين رسميين متعاقبين فرضت فيهما عقوبات على شخصيات وكيانات إسلاموية سودانية، أكدت فيهما أن “العناصر الإسلاموية السودانية كانت قوة مخربة تاريخياً في السودان، خصوصاً إبان حكم النظام الإسلاموي للرئيس الأسبق عمر البشير الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً حتى 2019″، وأنها “لعبت مؤخراً دوراً رئيسياً في تعطيل تقدم السودان نحو التحول الديمقراطي عبر تقويض الحكومة الانتقالية المدنية السابقة ومسار اتفاق الإطار السياسي، وهو السلوك الذي أسهم في اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023” (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025).
كما استهدفت هذه العقوبات على وجه التحديد كتيبة “البراء بن مالك”، وهي تشكيل مقاتل ذو خلفية إسلاموية ظهر بشكل علني في خطوط القتال إلى جانب الجيش السوداني منذ الأسابيع الأولى للحرب، إضافة إلى قيادات سياسية إسلامية بارزة، في سياق محاولة دولية لإضعاف قدرة الإسلاميين على توجيه دفة الصراع واستثماره لصالح إعادة تموضعهم في المشهد السياسي والأمني (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025).
في الأثناء، ظلت المفاوضات على مسار دمج قوات الدعم السريع نقطة الاحتكاك الأشد حساسية بين الطرفين طوال الأشهر التي سبقت الحرب مباشرة؛ فقد حذّر البرهان علناً من أنه لن يقبل ببقاء الدعم السريع كقوة مستقلة عن الجيش، مؤكداً أن دمجها “وفق قواعد وضوابط الجيش” هو الشرط الأساسي لقبول القيادة العسكرية بالاتفاق الإطاري (سودان إن ذا نيوز، 2023؛ الجزولي، 2023). ووصف الباحث مجدي الجزولي الاتفاق الإطاري بأنه كان بمثابة “تكتيك لكسب الوقت” من جانب البرهان في مواجهة حميدتي، الذي كان يُنظر إليه، بحسب تحليلات نشرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كمنافس محتمل للبرهان في انتخابات كانت مقررة عام 2024، وسط مخاوف من نفوذ بقايا نظام البشير الذين قُدر عددهم في بعض التحليلات بمئات الآلاف من الموالين المسيطرين على قطاعات من الاقتصاد ومؤسسات الدولة (سودان إن ذا نيوز، 2023؛ جيمستاون، 2025).
جدل “الرصاصة الأولى”: بين سردية التخطيط الإسلاموي والرواية الرسمية للقيادة العامة
تستند السردية القائلة بمسؤولية التيار الإسلاموي عن التمهيد لإطلاق الرصاصة الأولى إلى تحليل الدوافع والمكاسب الاستراتيجية المباشرة التي كان يمكن أن يجنيها هذا التيار من إجهاض الاتفاق الإطاري قبل موعد توقيعه النهائي الذي كان مقرراً أوائل أبريل 2023، وهو الاتفاق الذي كان سيفتح الباب أمام تفعيل لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو وتجريد شبكات النظام السابق من نفوذها المتبقي داخل مفاصل الدولة (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025؛ جيمستاون، 2025). ويرى الكاتب السوداني المخضرم في مقال نشره في “العربي الجديد” بمناسبة الذكرى الثانية للحرب أن جزءاً من الرأي العام السوداني يتهم الحركة الإسلامية المتغلغلة داخل الجيش بأنها من أطلق الرصاصة الأولى، واضعة الطرفين أمام أمر واقع لا مفر منه؛ لكنه يستدرك محذراً من أن هذا الجدل قد يوحي بأن الحرب “ظهرت من العدم”، بينما كانت الخرطوم، بحسب شهادته الشخصية التي نشرها قبل الحرب بشهر تقريباً في مارس 2023، تعيش حالة ترقب دائم لصدام وشيك، حتى إن احتفالاً بالألعاب النارية في أواخر يناير 2023 جعل سكان المدينة يظنون للحظة أن الحرب المرتقبة قد اندلعت فعلاً (العربي الجديد، 2025).
ويضيف الكاتب نفسه أن الفريق أول البرهان كان قد أبلغ القاهرة، بحسب تقرير سابق للعربي الجديد نُشر في فبراير 2022 أي قبل الحرب بأكثر من عام، مخاوفه من أن نائبه حميدتي يرتب لانقلاب بمساعدة أطراف خارجية، وهو ما يعكس عمق انعدام الثقة المتبادل بين الطرفين قبل الحرب بوقت طويل (العربي الجديد، 2025). ويؤكد الكاتب أيضاً أنه في يوم اندلاع الرصاصة الأولى نفسه، بادرت قوات الدعم السريع باعتقال عدد من كبار ضباط الجيش في الخرطوم وأم درمان، وهو ما يستدعي تساؤلات إضافية حول من كان يمتلك زمام المبادرة الفعلية في الساعات الأولى للصدام، وحول قدرة الدعم السريع على الوصول إلى قيادات عسكرية رفيعة في لحظة مبكرة من المعركة (العربي الجديد، 2025؛ الجزيرة نت، 2025).
في المقابل، تؤكد الرواية الرسمية للقيادة العامة للقوات المسلحة، كما نقلتها وسائل إعلام دولية متعددة، أن قوات الدعم السريع هي من بادرت بشن الهجوم؛ إذ اتهم البرهان علناً حميدتي، في تصريحات لشبكة “سي إن إن” الأمريكية وفي مقابلات أخرى، بقيادة “محاولة انقلاب وتمرد على الدولة”، متوعداً بمحاكمته أمام القضاء حال إلقاء القبض عليه (ويكيبيديا، 2023). وقد وثّقت التغطيات الصحفية أن قوات الدعم السريع كانت قد انتشرت قبل ذلك بأيام في محيط قاعدة مروي الجوية بالولاية الشمالية، حيث دار قتال أدى إلى وقوع نحو 204 من الجنود المصريين المتمركزين هناك في الأسر، وهو رقم موثق بدقة نسبية استناداً إلى تسلسل الأحداث الذي تلا المعركة: إذ أعلنت قوات الدعم السريع لاحقاً نقل هؤلاء الجنود إلى الخرطوم في 19 أبريل، وأُعيد 177 منهم إلى مصر جواً في اليوم ذاته، بينما احتمى الباقون البالغ عددهم 27 جندياً بمقر السفارة المصرية في الخرطوم (ويكيبيديا، 2025).
تشير هذه الواقعة تحديداً، بحسب قراءات محللين متعددين، إلى أن قوات الدعم السريع كانت في وضع المبادر الميداني في الساعات والأيام الأولى للصدام على الأقل من حيث التموضع والانتشار المسبق، وهو ما يفسر لاحقاً سيطرتها السريعة على مطار الخرطوم الدولي والقصر الجمهوري ومقار حيوية أخرى في اليوم الأول للقتال، قبل أن ينتقل الصدام لاحقاً إلى أحياء مدنية واسعة في العاصمة المثلثة، ويتحول إلى حرب شوارع وحصار اقتصادي على سكان الخرطوم الذين تجاوز عددهم خمسة ملايين قبل الحرب (الأمم المتحدة، 2025).
أما سردية الصدام العفوي، فتستند إلى الرواية التي حملها المصدر العسكري الذي تحدثت عنه الجزيرة نت، والذي أكد أن قادة الجيش كانوا يراقبون طوال ليلة الجمعة التي سبقت اندلاع الحرب تحركات قوات الدعم السريع عبر كاميرات المراقبة في غرفة التحكم، وأن الأخيرة كانت قد تموضعت فعلاً في مواقع محيطة بالقيادة العامة من كل الاتجاهات قبل انطلاق الطلقة الأولى بساعات (الجزيرة نت، 2025)، وهو ما يرجّح أن التصعيد لم يكن احتكاكاً عرضياً بحتاً بقدر ما كان تتويجاً لحالة استنفار واستعداد متبادل بلغت ذروتها في الساعة الثامنة وخمسين دقيقة صباح 15 أبريل.
ويظل غياب أي وثيقة رسمية موقعة تثبت صدور أمر عمليات مركزي وموحّد من قيادة إسلاموية أو من قيادة الدعم السريع عائقاً حاسماً أمام أي جزم قاطع بمسؤولية طرف بعينه عن الرصاصة الأولى حصراً؛ ويبقى الأقرب إلى الدقة المنهجية هو الجمع بين مستويين من التحليل: مستوى “من ضغط الزناد فعلياً” وهو ما ترجحه الوقائع الميدانية لصالح مبادرة الدعم السريع بالانتشار والهجوم المبكر على مروي والمطار والقصر، ومستوى “من هيأ الظروف السياسية والأمنية لجعل الصدام حتمياً” وهو ما توثقه تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية وتحليلات جيمستاون ودي وال بشأن دور الشبكات الإسلاموية في تعطيل التسوية السياسية وتغذية بيئة انعدام الثقة (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025؛ جيمستاون، 2025؛ دي وال، 2019؛ دي وال، 2023).
قراءة مضادة: حجج عبد الرحمن الغالي حول استبعاد مبادرة الجيش وترجيح مبادرة الدعم السريع
يقدّم الباحث عبد الرحمن الغالي، في حلقة تحليلية ضمن سلسلته المطوّلة حول أطراف الحرب السودانية، قراءة مغايرة تستبعد بشكل شبه كامل فرضية أن يكون الجيش هو من بادر بإطلاق الرصاصة الأولى، مستنداً إلى مجموعة من المؤشرات العملياتية المتضافرة: وقوع عدد كبير من كبار الضباط، بمن فيهم المفتش العام وقائد الجيش نفسه، في حالة مفاجأة وحصار داخل منازلهم ومقار إقامتهم بدل أن يكونوا في حالة تأهب قصوى كما يُفترض في طرف بادر بالهجوم؛ وتوجه أول ضربة إلى موقع المدينة الرياضية بدل استهداف مقار قيادة الدعم السريع ورمزيتها الاستراتيجية؛ وسقوط عدة مواقع للجيش، من بينها مطار مروي، في الساعات الأولى قبل استعادتها لاحقاً، وهو نمط يخالف منطق الطرف المفاجئ المتقدم بفضل عنصر المباغتة (الغالي، 2024).
كما يستبعد الغالي، انطلاقاً من منطق مغاير، فرضية أن يكون حزب المؤتمر الوطني قد بادر منفرداً بإشعال الحرب، معتبراً أن ذلك يستلزم تنسيقاً مسبقاً مع قيادة الجيش الذي كان الحزب سيعتمد عليه لحسم المواجهة مع الدعم السريع، وهو تنسيق لا تدعمه الشهادات المتاحة؛ ويستشهد في هذا السياق بتصريحات حميدتي نفسه التي حصرت خلافه مع قيادة الجيش لا مع التيار الإسلاموي، وبشهادة أحد القيادات المعتقلة في المؤتمر الوطني التي اقتصرت على الحديث عن التعبئة الجماهيرية ضد الاتفاق الإطاري دون أي إشارة إلى دور في إشعال القتال (الغالي، 2024).
في المقابل، يسوق الغالي حزمة من القرائن التي يرى أنها ترجح مبادرة قوات الدعم السريع بالهجوم، منها توسع هذه القوات تدريجياً إلى ما يشبه “دولة داخل الدولة” من حيث الحجم والتمويل والعلاقات الخارجية المستقلة، وسعيها المستمر لتحقيق تفوق عسكري على الجيش، وامتناع قائدها عن حضور اجتماعات القيادة العسكرية العليا ورفضه اللقاء المباشر مع البرهان لتسوية الخلاف سلمياً، واستمرار تعزيزاتها العسكرية في مروي ومواقع أخرى رغم تفاهمات الوسطاء على التهدئة، إضافة إلى طابع الهجوم المتزامن الذي طال كل مواقع الجيش تقريباً في مقابل هجوم وحيد استهدف موقع الدعم السريع بالمدينة الرياضية، وشهادة أحد ضباط الجيش الذين وقعوا في الأسر قبل يوم الحرب بحسب رواية نشرتها قوات الدعم السريع نفسها (الغالي، 2024).
ويدعم الغالي قراءته بجملة من الشهادات الأجنبية والمحايدة، من بينها تحليل مركز الدراسات الدولية الإيطالي ومقال في موقع “ذا هِل” الأمريكي، وصفا تحرك الدعم السريع بأنه سلسلة هجمات منسقة على أهداف مؤسسية بهدف الاستيلاء على السلطة؛ ورصد سنوي لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أورد أن قوات الدعم السريع هي التي هاجمت قواعد الجيش في عموم البلاد؛ وشهادة فولكر بيريتس، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة للسودان آنذاك، التي أكدت أن قوات الدعم السريع كانت الأكثر استعداداً وسيطرت على معظم العاصمة في الأيام الأولى، وأن البرهان نفسه فوجئ في مقر إقامته؛ وتقريراً لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل أرجع اندلاع الصراع إلى هجوم قوات الدعم السريع على مواقع حكومية؛ إلى جانب شهادة الفريق عثمان عباس، رئيس أركان قوة التدخل السريع لشرق أفريقيا، وشهادة الباحث باتريك هاينيش حول تحذير سابق للحرب نقله حميدتي لأحد الوسطاء الإقليميين (الغالي، 2024).
يخلص الغالي، في ضوء هذه المؤشرات مجتمعة، إلى ترجيح أن قوات الدعم السريع هي الطرف الذي بادر عسكرياً بإطلاق الرصاصة الأولى وبتنفيذ هجوم واسع ومتزامن على مواقع الجيش في مختلف أنحاء البلاد، مع استبعاده لفرضيتي المبادرة المنفردة من الجيش أو من حزب المؤتمر الوطني، وذلك استناداً إلى منهجية تحليل القرائن الظرفية والعملياتية والشهادات المتعددة المصادر (الغالي، 2024). وتشكل هذه القراءة إضافة نوعية لجدل “الرصاصة الأولى” الذي يتناوله هذا المقال، إذ تتقاطع جزئياً مع مؤشر الجاهزية والانتشار الميداني المشار إليه أعلاه من حيث ترجيح مبادرة الدعم السريع الميدانية، لكنها تختلف عنه في حسمها شبه الكامل لمسؤولية المبادرة العسكرية المباشرة لصالح الدعم السريع، دون تخصيص وزن مماثل لدور الشبكات الإسلاموية في هذه المبادرة تحديداً، وإن كانت لا تنفي دورها في تهيئة الظروف السياسية السابقة على الحرب.
الرصاصة الثانية والجمود التكتيكي: لماذا عجز الجيش عن احتواء التصعيد؟
يستدعي السؤال الموازي حول عجز الجيش عن إيقاف تصاعد القتال بعد اندلاعه -بصرف النظر عن مسؤوليته المباشرة أو عدمها عن الشرارة الأولى- تحليل الواقع البنيوي والعملياتي للمؤسسة العسكرية السودانية عشية 15 أبريل 2023 (جيمستاون، 2025). فقد كانت هذه المؤسسة، بحسب تحليل جيمستاون، منقسمة داخلياً بشكل عميق بين تيار من كبار الضباط المتماهي أيديولوجياً مع الحركة الإسلامية ويرفض فكرة الحكم المدني، وتيار آخر أكثر ميلاً للحل السياسي التفاوضي، وهو انقسام لم يكن كامناً فحسب بل تفاعل بفعالية مع أزمة الاتفاق الإطاري ليقوّض قدرة القيادة العامة على اتخاذ قرار موحد وسريع في الساعات الحرجة الأولى (جيمستاون، 2025).
ومن الناحية العملياتية البحتة، فإن الانتشار المسبق لقوات الدعم السريع داخل أحياء سكنية ومقار حيوية متعددة في العاصمة المثلثة (الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري) -وهو انتشار تراكم على مدى سنوات منذ استدعاء البشير لهذه القوات إلى العاصمة في أواخر 2018- جعل أي محاولة للحسم العسكري السريع أو الاحتواء المباشر مكلفة للغاية من الناحية التكتيكية، إذ كان يعني عملياً خوض قتال شوارع داخل نسيج حضري كثيف السكان دون إمكانية عزل ميداني نظيف بين المقاتلين والمدنيين (الجزيرة نت، 2025؛ BBC، 2019). وقد أدى هذا الواقع، بحسب مصادر متعددة، إلى انزلاق سريع نحو ما وصفته تقارير غربية بـ”حرب مدن” مدمرة استهدفت البنية التحتية المدنية والمستشفيات وخطوط الإمداد بالمياه والكهرباء في العاصمة، حيث أُبلغت الأمم المتحدة أن أكثر من 70% من المستشفيات في الخرطوم خرجت عن الخدمة خلال الأشهر الأولى للحرب، وأن خطوط الكهرباء والمياه تعرّضت لانقطاعات متكررة أدت إلى أزمة إنسانية حادة (الأمم المتحدة، 2025).
كما أن تعدد مراكز القرار داخل الدولة السودانية، والتنافس الإقليمي على النفوذ داخلها -حيث انحازت أطراف إقليمية مختلفة لكل من البرهان وحميدتي بدرجات متفاوتة، مع دعم إماراتي موثّق نسبياً لصالح الدعم السريع في مقابل دعم مصري للجيش، وتضارب مصالح بين أجهزة إسرائيلية مختلفة في التعامل مع الطرفين، بحسب تحليل نشره موقع “ريسبونسبل ستيتكرافت” نقلاً عن دي وال (دي وال، 2024)- أدى إلى تعقيد أي مسار توافقي سريع لوقف التصعيد. فقد أشار دي وال إلى أن وزارة الخارجية المصرية والإسرائيلية كانت أميل لدعم البرهان والجيش، بينما كان جهاز الموساد الإسرائيلي أقرب إلى التواصل مع حميدتي وقوات الدعم السريع، في مؤشر على أن حتى الحلفاء الخارجيين أنفسهم كانوا منقسمين حول الرهان الأفضل لمصالحهم الاستراتيجية في السودان (دي وال، 2024)، وهو ما زاد من صعوبة فرض ضغط دولي موحد لوقف القتال في مراحله الأولى.
وقد حاولت جهات دولية وإقليمية متعددة التوسط لوقف إطلاق النار منذ الأسابيع الأولى للحرب؛ فقد استضافت السعودية بالتنسيق مع الولايات المتحدة محادثات بين وفدي الطرفين في مدينة جدة أفضت إلى اتفاق هدنة في مايو 2023، غير أن هذا الاتفاق لم يصمد وتعثرت العملية التفاوضية بعده (الشرق الأوسط، 2025). كما أطلقت مصر والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد) مبادرات موازية أثارت مخاوف من تضارب وتداخل الجهود الدبلوماسية بدل تكاملها، حيث عقدت قمم ومؤتمرات متكررة في القاهرة ونيروبي وأديس أبابا دون أن تنجح في فرض وقف دائم لإطلاق النار (الشرق الأوسط، 2025).
استمر القتال بعدها ليأخذ طابعاً قبلياً وعرقياً متصاعداً، خصوصاً في إقليم دارفور، وليتسبب في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، إذ أشارت تقديرات الأمم المتحدة في مطلع 2026 إلى نزوح أكثر من 14 مليون شخص داخل السودان وخارجه، ومقتل ما يزيد على 150,000 شخص منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إلى جانب تعرض مئات الآلاف لخطر المجاعة الحادة (الأمم المتحدة، 2025؛ وزارة الخارجية الأمريكية، 2026). وقد استعاد الجيش بعض المواقع الاستراتيجية في مارس 2024 عبر تقدمه في أم درمان، إحدى مدن العاصمة الثلاث، قبل أن تحقق قوات الدعم السريع مكاسب ميدانية مقابلة لاحقاً في ولايتي سنار والجزيرة، بما في ذلك سيطرتها على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، في أواخر 2024، ما عمّق الانقسام الجغرافي والسياسي بين مناطق سيطرة الطرفين (الشرق الأوسط، 2025).
تحكيم القرائن والمؤشرات: نحو تفسير مركب لظاهرة الرصاصتين
يمكن، في غياب الدليل الجنائي القاطع، تفكيك جدل الرصاصة الأولى والثانية عبر ثلاثة مؤشرات تحليلية متكاملة:
مؤشر الجاهزية والانتشار الميداني: يكشف تسلسل الأحداث الموثق أن قوات الدعم السريع كانت الطرف الأكثر استعداداً واستباقاً من حيث الانتشار الجغرافي المسبق، سواء في محيط قاعدة مروي منذ 11 أبريل، أو داخل الأحياء السكنية للعاصمة المثلثة، وأن هذا التموضع مكّنها من السيطرة السريعة نسبياً على مطار الخرطوم الدولي ومحيط القصر الجمهوري في الساعات الأولى للقتال، بينما كان الجيش في موقع رد الفعل الدفاعي المحصّن حول القيادة العامة وبيت الضيافة وقاعدة مروي ذاتها (ويكيبيديا، 2025؛ الجزيرة نت، 2025). هذا النمط يرجّح أن المبادرة العملياتية المباشرة -بمعنى من ضغط الزناد فعلياً في اللحظة الأولى- كانت لصالح قوات الدعم السريع، دون أن ينفي ذلك دور شبكات إسلاموية في خلق بيئة التصعيد التي جعلت الصدام أمراً شبه محتوم (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025؛ جيمستاون، 2025).
مؤشر المستفيد الاستراتيجي: يوضح هذا المؤشر أن التيار الإسلاموي المتغلغل في مؤسسات الدولة كان المستفيد الأكبر من إجهاض الاتفاق الإطاري ووقف مسار لجنة التفكيك الذي كان يهدد مصالحه المتراكمة منذ ثلاثة عقود من الحكم، وهو ما وثقته بشكل مباشر عقوبات الخزانة الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية بحق شخصيات وكيانات إسلاموية بعينها بتهمة تقويض التحول الديمقراطي (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025). بينما كانت قوات الدعم السريع المستفيد المباشر من حسم الصراع مبكراً قبل أن يفرض عليها الجيش جدولاً زمنياً قصيراً للاندماج يقوّض استقلاليتها العسكرية والمالية التي راكمتها منذ 2013، وهي استقلالية اعتمدت على موارد الذهب والقتال في اليمن وعلى شبكات دعم خارجية (دي وال، 2019؛ BBC، 2019).
مؤشر الديناميكيات الميدانية وتغذية الصراع: يفسر هذا المؤشر استمرار “الرصاصة الثانية” وما تلاها من تصعيد متمادٍ بوصفه تحولاً من مجرد صدام أو محاولة احتواء أمني محدود إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تتغذى على الاستقطاب القبلي والعرقي العميق في دارفور وكردفان، وعلى تدفق الدعم اللوجستي والعسكري الخارجي عبر الحدود الإقليمية الممتدة، وعلى تضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية الداعمة لكل طرف، مما جعل وقف الحرب يتجاوز قدرة أي طرف منفرد أو أي وساطة إقليمية بمفردها (الشرق الأوسط، 2025؛ دي وال، 2024؛ وزارة الخارجية الأمريكية، 2026). فمع مرور الوقت، أصبح الصراع أقل ارتباطاً بمسألة الدمج العسكري وأكثر ارتباطاً بصراع على إعادة ترسيم الخريطة السياسية والجغرافية للسودان، مع توسع رقعة العمليات إلى ولايات مثل شمال كردفان وكسلا والقضارف والنيل الأزرق، وظهور أنماط جديدة من العنف الموجه ضد مجموعات إثنية بعينها، خصوصاً في دارفور حيث توصلت وزارة الخارجية الأمريكية في يناير 2025 إلى أن قوات الدعم السريع وميليشيات عربية حليفة لها ارتكبت جرائم إبادة جماعية (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025؛ Blinken، 2025؛ Human Rights Watch، 2025).
شهادات الشهود التي بثت في أجهزة الإعلام الرسمية السودانية
تحتل شهادات الشهود التي ظهرت على شاشة تلفزيون السودان ووسائل الإعلام الرسمية الأخرى مكانة مهمة في تشكيل الرواية الرسمية حول “الرصاصة الأولى” ومسار اندلاع الحرب؛ إذ سعت هذه الأجهزة إلى تأكيد سردية “تمرد قوات الدعم السريع” و”محاولة انقلاب” على السلطة الشرعية. فقد استضاف التلفزيون القومي بعد أسابيع من اندلاع الحرب عدداً من الضباط الذين شاركوا في الدفاع عن القيادة العامة ومقار سيادية، ممن تحدثوا عن “هجوم مباغت” على مواقع الجيش صباح 15 أبريل، ووصفوا كيف بدأت الاشتباكات في محيط المدينة الرياضية ثم توسعت بسرعة إلى محيط القيادة العامة (الجزيرة نت، 2025).
أحد الضباط الذين ظهروا في هذه البرامج، وهو ضابط برتبة عقيد في سلاح المدرعات، روى بالتفصيل كيف تلقى أوامر بالتحرك لتعزيز الدفاع عن مقر القيادة العامة بعد دقائق من سماع دوي إطلاق النار من جهة الجنوب، وكيف أن قوات الدعم السريع كانت منتشرة مسبقاً في عدة نقاط داخل الخرطوم، بما في ذلك أحياء مدنية، ما جعل التمييز بين الجبهة وخلفية القتال أمراً شديد الصعوبة في الساعات الأولى (الجزيرة نت، 2025). شهادات أخرى أوردها ضباط في الاستخبارات العسكرية تحدثت عن رصد تحركات غير اعتيادية لقوات الدعم السريع في الليلة السابقة، وعن اجتماعات طارئة عقدت في مقر القيادة العامة لتقييم الوضع، لكنها لم تفضِ إلى قرار صريح ببدء المواجهة، الأمر الذي يعزز سردية أن المبادرة العملياتية كانت بيد الدعم السريع، حتى لو كان الجيش يتوقع “شيئاً ما” دون تحديد طبيعته (الجزيرة نت، 2025).
كما بث التلفزيون القومي شهادات لجنود كانوا يتمركزون في مطار الخرطوم الدولي، تحدثوا عن مهاجمة المطار بقوة مسلحة كبيرة من الدعم السريع في ساعات الصباح الأولى، وعن سيطرة هذه القوات على أجزاء واسعة من المطار خلال وقت وجيز، مع فرار أو أسر عدد من الجنود النظاميين، وهو ما يتقاطع مع ما ورد في تقارير ويكيبيديا والتغطيات الدولية حول سقوط المطار في اليوم الأول للحرب (ويكيبيديا، 2023؛ الجزيرة نت، 2025). هذه الشهادات استخدمت في سياق خطاب تعبوي-دعائي لتعزيز صورة الجيش كضحية “غدر” و”خيانة” من شريك سابق في السلطة، إلا أنها تقدم في الوقت نفسه مواد أولية يمكن للباحثين استخدامها لتأكيد بعض العناصر الزمنية والميدانية في تسلسل الأحداث، حتى لو ظلت أسيرة إطار الخطاب الرسمي.
توضح المادة المشار إليها في صحيفة “الراكوبة” التفاصيل المتعلقة بشهادة العقيد ركن عوض الكريم موسى أبو شنب، والتي جاءت تحت عنوان يفيد بكشف تفاصيل حقيقة إطلاق الرصاصة الأولى قبل مقتله، حيث تقدم رواية ميدانية أكثر تفصيلاً عن تحركات قوة عسكرية منسوبة للجيش في صباح يوم 15 أبريل 2023. تتلخص النقاط الجوهرية والبارزة في هذا التقرير والشهادة الميدانية في الآتي:
- تفاصيل التحرك والتعليمات الميدانية صبيحة 15 أبريل
تلقي الأوامر: أفاد العقيد أبو شنب بأنه تلقى تعليمات رسمية وأوامر مشددة في الساعات الأولى من صباح يوم السبت 15 أبريل 2023 بالتحرك بقوته من منطقة الباقير العسكرية جنوب الخرطوم، وهي منطقة معروفة باحتضانها لوحدات عسكرية وتدريبية تتبع للقوات المسلحة السودانية.
خط السير والهدف: اتجه المتحرك، بحسب الشهادة، نحو المدينة الرياضية وأرض المعسكرات بسوبا في جنوب الخرطوم، وهي مناطق كانت تتمركز فيها وحدات من قوات الدعم السريع أو على الأقل تنتشر فيها عناصرها ضمن حالة الاستنفار التي سبقت الحرب، ما يجعل هذا التحرك ذا طابع عملياتي مباشر نحو نقاط احتكاك محتملة (الراكوبة، 2023). - مكمن الجدل حول “الرصاصة الأولى”
الوصول والاشتباك: أشار التقرير والشهادة إلى أن القوة المتحركة من الباقير هي من وصلت إلى نقطة تمركز قوات الدعم السريع في المدينة الرياضية، حيث اندلعت الاشتباكات الأولى بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، في سياق مواجهة مباشرة بين القوة المتحركة ووحدات الدعم السريع المتمركزة هناك (الراكوبة، 2023). إذا صح هذا التسلسل، فإنه يعني أن أول تماس ناري مباشر في ذلك الصباح حدث نتيجة تحرك قوة من الجيش نحو مواقع تمركز قوات الدعم السريع، وليس العكس.
توظيف الشهادة: اعتبرت القوى المدنية والجهات المشككة في رواية الجيش الرسمية (وكذلك المنصات الناقلة للتقرير) أن هذه الاعترافات تعني أن تحريك القوات من الباقير نحو معسكرات الدعم السريع بالمدينة الرياضية جرى بناءً على خطة مسبقة، وهو ما يُعد -حسب هذه الرؤية- الدليل الميداني على مبادرة الجيش بإطلاق “الرصاصة الأولى” والاشتباك المباشر قبل الهجوم على بيت الضيافة أو القيادة العامة. في هذا التأويل، تتحول شهادة أبو شنب إلى قرينة قوية على أن الجيش لم يكن فقط في وضع “رد فعل”، بل مارس فعلاً “هجوماً استباقياً” على مواقع الدعم السريع في جنوب الخرطوم (الراكوبة، 2023). - سياق التقرير والظروف المحيطة
المسار والمصير: يلفت التقرير الانتباه إلى أن العقيد أبو شنب أدلى بإفاداته وتفاصيل تلك التحركات قبل أن يُقتل لاحقاً في خضم المعارك الميدانية التي تلت اندلاع الحرب، ما يضفي على شهادته بعداً إضافياً من حيث تلقيها بعد وفاته كمصدر “ما قبل النهاية” لرجل ميداني شارك في الساعات الأولى للقتال، ويجعل التعامل معها في الذاكرة الجماعية أقرب إلى “وصية عملياتية” حول حقيقة ما جرى (الراكوبة، 2023).
التباين في التفسير: بينما يرى الجيش أن التحرك كان دفاعياً واحترازياً للتعامل مع حشود الدعم السريع التي انتشرت بكثافة حول المدينة الرياضية، يرى خصومه والمنشور في المادة الصحفية أن التحرك كان الهجوم الأولي الذي فجر الصراع الشامل في العاصمة. بهذا المعنى، تصبح شهادة أبو شنب ميداناً لتنازع التأويل بين من يقرأها باعتبارها دليلاً على “مبادرة هجومية” للجيش، وبين من يدمجها في سردية “الدفاع عن العاصمة” أمام انتشار قوة متمردة، ما يعكس عمق الاستقطاب في تفسير الحدث نفسه حتى على مستوى الشهادة الفردية (الراكوبة، 2023؛ الجزيرة نت، 2025).
شهادات الشهود في وسائط التواصل الاجتماعي (وخاصة شهادة د. محمد بدر الدين)
على الجانب الآخر، لعبت وسائط التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في نقل شهادات بديلة أو مغايرة للرواية الرسمية، خاصة مع انتشار مقاطع فيديو وتصريحات لشخصيات سياسية وعسكرية ومدنية وثّقت مشاهدات مباشرة من الأيام الأولى للحرب. من بين هذه الشهادات، تبرز شهادة الدكتور محمد بدر الدين، نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي في السودان، التي انتشرت على نطاق واسع عبر منصات مثل فيسبوك ويوتيوب وتويتر، وجرى تداولها في أوساط الناشطين والمحللين بوصفها جزءاً من سردية “الدور الإسلاموي” في التحضير للحرب (مصادر وسائط التواصل، 2024).
في هذه الشهادة، تحدث بدر الدين عن تقديراته لدور عناصر من الحركة الإسلامية داخل الجيش في دفع الأوضاع نحو الصدام، وعن وجود اتصالات وتحركات قال إنها جرت قبل أسابيع من 15 أبريل بين قيادات عسكرية مرتبطة بالنظام السابق، هدفت إلى استثمار الخلاف بين البرهان وحميدتي حول الاتفاق الإطاري ومسار الدمج لإشعال مواجهة تطيح بالمسار المدني كلياً (بدر الدين، 2024). كما أشار إلى أن بعض هذه العناصر كانت ترى في الحرب فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بما يسمح بعودة أوسع للتيار الإسلاموي إلى واجهة السلطة، بعد أن تقوض نفوذهم بشكل كبير عقب سقوط البشير وإعادة تفعيل لجنة التفكيك.
إلى جانب شهادة بدر الدين، ظهرت شهادات أخرى على وسائط التواصل الاجتماعي لأفراد من سكان الخرطوم تحدثوا عن مشاهداتهم المباشرة في صباح 15 أبريل، وعن سماعهم دوي إطلاق النار من جهة المدينة الرياضية، ثم رؤيتهم لقوات مسلحة تتحرك في الشوارع نحو القيادة العامة والقصر الجمهوري، بعضهم رجّح أن هذه القوات كانت من الدعم السريع بناء على الزي والشعارات، فيما أشار آخرون إلى أن التمييز كان صعباً بسبب تشابه بعض ملامح الزي العسكري بين الطرفين (الجزيرة نت، 2025). هذه الشهادات، رغم تباينها، تعكس حالة “الغموض الميداني” التي صاحبت الساعات الأولى للحرب، حيث كان المدنيون يتلقون المعلومات من مصادر متضاربة: بيانات رسمية، ومقاطع وسائل التواصل، وشائعات تنتشر بسرعة في مدينة مترنّحة بين الصدمة والإنكار.
يمكن قراءة شهادة بدر الدين ضمن سياق أوسع لصراع الإسلاميين أنفسهم حول موقعهم من الحرب؛ إذ إن حزب المؤتمر الشعبي يحتل موقعاً مركباً في الخارطة الإسلاموية السودانية، بين إرثه كامتداد فكري لتيار حسن الترابي، وبين مواقفه المتباينة من نظام البشير ودور الحركة الإسلامية في الدولة بعد 1989. لذلك، فإن شهادته لا يمكن اختزالها في مجرد “إدانة” لتيار إسلاموي عام، بل ينبغي تفكيكها باعتبارها جزءاً من إعادة رسم خطوط الانقسام داخل الإسلاميين بين من انخرطوا بعمق في “الدولة العميقة” ومن حاولوا لاحقاً إعادة تموضعهم في سياق انتقال ديمقراطي جزئي (بدر الدين، 2024؛ جيمستاون، 2025).
د. محمد بدر الدين الأمين العام للمؤتمر الشعبي في شهادة للتاريخ حول من أشعل الحرب؟
أخواننا راودونا قبل الحرب وشاوروا قياداتنا داخل سجن كوبر وقالو لهم: “ما أخذ بالقوَّة لا يُسترد إلا بالقوَّة” ونحن في المؤتمر الشعبي أوضحنا لهم أننا رافضين لأي تغيير عسكري.
كانت لدينا معلومات من الجهة التي أدارت الحرب بأنهم كانوا يفتكروا إنو ممكن يتخلصوا من الدعم السريع في وقت وجيز جداً ويستردوا سلطتهم المفقودة.
عندنا ناس من المؤتمر الشعبي شاهدوا المشهد في المدينة الرياضية وشافوا العربات مُتحركة قبل صلاة الصبح ولما سألنا قالوا: أيوة المسألة دي حتتم في فترة وجيزة ودي مجموعة مُتمرِّدة حيتم القضاء عليها.
عملنا على إيقاف الحرب من أول يوم ونحن على اتصال بالطرفين وللتاريخ وجدنا استجابة من الدعم السريع وقالوا إنهم على استعداد لوقف الحرب إذا الجانب التاني وافق، والجانب التاني كانت إجابته أنهم حيقضوا على التمرّد (مع عزام، 2025).
هذه الشهادة الموثقة في وسائط التواصل، بما تحمله من اعترافات ضمنية عن تقديرات “الجهة التي أدارت الحرب” لقدرتها على حسم الصراع بسرعة والتخلص من الدعم السريع، تقدم قرائن إضافية على أن جزءاً من النخبة العسكرية-السياسية كان ينظر إلى الحرب كأداة لاستعادة “سلطة مفقودة”، لا مجرد رد فعل اضطراري على تمرد، وتربط بين مشهد العربات المتحركة قبل صلاة الصبح في المدينة الرياضية وبين قرار محسوب بخوض مواجهة تُتصور على أنها قصيرة وحاسمة، وهو ما يتقاطع مع شهادة العقيد أبو شنب من زاوية أخرى (بدر الدين، 2024؛ الراكوبة، 2023).
الخاتمة النقدية: تفكيك بنية الانسداد بدل ملاحقة الأشباح الجنائية
تكشف القراءة النقدية المتعمقة لأزمة أبريل السودانية أن الإصرار على اختزال الحرب في البحث الإجرائي عن هوية من ضغط الزناد أولاً هو اختزال منهجي مخل يتجاهل الديناميكيات البنيوية العميقة التي جعلت الحرب محصلة شبه حتمية لمسار طويل من تفكك احتكار الدولة للعنف الشرعي، بدءاً من تأسيس ميليشيات الجنجويد وتحولها إلى قوة الدعم السريع الرسمية، مروراً بانقلاب أكتوبر 2021، ووصولاً إلى انهيار الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022 (دي وال، 2019؛ جيمستاون، 2025؛ وزارة الخارجية الأمريكية، 2025). إن التركيز الحصري على تحديد اليد التي أطلقت الطلقة الأولى صباح 15 أبريل 2023 يخاطر بتجاهل حقيقة أن كلا الطرفين -الجيش المتغلغلة داخله شبكات إسلاموية ترفض التحول المدني، وقوات الدعم السريع التي تحولت إلى كيان عسكري-تجاري عابر للحدود بمنطق “السوق السياسي”- كانا يجدان في الحرب مخرجاً استراتيجياً من استحقاقات سياسية باتت تهدد وجودهما ذاته، وأن هذه الحرب كانت، في أحد أوجهها، نتاجاً لتقاطع أزمات داخلية مع توازنات إقليمية ودولية جعلت استمرار “السوق السياسي المسلح” أكثر ربحاً لبعض الفاعلين من تسوية سياسية شاملة (دي وال، 2019؛ دي وال، 2023؛ دي وال، 2024).
وبناء عليه، فإن أي مقاربة نقدية جادة لجذور الصراع السوداني ينبغي أن تتجاوز ملاحقة “الأشباح الجنائية” للرصاصة الأولى، لتنكب بدلاً من ذلك على تفكيك البنية المشتركة التي أنتجت الرصاصتين معاً: بنية التسييس المزمن للمؤسسة العسكرية، وبنية “السوق السياسي” التي حولت الأمن الوطني إلى سلعة تُشترى وتُباع، وبنية التنافس الإقليمي والدولي الذي وجد في انقسام السودان فرصة استراتيجية بدل أن يكون حافزاً على تسوية جماعية عاجلة (جيمستاون، 2025؛ الشرق الأوسط، 2025). ولن يتحقق أي مسار جاد لإنهاء الحرب أو منع تكرارها إلا عبر إعادة بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة وقومية ومحترفة تخضع للسيطرة المدنية الديمقراطية، وقطع الطريق نهائياً أمام عودة أي شكل من أشكال التجييش الموازي أو الاقتصاد السياسي القائم على الميليشيات، وتحصين مسار الانتقال الديمقراطي من اختطاف القوى الأيديولوجية المتطرفة ومن ارتهان القوى العسكرية للموارد غير الشفافة والشبكات العابرة للحدود (وزارة الخارجية الأمريكية، 2025؛ وزارة الخارجية الأمريكية، 2026).
إن تفكيك بنية الانسداد يتطلب أيضاً الاعتراف الصريح بمسؤولية المجتمع الدولي والفاعلين الإقليميين في تغذية هذه الحرب عبر التسليح غير المباشر، والتساهل مع شبكات التهريب، والتوظيف السياسي للملفات الإنسانية، فضلاً عن ضرورة تطوير آليات مساءلة دولية أكثر فاعلية لمرتكبي جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، كما بدأ يتبلور في قرارات وزارة الخارجية الأمريكية بشأن توصيف جرائم قوات الدعم السريع في دارفور كإبادة جماعية (Blinken، 2025؛ Human Rights Watch، 2025). من دون هذا الاعتراف البنيوي الشامل، سيظل البحث عن “الرصاصة الأولى” مجرد ممارسة رمزية تُسقط من الحساب عشرات الآلاف من الطلقات التي تلتها، والتي تُطلق حتى اليوم في مدن وقرى السودان، لتعيد إنتاج المأساة نفسها على أجساد وأرواح ضحايا جدد.
المراجع
- الجزولي م. تصريحات وتحليلات حول الاتفاق الإطاري السوداني ودوره في التصعيد. منشور في: Sudan In The News، نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية؛ 2023. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- الجزيرة نت. قصة حرب السودان: دماء في مجاري النيل. تقرير خاص بمناسبة الذكرى الثانية للحرب؛ 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- الشرق الأوسط. حرب السودان: أسبابها ومآلاتها. تقرير تحليلي؛ 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- العربي الجديد، كاتب المقال. الضحية الأولى لأول رصاصة في السودان. مقال رأي؛ 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- الغالي ع. من بدأ الحرب (1)، الحلقة السادسة عشرة. سلسلة مقالات تحليلية منشورة على وسائط التواصل الاجتماعي؛ 2024. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- جيمستاون. الذهب والسلاح والإسلام: فهم الصراع في السودان. تحليل استراتيجي؛ 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- دي وال أ. السودان: تحليل إطار السوق السياسي. أوراق بحثية، مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية؛ 2019.
- دي وال أ. الثورة التي لم يردها أحد: الحرب في الخرطوم. مجلة لندن ريفيو أوف بوكس، المجلد 45، العدد 10؛ 2023. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- دي وال أ. السودان ينهار: كيف يمكن إيقافه. مطبوعات تشاتام هاوس؛ 2024. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- سودان إن ذا نيوز. الاتفاق الإطاري: مواقف الأطراف وتحليلات الخبراء. أرشيف تحليلي متابع للأحداث؛ 2023. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- عزام محمد ابراهيم. برنامج مع عزام على وسائط التواصل الاجتماعي. لقاء مع الدكتور محمد بدر الدين، نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي في السودان. 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- ويكيبيديا. الحرب الأهلية السودانية (2023 – حتى الآن). موسوعة ويكيبيديا العربية؛ 2023. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- ويكيبيديا. معركة مطار مروي. موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية؛ 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- وزارة الخارجية الأمريكية. فرض عقوبات على قائد جماعة مسلحة سودانية وميليشيا إسلاموية ذات صلات بإيران. بيان صادر عن مكتب المتحدث الرسمي؛ 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- وزارة الخارجية الأمريكية. تحديد الإبادة الجماعية في السودان وفرض تدابير للمساءلة. بيان؛ 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- وزارة الخارجية الأمريكية. إحياء الذكرى الثالثة للصراع في السودان بالعقوبات والدعوة لهدنة إنسانية. بيان؛ 2026. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- BBC. Sudan crisis: The ruthless mercenaries who run the country for gold. تقرير؛ 2019. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- Human Rights Watch. US: State Department Determines Genocide in Sudan. خبر وتحليل؛ 2025. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
- صحيفة الراكوبة. شهادة العقيد ركن عوض الكريم موسى أبو شنب حول تفاصيل الرصاصة الأولى؛ 2023. (تاريخ الوصول: 2026/07/20).
