أثار حديث مندوب المملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة مؤخرًا تساؤلات مقلقة، بعد إعلانه أن المملكة تقف مع «الشرعية» في السودان، التي يمثلها الجنرال عبد الفتاح البرهان.
المشكلة في هذا التصريح ليست فقط في انحيازه إلى أحد طرفي الحرب، وإنما في تعريف «الشرعية» نفسها. فالقول إن الجيش السوداني يمثل المؤسسة الشرعية في مواجهة قوات الدعم السريع باعتبارها «متمردة»، يتجاهل التعقيدات التي طرأت على تركيبة الجيش خلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا الدور المتزايد للتنظيمات والمليشيات المرتبطة بالحركة الإسلامية، مثل كتائب البراء بن مالك والبنيان المرصوص وغيرها، إضافة الى ” مليشيات المشتركة وكيكل وجبريل الخ.
فالجيش الذي يخوض الحرب اليوم ليس بالضرورة هو الجيش التقليدي الذي عرفه السودانيون تاريخيًا، وإنما أصبح، بدرجات مختلفة، تحالفًا عسكريًا يضم تشكيلات متعددة، من بينها عناصر وكتائب ذات ارتباط بالحركة الإسلامية التي حكمت السودان منذ انقلاب عام 1989.
ومن هنا فإن استخدام مفهوم «الشرعية» بهذه الصورة يثير إشكالًا سياسيًا وقانونيًا، خصوصًا أن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة بين مؤسسة عسكرية نظامية وقوة متمردة، بل هي صراع معقد تشارك فيه قوى عسكرية وسياسية متعددة، وتداخلت فيه مسؤوليات الأطراف المختلفة عن الوصول إلى الحرب واستمرارها.
الوساطة تحتاج إلى مسافة واحدة من طرفي الحرب
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن المملكة العربية السعودية كانت، ولا تزال، من الدول التي يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في الوصول إلى السلام في السودان.
ولهذا فإن انحياز الوسيط المفترض إلى أحد طرفي النزاع يضعف قدرته على القيام بهذا الدور. فالوساطة تحتاج إلى قدر من المسافة السياسية عن أطراف الصراع، حتى تستطيع إقناعها بالتنازلات الضرورية لإنهاء الحرب.
والسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الدعم لأي طرف عسكري، وإنما يحتاج إلى وقف الحرب، ووقف عمليات القتل والتشريد، وفتح الطريق أمام المساعدات الإنسانية، ثم العودة إلى مسار سياسي يؤدي إلى دولة مدنية ديمقراطية.
ومن المؤسف، لذلك، أن يتحول موقف المملكة إلى دعم سياسي ومعنوي لطرف في الحرب، في الوقت الذي كنا نأمل فيه أن تستخدم المملكة نفوذها الإقليمي والدولي للدفع بقوة نحو السلام.
مسؤولية الحركة الإسلامية عن المسار الذي قاد إلى الحرب
لا يمكن فهم الحرب السودانية بمعزل عن تاريخ الحركة الإسلامية وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية.
فالحركة الإسلامية السودانية وصلت إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1989، واستمرت في الحكم لأكثر من ثلاثة عقود. وبعد سقوط نظام عمر البشير، لم ينقطع نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، وخصوصًا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
كما أن الانقلاب على المسار الانتقالي والوثيقة الدستورية أعاد إنتاج الصراع حول مستقبل الدولة السودانية، ثم جاءت الحرب في أبريل 2023 لتقطع الطريق على الاتفاق الإطاري الذي كان يمكن أن يفتح الباب أمام انتقال سياسي جديد.
ولا يعني ذلك إعفاء أي طرف آخر من مسؤوليته عن الحرب أو عن الانتهاكات التي ارتكبت خلالها، وإنما يعني ضرورة النظر إلى جذور الأزمة بدل اختزالها في ثنائية «جيش شرعي» و«متمردين».
هل يخدم هذا الموقف المصالح السعودية؟
إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية المصالح السعودية نفسها، فإن الانحياز إلى طرف عسكري في الحرب السودانية قد لا يكون بالضرورة الخيار الأكثر انسجامًا مع المصالح الاستراتيجية للمملكة.
فالسودان دولة محورية في أمن البحر الأحمر، وأي حرب طويلة الأمد فيه تهدد استقرار المنطقة بأكملها، وتفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية للتدخل والتوسع.
كما أن النفوذ الإيراني في المنطقة يجعل استقرار البحر الأحمر قضية ذات أهمية استراتيجية للمملكة. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن إطالة الحرب السودانية، وتفكك الدولة، وصعود الجماعات الأيديولوجية والمليشيات، قد تخلق بيئة أكثر خطورة على المدى الطويل.
وهنا تبرز أهمية إعادة قراءة تاريخ العلاقة بين الحركة الإسلامية السودانية وبعض دوائر الدعم الخليجي في العقود الماضية.
المال الخليجي وصعود الحركة الإسلامية
تشير بعض الوثائق والتسريبات التاريخية إلى أن الحركة الإسلامية السودانية واجهت في بداياتها مشكلة تساقط أعضائها بعد التخرج وانشغالهم بأعباء الحياة اليومية. ومع بداية الطفرة النفطية في الخليج، وجدت الحركة مصادر جديدة للتمويل والدعم.
وفي هذا السياق جاء إنشاء بنك فيصل الإسلامي في السودان، ثم توسعت شبكة المؤسسات المالية والاقتصادية المرتبطة بالتيار الإسلامي.
ولا يعني استحضار هذه الوقائع أن المملكة العربية السعودية كانت وحدها مسؤولة عن صعود الحركة الإسلامية السودانية، فالأمر أكثر تعقيدًا من ذلك، كما أن العلاقات بين الدولة السعودية والحركات الإسلامية لم تكن دائمًا علاقة واحدة أو ثابتة. لكن من المهم عدم تجاهل الدور الذي لعبته الأموال والشبكات الخليجية في تمكين التيارات الإسلامية في السودان خلال مراحل تاريخية مختلفة.
والدرس الأهم هنا هو أن السياسات التي تبدو مفيدة في لحظة تاريخية معينة قد تنتج نتائج مختلفة تمامًا بعد عقود.
الحاجة إلى مراجعة استراتيجية
إن السياسة الخارجية السعودية تمر بمرحلة تحول كبيرة، والمملكة أعلنت في السنوات الأخيرة عن توجه يقوم على بناء اقتصاد جديد، والانفتاح على العالم، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتنويع علاقاتها الدولية.
ومن ثم فإن الموقف من الحرب السودانية يحتاج، في تقديري، إلى أن ينسجم مع هذا التحول، بحيث لا تصبح الاعتبارات السياسية قصيرة المدى على حساب الاستقرار الإقليمي طويل المدى.
حتى لو افترضنا أن المملكة تسعى، من خلال موقفها الحالي، إلى حماية مصالح استراتيجية معينة، فإن السؤال يبقى: هل الانحياز إلى طرف عسكري بعينه هو الطريق الأفضل لتحقيق هذه المصالح؟
أم أن مصلحة المملكة والسودان والمنطقة تقتضي موقفًا أكثر توازنًا، يضغط على جميع الأطراف لوقف الحرب، ويمنع تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي ودولي؟
إن السودان يحتاج اليوم إلى السعودية كوسيط وصاحب نفوذ، لا كطرف في معادلة الحرب.
وللمملكة مكانة خاصة في وجدان السودانيين، تتجاوز السياسة إلى المكانة الدينية والتاريخية للمملكة في نفوسهم. ولذلك فإننا نتمنى أن تستخدم المملكة هذه المكانة والنفوذ في الاتجاه الذي يخدم السلام، لا الحرب؛ وفي اتجاه بناء دولة سودانية مستقرة ومدنية، لا إعادة إنتاج الصراعات القديمة.
إن أفضل ما يمكن أن تقدمه المملكة للسودان في هذه اللحظة ليس دعم أي طرف عسكري، وإنما استخدام نفوذها لوقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة السودان واستقلال قراره، وتعيده إلى مسار الدولة المدنية الديمقراطية.
فاستقرار السودان ليس مصلحة سودانية وحدها؛ بل هو جزء من أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة، ومن ثم فهو أيضًا مصلحة سعودية استراتيجية.
طلعت محمد الطيب
