دكتور محمد عبدالله
مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، لم يعد المشهد مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، بل تحول إلى كارثة تهدم أسس الدولة وتنسف حلم التحول الديمقراطي الذي دفع الشعب ثمنه غالياً في ثورة ديسمبر المجيدة.
انفجر الوضع في الخرطوم، وتحولت أحلام السودانيين في الانتقال إلى حكم مدني، خلال أيام قليلة، إلى كابوس مفتوح على النار والخراب. انزلقت البلاد من أزمات سياسية مزمنة إلى حرب شاملة بين الجيش وقوات الدعم السريع؛ حرب لم تعد مجرد محطة في طريق التغيير، بل صارت تهديداً مباشراً لفكرة الدولة نفسها.
ما جرى خلال الأعوام الثلاثة الماضية يتجاوز الخسائر البشرية إلى ما هو أعمق: تفكيك منهجي لمقومات الحياة. المدن الكبرى، وعلى رأسها الخرطوم، فقدت ملامحها تدريجياً، والقطاع الصحي تلقى ضربات قاسية؛ إذ خرجت مئات المنشآت من الخدمة، وانقطعت الإمدادات الطبية أو شحّت، فيما تُرك ملايين المرضى لمصيرهم وسط انتشار الأمراض. لم يعد الحصول على العلاج مسألة نظام صحي متعثر، بل مسألة حظ.
في موازاة ذلك، انهار التعليم بصمت ثقيل. ملايين الأطفال ابتعدوا قسراً عن مدارسهم لثلاث سنوات، ونشأ جيل كامل على أصوات الرصاص، يتعلم من الشارع أكثر مما يتعلم من الكتاب. وفي هذا السياق، اضطر آلاف الأطفال إلى عبور الحدود وحدهم هرباً من الموت، تاركين خلفهم عائلات ممزقة وذاكرة مثقلة بالفقد.
لكن الضربة الأشد كانت في النسيج الاجتماعي. تمدد الفقر بسرعة غير مسبوقة، وفقدت العملة قيمتها، واختلّت الأسواق، وضاعت مصادر الرزق. لم تعد الأسرة السودانية تواجه تحديات معيشية فحسب، بل باتت مهددة بالانهيار الكامل. أما النزوح، فقد أعاد رسم الخريطة السكانية للبلاد؛ إذ اضطر ملايين إلى مغادرة بيوتهم، بعضهم إلى مناطق داخلية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وآخرون عبروا الحدود إلى دول مجاورة مثقلة بأزماتها. وفي هذا الفراغ، برز العنف الجنسي كسلاح لترهيب المجتمعات، في ظل غياب شبه كامل لأي آلية حماية أو مساءلة.
سياسياً، يبدو الأفق مسدوداً. كل طرف يتحدث بلغة «الحسم»، رغم أن الوقائع تنفي إمكانية تحقيقه. المعارك تتقدم وتتراجع دون نتيجة حاسمة، فيما يتحول الصراع إلى استنزاف مفتوح، لا غالب فيه ولا مغلوب، سوى الشعب الذي يدفع الثمن وحده. تكررت محاولات الوساطة، لكنها لم تنجح في تثبيت وقف دائم لإطلاق النار.
الأطراف المتحاربة لم تعد تسعى إلى نصر نهائي بقدر ما تسعى إلى تثبيت وجودها. هذا التمسك بالخيار العسكري، رغم كلفته الباهظة، يطيل أمد الحرب ويجعل مشاهد الدمار تتكرر في دارفور وكردفان.
الحديث عن مخرج يبدأ بالاعتراف بأن استمرار الحرب يعني تفكك السودان. المطلوب أولاً وقف فوري لإطلاق النار، لا عبر تفاهمات هشة، بل من خلال آلية رقابة فعالة تضمن الالتزام وتمنع الانتهاكات. يلي ذلك فتح ممرات إنسانية آمنة تتيح إيصال المساعدات إلى المناطق المنكوبة.
غير أن ذلك يظل خطوة أولى فقط. فالحل الحقيقي يمر عبر عملية سياسية جادة، لا تُقصي أحداً من القوى السودانية، باستثناء من تورطوا في جرائم بحق الشعب السوداني، ممن تلطخت أيديهم بالدماء ونهبوا مقدرات البلاد. هؤلاء مكانهم المساءلة أمام القانون، قبل أي حديث عن دور سياسي في المستقبل.
الرهان النهائي ليس على وقف الحرب فحسب، بل على ما يليها: بناء دولة مختلفة، تستمد شرعيتها من إرادة مواطنيها لا من فوهة السلاح. دولة تُدار بالقانون، يُحترم فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويُفصل فيها بين السلطة والسلاح، ويتساوى فيها الناس، أقوياء وضعفاء، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو النوع. هذا ليس ترفاً فكرياً، بل شرط بقاء.
السودانيون الذين خرجوا يوماً إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة لم يكونوا يطالبون بالمستحيل، بل بدولة تشبههم. بعد ثلاث سنوات من الحرب، يبدو هذا الحلم بعيداً، لكنه لم ينطفئ. وما لم يُلتقط هذا الخيط الأخير من الأمل، فإن ما يتبقى من الوطن قد لا يكفي حتى للحلم.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم