ms.yaseen5@gmail.com
محمد صالح عبدالله يس
الكثير من الذكريات تمضي وتتسرب من أعماقنا ويطويها النسيان، لكن ذكريات الطفولة… تظل ملازمة لنا كظلّ لا يفارقنا.
إنها الذكريات التي لا يتبدل لونها ولا يتغير طعمها مهما مرّت عليها السنون،لأنها محفورة في وجداننا ضحكة بريئة، رائحة طباشير، أو خشب مقعد قديم جمع بين خمسة أو ستة قلوب.
ورغم أن الحياة أخذت كلاً منا في طريق، فإن شيئًا في داخلنا ظلّ متمسكًا باهداب ذلك الزمن الجميل والشديد الاخضرار ربما لأن الطفولة لا تعرف التكلّف، أو لأن القلوب الصغيرة يومها كانت أنقى من أن تُنسى.
واليوم، بعد كل هذه الرحلة، ما زال اسم صالح ابوبكر يمرّ في الذاكرة مغمورًا بالعطر القديم، وصوت الزبير عبدالله يضحك من طرف المقعد، و الزاكي علي سليمان يهمس في أذني أستاذ حيدر جاي للتسميع وفي المقعد من الناحية اليمني يحدثنا البشري محمد الحسين عن خطة محكمة للهروب من فخ حصة التسميع التي نتضجر منها
صالح ابوبكر احمد جمعة هو احد رفقاء الطفولة الباذخة و احدي القلاع المتينةفي فصلنا في السنة الثانية اتصلت عليه قبل أيام واعدنا واستعدنا بعض الذكريات في ذلك الفصل العظيم الذي جمع أفذاذا متفردين اصبحوا عناوين بارزة في صفحة امكدادة كان معظم الدفعة من أبناء المزارعين وبعض أبناء الافندية الميسورين الحال وفي المقابل هنالك أبناء التجار من الأسر الغنية الذين يشار اليهم بالبنان ومنهم الأخ صالح ابوبكر والزاكي علي سليمان والبشري محمد الحسين والمرحوم محمد حسن ادم ( الدود )كانت معالم النعمة ظاهرة عليهم تبدأ بالحقيبة الجلدية الشنطة الحديد وجلابية البوبلين وتنتهي عند اقدامهم بشبط من ماركة (باتا) كنا نجلس علي كنبة واحد معا الزاكي علي سليمان والزبير محمد احمد الصديق والبشري محمد الحسين ومحمد حسن ادم كنت أنا الوحيد من اسرة فقيرة مستورة الحال بالكاد لدي جلابية واحدة هي الزي الرسمي وعند نهاية اليوم الدراسي أغيرها بجلابية بردلوبة لزوم الحوامة واللعب فعلي الرغم من التفاوت الطبقي بيننا إلا أننا كنا لا نكترس لذلك ولم تكن تثير فينا نعمهم اياً من مشاعر الغيرة أو الحسد فقد كانت القلوب عامرة بالمحبة واليقين بل كانت مستوياتنا في التحصيل متقاربة غير ان الأخ محمد حسن ادم بدوي والأخ البشري محمد الحسين هما نوارة الكنبة والفصل معا فكانا يتنافسان في المرتبة الأولي للفصل وعندما امتحنا للثانوي اختار الأخ البشري دراسة القسم الثانوي التجاري والأخ محمد حسن التحق بإحدي المدارس الثانوية في الأبيض بإقليم كردفان وثلاثتنا درسنا المرحلة الثانوية
بإقليم دارفور
كان الأستاذ حيدر السيد ابوشوك هو معلم اللغة العربية وهو المشرف علي الفصل كان يداعبنا بالنكات والحكايات وكان يمازحنا كثير واحيانا يقسوا علينا واذكر انه في ذات مرة وأثناء تدريسه لنا لألف المد باغتنا جميعا وطلب من صالح ان يعطيه كلمة بها الف المد فألتفت صالح وقال حممممممماد وجاء دوري فقلت كتتتتتاب وفجاءة تخطي الأخ الزاكي وطلب من الأخ الزبير ان يعطيه كلمة بها الف المد فارتبك الزبير وارتعد وخاف ثم نظر وعبس وبصر ولكنه اخيرا تماسك ثم قال ( رفاج) فانفجر الفصل بالضحك حتي الأستاذ ابتسم وضحك وسال الزبير عن معني رفاج فلم يستطيع الرد ووقف واجما لا يدري مايقول وعندما انتهت الحصة وخرجنا للفطور فحاصرنا الزبير بالضحك والسخرية فقال له الأخ الفاضل احمد جمعة ( ماكان احسن ليك تقول حنان ) والفاضل كان يجلس في الكنبة التي تلينا ومعة الأخت حنان عمر علي قسوم ابنة الأستاذ عمر علي قسوم ضابط التعليم فماكان من الزبير إلا ان رد اليه بقوة ( ديرني أقول أسم بت المدير عشان اتجلد يامغفل ) فغرقنا في الضحك مرة اخري وظلت كلمة رفاج ملازمة للأخ الزبير الي اليوم ولكن لايعلمها إلا ابناء دفعتنا هذه وكنت قد اتصلت قبل ثلاثة سنوات بالأخ الزبير وكان موجودا باللعيت جار النبي وقبل ان يحيني عاجلته بكلمة رفاج فانفجر ضاحكا حتي انتحب صوته وقال لي لا احد يحفظ هذه الكلمة إلا انت وتجاذبنا أطراف الحديث حتي منتصف الليل ولم نترك شاردة ولا واردة والأخ الزبير درس القانون في مصر ولكنه لم يمتهن المهنة
كان الأستاذ حيدر يداعبنا ويمنحنا فرصًا أكثر من بقية زملائنا، لا لشيء إلا لأننا كنّا نظهر روح الفريق، ونتقاسم كل شيء، من الكتب وحتى الفول والبلح الذي لايخلو من جيوب الإخوة واذكر عندما تسلم فصلنا وأصبح مشرفا علينا كان يمر علي الكنبات ويسال كل واحد منا عن اسمه وان كان من ابناء القري ساله عن قريته وعن شيخ القرية وعندما جاء الدور الي مقعدنا سال صالح عن اسمه ثم الزاكي ثم الأخ الدود ثم البشري ثم شخصي وكان الأخ صالح والأخ الزاكي رؤسهم متقاربة الحجم وهناك شبهه بينهما فما كان منه إلا ان قال لهما من اليوم انت ياصالح اسمك ( أبوقرعة (أ) ) وأنت يا الزاكي اسمك (ابوقرعة (ب) ) ومنذ ذلك اليوم التصق ذلك الاسم بهما الي يوم الناس هذا فآلقاب الطفولة هي الأشد حضورا وبقاءً وسرمدة من بقية الألقاب خاصة التي ارتبطت بمرحلة من مراحل الدراسة
. بعد أن أكملنا المرحلة الثانوية، سافر صالح إلى مصر لمواصلة دراسته الجامعية رغم البعد، لم ينقطع التواصل تمامًا، فقد كنا نلتقي كل عام خلال العطلات السنوية كنا نلتقي فكان الزمن يمنحنا هدية صغيرة من الذكريات، نعود فيها أولئك الفتية الخمسة الذين تقاسموا مقعدًا خشبيًامهترأً
كانت لقاءاتنا قصيرة لكنها ثمينة. كنا نلتقي في الأعياد أو في المناسبات نتحلق في أسواق وشوارع امكدادة ومقاهيها ونقضي أمسيات جميلة بين نادي امكدادة الثقافي ودار المعلمين
بعد ان أكملنا دراستنا سرقتنا الوظيفة وتابعنا مهنة الافندية ولكن الأخ صالح ابوبكر
عاد من مصر محمّلًا بأفكار واسعة وآفاق مفتوحة، ودخل السوق بثقة ملفتة فأسس شركة تجارية وأصبح من كبار رجال الأعمال بينما نحن قد سرقت منا الوظيفة أجمل سنين عمرنا
توفي من هذه المجموعة الملهمة الأخ محمد حسن ادم بدوي (في ليبيا ) ثم لحقه الأخ ( البشري محمد الحسين الشريف ) عليهم الرحمة والمغفرة فهم رفقاء الصبا يستعصي علينا نسيانهم ورغم مرور هذه الأعوام الطويلة مازلوا حاضرين في الذاكرة
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم