باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 23 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
حسام عثمان محجوب عرض كل المقالات

السودان: بناء السلام الليبرالي وثمن الإفلات من العقاب

اخر تحديث: 23 أكتوبر, 2026 8:48 مساءً
شارك

بقلم: حسام عثمان محجوب
نشر باللغة الإنجليزية في أغسطس 2026، في مجلة “نيوبوليتيكس”، صيف 2026، المجلد 21، العدد 1، الرقم الكلي 81
الترجمة بالذكاء الاصطناعي ومراجعة الترجمة لحسام عثمان محجوب

روى العديد من السودانيين الذين فروا إلى مصر بعد اندلاع الحرب في العاصمة الخرطوم في 15 أبريل 2023 حكايات مماثلة للقصة التالية: التقوا بسوريين يعيشون هناك، وقال لهم السودانيون: نحن هنا لعدة أشهر فقط حتى تنتهي الحرب، فرد السوريون: تماماً، هذا ما قلناه بالضبط قبل اثني عشر عاماً.
هذه القصص ليست حكايات عابرة؛ فالحرب التي دخلت عامها الرابع في 15 أبريل 2026 ليست أول نزاع يشهده السودان، بل هي أحدث انفجار في نمط ظل ثابتاً ومطرداً على مدى سبعة عقود، إلى حد أن تكراره لا ينبغي أن يفاجئ أحداً. ومع ذلك، يتعامل كل جيل من السودانيين وكل نسخة مما يسمى بالمجتمع الدولي مع كل كارثة جديدة وكأن الكوارث السابقة لم تنتج أي دروس تستحق التعلم، في حين أن تلك الدروس، في واقع الأمر، وفيرة ودقيقة، لكنها ببساطة غير مريحة للفاعلين الذين يملكون السلطة لتطبيقها.
عندما اندلعت هذه الحرب، توقع العديد من السودانيين أن تنتهي سريعاً، فقد كان الطرفان المتحاربان يعرفان بعضهما البعض معرفة وثيقة. إذ كانت قوات الدعم السريع عملياً من صنع القوات المسلحة السودانية، وقائدها محمد حمدان دقلو، المعروف بـ “حميدتي”، قد تمت رعايته ومأسسته على يد المؤسسة العسكرية ذاتها التي يقاتلها الآن. وافترض الناس منطقياً أن قوتين تعرف كل منهما تكتيكات الأخرى وقادتها وخطوط إمدادها لا تحتاجان إلى خوض حرب طويلة الأمد. غير أن هذا المنطق انهار في غضون أسابيع، حيث تطور النزاع إلى شيء لا يشبه أياً من حروب السودان السابقة في نطاقه أو جغرافيته أو عمق التشابك الخارجي فيه.
والآن، مع تحول السودان إلى أكبر أزمة إنسانية ونزوح في العالم بسبب الحرب، يواجه المدنيون السودانيون حقيقة أكثر قسوة، وهي أن آراءهم في كيفية تطور الحرب أو إنهائها قليلة الأثر والأهمية، إذ يحدد مسارها أولئك الذين يحملون السلاح والذين يزودونهم به. ومع ذلك، فإن الخيارات المتاحة للمدنيين حقيقية، وتتركز في مطلبين جرى التهرب منهما في كل عمليات السلام السودانية السابقة: الأول هو المحاسبة الحقيقية للمسؤولين عن الحرب والفظائع المرتكبة فيها، والثاني هو الالتزام الجاد بشروط الحياة الكريمة، بما في ذلك التنمية والخدمات والفرص الاقتصادية للمجتمعات التي تحملت تكلفة كل حرب ولم تحصل على شيء تقريباً من أي من الاتفاقيات التي أنهتها. إن التنظيم حول هذه المطالب هو ما سيحدد ما إذا كان بمقدور المدنيين التأثير في نجاة الملايين الآن، وتشكيل الشروط التي يعاد على أساسها بناء السودان في نهاية المطاف.
النمط الذي يرفض المجتمع الدولي التعلم منه
بدأت الحروب الأهلية في السودان نتيجة للسياسات المتعمدة للإدارة الاستعمارية ونخبة ما بعد الاستعمار التي آثرت الاستخراج على التنمية، والإقصاء على المواطنة، والقمع المسلح على توفير الطرق والمدارس والمستشفيات والتمثيل السياسي الذي كان يمكن أن يصنع تاريخاً مختلفاً.
أدار البريطانيون مناطق مختلفة من السودان وفق درجات متفاوتة من الاهتمام والاستغلال؛ فحظي مركز البلاد بالاستثمار والتعليم والخدمات الأساسية والبنية التحتية الإدارية، بينما أديرت أطراف البلاد في الجنوب والغرب (دارفور وكردفان) والشرق ومنطقة النيل الأزرق بأقل قدر ممكن من الأجهزة الإدارية، حيث جرى استخراج مواردها وترك سكانها دون أي مسار للاندماج في النخبة الوطنية ودون أي توقع للخدمات من دولة تعاملت معهم كمصدر للإيرادات لا كمواطنين ذوي حقوق واحتياجات. وكانت نتيجة القرار الذي أتى في نهاية العهد الاستعماري بدمج الجنوب، الذي كان يدار بشكل منفصل، في دولة موحدة عشية الاستقلال، دون مفاوضات سياسية حقيقية أو ميثاق وطني، أن تسلمت الدولة السودانية تناقضاً بنيوياً لم تتمكن من حله أبداً.
فالحرب الأهلية الأولى، التي أشعلها تمرد عسكري في توريت في أغسطس 1955 واستمرت في التهام البلاد لسبعة عشر عاماً، كانت ضاربة الجذور في غياب التنمية، ونقص الخدمات الأساسية، واحتكار النخب الشمالية للسلطة، وفرض إطار ثقافي عربي إسلامي على مجتمعات لم تكن تتصف بأي منهما. أنهى اتفاق أديس أبابا لعام 1972 تلك الحرب بمنح الجنوب حكماً ذاتياً إقليمياً، واستمر ذلك “السلام” حتى عام 1983 عندما أعاد نميري تقسيم الجنوب، ناقضاً الاتفاق الذي وقعه، مما حفز ظهور الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان بزعامة جون قرنق، الذي حمل مفهومه لـ “السودان الجديد” تناقضاً داخل الحركة بين بناء سودان فدرالي علماني لجميع أبنائه وبين الانفصال عنه استمر حتى اتفاق السلام الشامل لعام 2005، والذي أرجأ ذلك التناقض إلى استفتاء تقرير المصير. صوت الجنوب لصالح الاستقلال في عام 2011، وانزلقت جمهورية جنوب السودان الوليدة إلى حربها الأهلية الخاصة في غضون عامين، بينما عادت الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال إلى قتال الخرطوم في جنوب كردفان والنيل الأزرق.
عُدت حرب دارفور، التي اندلعت في عام 2003، طوال فترة عملية اتفاق السلام الشامل تشويشاً جانبياً بدلاً من التعامل معها باعتبارها تعبيراً عن نفس المنطق الهيكلي يعمل في منطقة أخرى. وكان رد الخرطوم على التمرد في دارفور، والذي تم عبر مليشيات الجنجويد، قد أنتج الأداة التي انقلبت في النهاية على صانعيها: مليشيا مسلحة تدين بالولاء لقائد واحد، وتخضع لسلطة شخصية وعائلية، وتمول عن طريق الذهب، وتتغذى على الإفلات من العقاب. أُضفي الطابع المؤسسي لاحقاً على الجنجويد لتصبح قوات الدعم السريع. وأنتجت الاستجابة الدولية اتفاق أبوجا لعام 2006 ثم وثيقة الدوحة لسلام دارفور لعام 2011، وكلاهما اتبع القالب نفسه في التفاوض بين الفصائل المسلحة، وتوزيع المناصب الوزارية والرتب العسكرية، والوعد بصناديق تنمية لم تصل أبداً إلى المجتمعات التي احتاجت إليها، وإعلان السلام دون آليات إنفاذ ودون أي محاسبة لأولئك الذين أمروا بالقتل الجماعي ونفذوه. أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق عمر البشير في عام 2009 ووجهت إليه تهمة الإبادة الجماعية في عام 2010، ومع ذلك ظل رئيساً حتى عام 2019 وسافر بحرية إلى الدول الموقعة على ميثاق المحكمة دون تعرضه للاعتقال، لتصبح المذكرة رمزاً للعجز الدولي في مواجهة الملاءمة السياسية، بدلاً من أن تكون رمزاً للعدالة الدولية.
وبعيداً عن كون هذا النهج مجرد سلسلة من الإخفاقات العرضية، فإنه يمثل نمطاً ثابتاً بنتائج متوقعة تماماً. فالحروب التي تعود جذورها إلى الحرمان من الموارد، والحرمان من الحياة الكريمة، والإقصاء لا يمكن حلها جوهرياً بمساومات النخب التي تترك الظروف البنيوية كما هي. ومكافأة أطراف النزاع بالسلطة والثروة تشجع ببساطة ظهور فصائل جديدة. وفي نهاية المطاف، فإن تأجيل العدالة هو فعل تواطؤ يغذي النزاع القادم بشكل مباشر.
الثورة وخيانتها
ولفهم الحرب الحالية، من الضروري استيعاب اللحظة التي سبقتها؛ إذ تشكل تلك اللحظة، بالمعنى الجوهري، ما قصدت هذه الحرب تدميره.
في ديسمبر 2018، تحولت الاحتجاجات التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الخبز إلى حركة شملت كل أنحاء البلاد وقادها الشباب والنساء والأجسام المهنية والأحزاب السياسية ولجان المقاومة بالأحياء. وما بدأ كمطلب لتخفيف الأعباء الاقتصادية لشعب لم يعد قادراً على تحمل تكلفة طعامه، سرعان ما تحول إلى شيء أكبر: مطلب بتحويل دولة لم تقدم التنمية أو الخدمات أو الأمن الأساسي لغالبية شعبها قط. في أبريل 2019، رضخ الجيش للضغط الشعبي وأزاح البشير عن السلطة. لم تكن شعارات تلك الثورة (حرية، سلام، وعدالة) مجرد طموحات بلاغية، بل كانت تشخيصاً دقيقاً لما حرم منه الشعب السوداني عبر الأجيال، ومطلباً واضحاً للحكم المدني، والمحاسبة على عقود من الحكم العسكري والفظائع، وتوفير الشروط المادية للكرامة الإنسانية لجميع السودانيين.
ثم جاء يوم 3 يونيو 2019، عندما فضت قوات من الدعم السريع والجيش السوداني اعتصاماً سلمياً أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة حيث تجمع المحتجون لشهور مطالبين بالانتقال الديمقراطي. قُتل المئات، وأُلقيت الجثث في النيل، وتعرضت النساء للاغتصاب في مجزرة مرتبة كان مرتكبوها (الفريق البرهان من القوات المسلحة والفريق حميدتي من الدعم السريع بصفتهما رئيس ونائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي) معروفين للجميع في السودان. كانت استجابة المجتمع الدولي هي الضغط باتجاه ترتيب لتقاسم السلطة بين القوى السياسية المدنية والقادة العسكريين المسؤولين عن المجزرة أنفسهم بدلاً من المطالبة بالمحاسبة، مما أنتج حكومة انتقالية حافظت على السيطرة العسكرية على الأصول الأمنية والاقتصادية، بينما أشاد الفاعلون الدوليون بالعملية وركزوا طاقاتهم على دمج السودان في برامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وعلى مسار تطبيع “الاتفاقيات الإبراهيمية” مع إسرائيل. خضعت طموحات الثورة لأولويات الفاعلين الخارجيين الذين كان الاستقرار والاندماج المالي يهمهم أكثر من العدالة أو الكرامة.
وكنتيجة مباشرة لاتفاق تقاسم السلطة هذا، شُكلت لجنة رسمية للتحقيق في مجزرة يونيو. ورغم منحها ولاية مدتها ستة أشهر، لم تتوصل اللجنة إلى أي نتائج بعد أكثر من عامين، وكان أقصى ما يمكن أن تفعله هو توجيه الاتهام لضباط صغار ومتوسطي الرتب، نظراً لأن القادة الذين أمروا بالمجزرة كانوا في الوقت نفسه شركاءً للقوى السياسية المدنية في الحكومة الانتقالية. وأزال انقلاب 25 أكتوبر 2021 المكونات المدنية بالكامل، وهوجم المحتجون بالرصاص مجدداً، واستجاب المجتمع الدولي مرة أخرى بالضغط لتمرير اتفاق إطاري يمنح عفواً فعلياً عن قتلة ضحايا مجزرة يونيو 2019 وضحايا الاحتجاجات على الانقلاب، وهو الاتفاق الذي كان يقترب من التوقيع عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023.
هذه الحرب والقوى التي تقف وراءها
كانت الحروب الأهلية السابقة في السودان تشنها حركات ذات مضمون أيديولوجي، وجذور مناطقية، وروابط حقيقية بالمجتمعات التي تقاتل باسمها. فقد كان للحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان برنامج سياسي، وعبرت حركات التمرد الدارفورية مثل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة عن مطالب بالإدماج والتنمية والمحاسبة تعكس مظالم مجتمعية حقيقية، رغم كل ما يمكن قوله عن تكوينها الإثني الضيق. كان بإمكان المرء التفاوض معها لأن لديها شيئاً يتجاوز النصر العسكري للتفاوض من أجله.
لا تمتلك قوات الدعم السريع أياً من هذه الخصائص؛ إذ تعمل بدلاً من ذلك كمشروع إقطاعي لعائلة دقلو برئاسة حميدتي ونيابة شقيقه عبد الرحيم. كما تعمل كمليشيا مكونة من مليشيات أصغر، فقد بُنيت عبر تجميع تشكيلات مسلحة ظهرت في غرب السودان لأسباب مختلفة، بما في ذلك بقايا هياكل الجنجويد من إبادة دارفور الجماعية مطلع الألفية، ووحدات الفزع القبلي، والعصابات المسلحة النشطة في تهريب السلاح والمخدرات أو الاتجار بالبشر، والقوات المعبأة محلياً التي سلحتها الحكومات المتعاقبة في الخرطوم لأغراضها الخاصة على مدى عقود. وكمؤسسة، تتوقف استمرارية قوات الدعم السريع على قيادتها بطريقة لم تكن عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان قط، بحيث إنه بدون الأخوين دقلو، يرجح أن تتفتت إلى التشكيلات الإقليمية التي جُمعت منها. وهذا قد يعيد السودان إلى نمط النزاعات الإقليمية المجمدة التي تعلمت الدولة إدارتها. فقد سيطرت حركات التمرد لفترات طويلة على جيوب صغيرة، مثل حركة تحرير السودان في جبل مرة أو الحركة الشعبية-شمال في جنوب كردفان، وكانت الحكومات السودانية والجيش يتكيفون تاريخياً مع مثل هذه التشكيلات. ويستمر هذا التكيف جزئياً لأن النزاع الدائم منخفض الشدة يبرر قانون الطوارئ ويعفي الدولة من أي التزام بتوفير الخدمات أو التنمية.
معظم الرجال الذين يقاتلون في صفوف قوات الدعم السريع هم شبان من دارفور وكردفان ومن منطقة السهل (الساحل) الأفريقي، انضموا لأنه لم يكن لهم خيار اقتصادي آخر مجدٍ؛ إذ يوفر التجنيد أجراً أو غنائم في مناطق تركتها عقود من التهميش المتعمد دون مدارس أو مستشفيات أو فرص اقتصادية. وهي الحسابات نفسها التي تدفع للهجرة عبر الصحراء الكبرى نحو أوروبا، حيث يختفي العمل الكريم وتصبح الحقوق وعوداً فارغة، فيختار الشبان بين أشكال مختلفة من المخاطر بدلاً من الموازنة بين خيارات المستقبل. لذلك يكتسب التمييز بين قيادة قوات الدعم السريع ومقاتليها أهمية بالغة في أي ترتيبات لما بعد الحرب. وفي الانشقاقات الأخيرة لعدد من قادة الدعم السريع والتحاقهم بالجيش مثال واضح على ذلك، إذ تعاملت معه المجتمعات المحلية بانفتاح مركب وبراغماتي، أملته ضرورة إضعاف الدعم السريع حفاظاً على البقاء، دون أن يعني ذلك نسيان ما اقترفه هؤلاء القادة من جرائم. وهذا التعقيد هو ما يجب أن ينطلق منه أي نقاش نزيه حول المحاسبة وإعادة الدمج.
تمثل القوات المسلحة السودانية استمراراً للدولة السودانية العميقة، مع رواسب الأيديولوجيا الإسلاموية والمصلحة الأصيلة في استدامة الحكم العسكري غير الخاضع للمحاسبة. ويقاتل قادتها للحفاظ على نظام مؤسسي يضع الجيش فوق السلطة المدنية وفوق أي التزام بتقديم الخدمات أو التنمية أو الكرامة للمواطنين الذين يدافع عنهم اسمياً. إن تحرير القوات المسلحة للأراضي من قوات الدعم السريع، رغم الترحيب به من قبل المجتمعات التي تعيش تحت احتلال الدعم السريع وفظائعه، لا يحمل أي التزام بالانتقال الديمقراطي الذي طالبت به ثورة 2018، أو بالتحول المادي في العلاقة بين الدولة السودانية وسكان أطرافها والذي من شأنه أن يجعل ذلك الانتقال ذا معنى.
الإمارات، والفاعلون الخارجيون، والحرب التي أُعِد لها
إن أهم فارق بنيوي بين هذه الحرب وكل النزاعات السودانية السابقة هو طبيعة التدخل الإماراتي وعمقه. كانت للحروب السودانية السابقة أبعاداً خارجية: فقد تدخلت دول الجوار (إثيوبيا وإريتريا وليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى ومصر وأوغندا وكينيا) ودول أبعد (إسرائيل والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد وغيرها)، وزودت بالسلاح، وتوسطت، وعقدت تلك النزاعات بطرق مختلفة. غير أن ما تفعله الإمارات في السودان هو شيء مختلف نوعياً.
لم تستجب الإمارات لهذه الحرب بل أعدت لها. ففي الأشهر التي سبقت أبريل 2023، كانت الشبكات المرتبطة بالإمارات تؤسس البنية التحتية الإعلامية والمعلوماتية لقوات الدعم السريع، وتبني شبكات من الحسابات المزيفة والسلوك المنسق غير الأصيل المصمم لتشكيل التصورات الدولية للنزاع. وعندما بدأت الحرب، سهلت الإمارات الإمدادات العسكرية واللوجستية لقوات الدعم السريع عبر شبكات مجموعة فاغنر الروسية ومليشيات حفتر عبر ليبيا؛ وأنشأت مستشفىً في أم جرس بشرق تشاد كغطاء لنقل الأسلحة وعلاج جرحى قوات الدعم السريع؛ وأقامت منشأة مماثلة في أويل بجنوب السودان بالقرب من الحدود السودانية؛ ونوعت طرق الإمداد عبر رواندا وأوغندا وكينيا وأرض الصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون. وأنشأت إثيوبيا معسكراً سرياً للتدريب بالقرب من الحدود السودانية لتدريب الآلاف من مقاتلي الدعم السريع، مع تمويل الإمارات للمنشأة وتوفيرها المدربين والدعم اللوجستي. كما جندت الإمارات مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، وهي حقيقة اعترف بها المجتمع الدولي بفرضه عقوبات على الأفراد والشركات الكولومبية المشاركة بينما امتنعت عن فرض أي إجراءات على المسؤولين الإماراتيين الذين جندوهم. ووثق تحقيق لصحيفة “لوموند”(Le Monde) الفرنسية نشر في مارس 2026 رحلات شحن جوي من الفجيرة في الإمارات إلى جمهورية أفريقيا الوسطى استمرت بعد اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وسط هجمات إيرانية مباشرة على الإمارات. يشير هذا إلى أن أبوظبي قد تقرأ النزاع مع إيران كتأكيد لمنطقها الاستراتيجي، وهو أن توسيع النفوذ عميقاً في أفريقيا، بعيداً عن جوارها الجغرافي المباشر المتقلب، هو بالضبط الرد الصحيح على بيئة إقليمية غير آمنة تشكل فيها إيران والسعودية مهدداتها الرئيسية.
أنسب إطار لفهم الدور الإماراتي هو مفهوم “الإمبريالية الفرعية “(sub-imperialism)، فالإمارات تتصرف كقوة إمبريالية في محيطها الإقليمي، دون أن تخرج عن فلك مصالح الولايات المتحدة بصفتها القوة الإمبريالية المهيمنة. وهي تسعى إلى انتزاع النفوذ السياسي والاستحواذ على الموارد الاقتصادية، وتوظف رعايتها للمليشيات في قمع مسارات التحول الديمقراطي في دول المنطقة المفككة وهشة المؤسسات. وتمتد جذور هذا الدور إلى عام 2011، حين رأت أبوظبي في الربيع العربي تهديداً وجودياً لنموذج حكمها، فتحولت إلى قوة منظمة للثورة المضادة. فمولت الانقلاب الذي جاء بالسيسي إلى السلطة في مصر، ودعمت حرب حفتر في ليبيا، ووطدت علاقاتها بجماعات مسلحة من خارج إطار الدولة قادرة على احتواء الحراك الديمقراطي. ثم أعادت ثورة ديسمبر 2018 في السودان إحياء ذلك التهديد، فكان الدعم السريع أداة أبوظبي لاحتوائه. وبما يملكه السودان من ذهب وأراض زراعية خصبة شاسعة وموقع على البحر الأحمر ومساحة واسعة، صار مختبراً مركزياً لهذا المشروع. أما سيطرة الدعم السريع على مناجم الذهب فقد فتحت مساراً لتدفق “ذهب النزاع” إلى دبي، تتحول عبره الفظائع إلى رأس مال.
يقدم الفاعلون الخارجيون الآخرون صورة أكثر تعقيداً وأقل التزاماً. فقد انتقلت مصر من الدعم السياسي واللوجستي للقوات المسلحة السودانية إلى التدخل العسكري المباشر، متيحة تشغيل طائرات مسيرة قتالية تركية الصنع من قاعدة جوية سرية بالقرب من الحدود السودانية، بدافع القلق من تقدم قوات الدعم السريع نحو ممر النيل، وإن كانت مصر تظل معتمدة مالياً على الإمارات بطرق تقيد مدى قدرتها على الضغط ضد المصالح الإماراتية. أما السعودية، وهي القوة الإقليمية الوحيدة التي تملك الثقل للتصدي الجدي لدور الإمارات، فقد تزايد قلقها بشأن سيطرة قوات الدعم السريع بالقرب من البحر الأحمر، لكنها تحمل أجندتها الخاصة المعقدة وتوترات غير محلولة مع أبوظبي منعتها حتى الآن من التحرك بحسم. وباعت إيران أسلحة للقوات المسلحة السودانية لكنها لا تستطيع الثقة الكاملة بالمؤسسة العسكرية السودانية، بالنظر إلى أن البشير قطع العلاقات مع طهران في أواخر عام 2014 للتحالف مع الإمارات والسعودية. كما زودت تركيا الجيش بالسلاح دون انخراط أعمق. لا أحد من هؤلاء الفاعلين يضاهي الالتزام الاستراتيجي للإمارات أو عمقها العملياتي، ولم تكن أي من الأطر الدبلوماسية للمجتمع الدولي مستعدة لتسمية هذا التباين بوضوح، ناهيك عن التحرك بناءً عليه.
كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب، ولماذا يهم ذلك؟
إن فهم كيفية إمكانية انتهاء هذه الحرب أمر ضروري لفهم ما يجب على المجتمع الدولي فعله، وما يجب على المدنيين الاستعداد له.
ثمة مسارات عدة قد تنتهي إليها الحرب. أولها الحسم العسكري، بأن يحقق الجيش تقدماً حاسماً يطيح بقيادة الدعم السريع أو يشل قدرتها، فتنفرط قواته وتسودها الفوضى، وفي هذه الحالة يرجح أن يرتد النزاع إلى حرب مجمدة منخفضة الحدة من النوع الذي ألفه السودان عبر تاريخه. وثانيها تسوية تفاوضية تتقاسم بموجبها الأطراف المتحاربة وحلفاؤها المدنيون المقربون السلطة والموارد، وهي تسوية، إن صحت قراءة التاريخ الذي عرضناه، ستطيل دورة العنف ولن توقفها. وثالثها تقسيم مجمد بحكم الأمر الواقع، يبسط فيه الدعم السريع سيطرته على أجزاء من دارفور ومناطق أخرى في الغرب، ويحتفظ الجيش بالوسط والشرق، ويتحرر الطرفان من المساءلة ومن أي واجب في إدارة الحكم بكفاءة. ورابعها انهيار الدولة وتشظيها إلى مناطق نفوذ مسلح لا تقوم فيها سلطة قادرة على الحكم أو على تقديم الخدمات، في منحدر يقود نحو حالة شبيهة بليبيا. وقد تتداخل هذه المسارات كلها، فيتحقق بعضها هنا وبعضها هناك بأشكال مختلفة من منطقة إلى أخرى.
وما يهم في كل ذلك أن أياً من هذه النهايات لن يهيئ للمجتمعات السودانية أسباب الحياة الكريمة، ما لم يقترن بمحاسبة من خاضوا هذه الحرب، وبالتزام حقيقي بالتنمية والخدمات وفرص العيش في المناطق التي دفعت ثمنها. فإن أعاد النصر العسكري للجيش هيمنته دون محاسبة، فلن يكون ذلك إلا عودة إلى الأوضاع ذاتها التي فجرت ثورة 2018. وإن كافأت التسوية التفاوضية قيادة الدعم السريع بالنجاة السياسية، فإنها تكون تمهيداً للحرب التالية. أما النزاع المجمد فيترك الملايين محرومين من الخدمات والحقوق والمستقبل. ولذلك فإن السؤال عن الكيفية التي تنتهي بها الحرب لا ينفصل عن السؤال عما تنتهي إليه.
عمليات سلام مصممة لإعادة إنتاج المشكلة
ما دأب المجتمع الدولي على تطبيقه في السودان، مراراً وتكراراً وباتساق لافت، هو ما يسميه دارسو النزاعات “نموذج بناء السلام الليبرالي”. ويقوم هذا النموذج على افتراضات ثلاثة، أولها أن الحروب تنتهي حين تصل الأطراف المتحاربة إلى طريق مسدود يؤلم كلاً منها، وثانيها أن اتفاقات السلام تقسم السلطة والثروة فتمنح النخب حوافز للتوقف عن القتال، وثالثها أن المراحل الانتقالية التي يشرف عليها المجتمع الدولي قادرة على بناء مؤسسات شرعية. أما المحاسبة، إن كان لا مفر منها، فيمكنها أن تنتظر حتى يتحقق الاستقرار.
لا تبدأ حروب السودان كصراعات بين النخب على السلطة، وإن كانت تتحول إلى ذلك لاحقاً. فجذورها نزاعات على الأرض والماء والخدمات والتنمية، وعلى مصير مجتمعات الهامش التي تُترك لتعيش على الكفاف، محرومة من الطرق والمدارس والمستشفيات والتمثيل السياسي، فيما ينهب المركز ثرواتها. ثم يجري تسييس هذه المظالم المادية وإلباسها طابعاً إثنياً من قبل النخب من جميع الأطراف، الذين يجدون في الهوية أداة حشد أنجع من المصلحة الطبقية. وحين يحضر المجتمع الدولي بعملية سلامه، يجد نفسه يفاوض الزعامات الإثنية والسياسية التي صعدت على أكتاف النزاع، بينما تغيب عن الطاولة المجتمعات التي انطلق منها. وهكذا تأتي الاتفاقات لتقسم السلطة بين تلك الزعامات، وتعد بأموال تنمية قلما تبلغ المجتمعات التي تحتاجها، فتبقى الأسباب البنيوية للحرب كما هي دون أن تُمس. وحين يُستوعب مرتكبو العنف الجماعي في الحكومات الانتقالية، كما تكرر مع القادة العسكريين السودانيين، يدخلونها وهم يملكون الحافز والقدرة على الارتداد عن أي انتقال يهدد حريتهم أو ثرواتهم. وفي مواجهة هذه المعضلة، لم تحسم الوصفات المفضلة لدى المجتمع الدولي شيئاً، سواءً أكانت لجنة للحقيقة، أم لجنة للمصالحة، أم هيئة تحقيق بولاية واسعة بما يكفي لتبدو ذات مصداقية وصلاحيات ضيقة بما يكفي لكي لا تهدد أحداً.
ولعل اتفاق جوبا للسلام، الذي وقع عام 2020 بين الحكومة الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة، هو أحدث تجسيد عملي لهذا النموذج. فقد تقاسم الموقعون عليه الحقائب الوزارية والرتب العسكرية، ووعدوا بالتنمية في المناطق التي أنهكتها الحرب، فكوفئ من يحمل السلاح وأُقصي من لا يحمله. وبما أن الاتفاق لم يعالج قضية حقوق الأرض، ولا المحاسبة على الفظائع، فإنه لم يجلب في النهاية أي سلام للاجئين والنازحين.
وعلى هذه الخلفية، ضمت “الرباعية”، التي تشكلت في سبتمبر 2025 من الإمارات والسعودية ومصر والولايات المتحدة، بين أعضائها الأساسيين الراعي الخارجي الأول لأحد طرفي الحرب. وهذا ما جعلها مجرد تمرين في إدارة الأزمة لا عملية سلام حقيقية، غايته الإيحاء بوجود اهتمام دولي، مع تحصين الإمارات من دفع أي ثمن. أما “الخماسية”، التي تضم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، فهي أوسع تمثيلاً لكنها ليست أكثر فاعلية. فلم يجرؤ أي من أعضائها على مواجهة الدور الإماراتي، ولا على وضع القوى المدنية السودانية، وهي التي تجسد النسيج الاجتماعي الحقيقي للحياة في السودان، في صدارة العملية. وعوضاً عن ذلك، قُدمت الفصائل السياسية التي تجدها القوى الخارجية مألوفة ويسهل عليها إدارتها، لتعيد إنتاج آلية استحواذ النخب ذاتها التي أجهضت كل مسارات السلام السودانية من قبل. والهوة بين ما يعرفه المجتمع الدولي عن هذا النمط وما هو مستعد لفعله إزاءه ليست عجزاً عن الفهم، وإنما خيار سياسي واعٍ. فهو يدرك أن زعزعة الترتيبات القائمة تقتضي تقديم حقوق المدنيين السودانيين وكرامتهم على مصالح قوى خارجية نافذة، وهذا ما لا يريده.
محاسبة لا تقبل الإرجاء، وكرامة لا بد من بنائها
السؤال الذي تراوغه كل النقاشات حول عملية السلام في السودان وتتحاشى مواجهته المباشرة هو كيف تنتهي هذه الحرب دون محاسبة مرتكبيها، ودون التزام جاد بتوفير شروط الحياة الكريمة للمجتمعات التي تحملت تكلفة كل حروب السودان؟ والجواب الذي لا مهرب منه، كما يشهد تاريخ السودان، أن ذلك غير ممكن، فلن يكون السلام عندئذ دائماً ولا عادلاً، وكل ما سينتج عنه هو تهيئة الظروف لدورة العنف القادمة. فقد ظل الإفلات من العقاب طوال هذا التاريخ هو المحرك الذي يعيد إنتاج الحروب، وكان غياب التنمية من أهم الآليات التي تتجدد بها هذه الدورة، إذ يولد الفقر والنزوح وانسداد البدائل الذي يرفد صفوف كل حركة مسلحة جديدة بالمقاتلين.
لا يمكن تصور أي نهاية لهذه الحرب طالما بقيت قوات الدعم السريع بأي شكل مع بقاء قيادتها الحالية. فلا بد من محاسبة قادتها، ومعهم قادة الجيش والفصائل المسلحة الأخرى المتورطون في الجرائم، وإقصائهم تماماً من أي ترتيبات سياسية أو أمنية في المستقبل. ولا ينبغي أن تبقى أي مليشيات في سودان ما بعد الحرب. ويجب أن يمثل قادة الفصائل العسكرية والسياسية المشتبه في ارتكابهم جرائم أمام قضاء يملك سلطة فعلية واستقلالاً حقيقياً. وقد يكون ذلك المحكمة الجنائية الدولية ذاتها، أو محكمة مختلطة تلتزم بمعاييرها، أو محكمة وطنية تبنى على تلك المعايير، وتعمل بالعربية أو باللغات السودانية المحلية أو بهم جميعاً، ويضطلع القضاة والمحامون السودانيون بدور أصيل في كل مستوياتها، لتكون العدالة أقرب ما تكون إلى الشعب السوداني وإلى المجتمعات التي وقعت عليها تلك الجرائم.
كثيراً ما تُستحضر تجارب جنوب أفريقيا ورواندا والمغرب وتشيلي والأرجنتين بوصفها نماذج لعدالة انتقالية مكنت مجتمعاتها من تجاوز الماضي دون محاسبة كاملة. لكن القراءة الأمينة لحصيلة هذه التجارب لا تسند ذلك التفاؤل. فقد تعمقت اللامساواة في جنوب أفريقيا، ولم تتبدل أحوال أغلبية مواطنيها السود اقتصادياً واجتماعياً إلا قليلاً، وانتهت رواندا إلى حكم استبدادي، والمغرب لم يتجاوز إصلاحات ديمقراطية شكلية. أما تشيلي والأرجنتين فتشهدان ارتداداً نحو قوىً سياسية تدين بالولاء لدكتاتوريات السبعينيات. فآليات العدالة الانتقالية التي تختزل المحاسبة في إجراءات شكلية وتترك هياكل السلطة دون مساس لا تحقق العدالة، وليس لدى السودان ما يدعوه إلى توقع نتائج مختلفة من النهج ذاته.
أما الجنود والمقاتلون من الرتب الدنيا، ولا سيما الشبان الذين انضموا لأن الانتماء إلى المليشيا كان مصدر الرزق الوحيد المتاح في مناطق حرمت من الاستثمار التنموي لعقود، فيتطلب التعامل معهم إطاراً مختلفاً، يستند إلى التقاليد السودانية في المصالحة المجتمعية عبر عملية وطنية مفتوحة لتصميم آليات المحاسبة، بما في ذلك الجودية والقلد والمجالس التي يقودها رجالات الإدارة الأهلية، مقترنة بآليات الحقيقة والتوثيق التي تضمن اعترافاً علنياً مسجلاً بما حدث ولمن حدث. غير أن المحاسبة على مستوى المجتمعات لا تنفصل عن السؤال المادي حول ما بعدها. فالمقاتلون السابقون والضحايا والمجتمعات النازحة كلهم يحتاجون إلى مسارات نحو حياة كريمة. وهذا يستدعي برامج تنمية اقتصادية في المناطق التي أنهكتها الحرب، ومعها الرعاية الصحية والتعليم والسكن وفرص العمل، حتى لا يعود الالتحاق بالمليشيات أو ركوب طرق الهجرة الخطرة هي الخيارات الوحيدة أمام أحد.
ولا غنىً عن جبر الضرر مالياً، على أن يكون جبراً حقيقياً واسعاً، يمول أساساً من أصول قيادة الدعم السريع بعد مصادرتها، ومن تعويضات يدفعها داعموه الخارجيون، وعلى رأسهم الحكومة الإماراتية. فمن دمر المجتمعات في هذه الحرب يجب أن يتحمل كلفة إعادة بنائها. كذلك لا بد من مواجهة قضية الأرض مواجهة مباشرة، فهي في صميم النزاعات في دارفور وكردفان، وهي عند كثير من المجتمعات التجسيد الأوضح للحياة الكريمة التي نادت بها الثورة. أما آليات المصالحة التقليدية فتستحق أن تؤخذ بجدية على مستوى المجتمعات، رديفاً للمحاسبة الرسمية لا بديلاً عنها، بشرط ألا تتحول، كما حدث من قبل، إلى أداة لتوزيع المال والسيارات، أو لتقديم التجنيد في المليشيات حلاً للضائقة المعيشية، أو التلاعب بهياكل الحكم المحلي بما يشق صفوف المجتمعات ويضرب نسيجها الاجتماعي.
لم يكن هتاف ثورة ديسمبر 2018، “حرية سلام وعدالة”، إلا مطالبة بالكرامة الإنسانية في أوسع معانيها. وهي كرامة لا تنحصر في الحريات السياسية والضمانات القانونية التي كثيراً ما تختزل فيها، وإنما تمتد إلى الأساس المادي الذي يمنح تلك الحريات معناها، من مدارس ومستشفيات وفرص عمل وخدمات، وإلى الأمان الذي يشعر به المواطن حين يعلم أن الدولة وجدت لتخدمه لا لتنهبه. ولذلك فإن أي عملية سلام تكتفي بإعادة ترتيب المشهد السياسي وتتجاهل هذا الأساس المادي محكوم عليها بالانهيار. فالمجتمعات التي أشعل حرمانها من التنمية فتيل النزاع ستظل محرومة، وسيجد شبان الجيل التالي أنفسهم أمام الخيارات ذاتها التي وقف أمامها آباؤه.
ما يجب المطالبة به
المجتمع الدولي متواطئ في ما يجري في السودان. فبيد الحكومات الغربية من أوراق الضغط الاقتصادية والدبلوماسية ما يكفي لتجعل أبوظبي تدفع ثمن دعمها للدعم السريع. وأصول الحكومة الإماراتية والشركات الإماراتية التي تمد الدعم السريع بأسباب البقاء معروفة ويسهل تتبعها، وهي حاضرة في الأنظمة المصرفية وأسواق العقارات في المدن الغربية الكبرى، ومع ذلك لم تطلها العقوبات. بل إن الحكومات ذاتها التي عاقبت كولومبيين لتجنيدهم مرتزقة يقاتلون في صفوف الدعم السريع، امتنعت عن اتخاذ أي إجراء ضد المسؤولين الإماراتيين الذين جندوهم. فإن كان المجتمع الدولي جاداً حقاً في إنهاء هذه الحرب، فأقل ما يجب عليه أن يواجه الدور الإماراتي دون مواربة، وأن يتوقف عن تصميم أطر سلام تستبعد القوى المدنية السودانية، وتكافئ المتحاربين بالسلطة والثروة دون شروط للمحاسبة، وتعامل أموال التنمية كمكافأة على التوقيع، لا التزاماً جاداً تجاه المجتمعات التي أسهم تجريدها من حقوقها وأرضها في اندلاع الحرب. ثم عليه بعد ذلك أن يتعامل بجدية مع السؤال عن كيفية تحقيق المحاسبة فعلاً. وعليه كذلك أن يكف عن النظر إلى اللاجئين السودانيين، وإلى المواطنين الذين يطلبون الأمان والتعليم في الخارج، باعتبارهم عبئاً يجب إدارته، بدل أن يراهم بشراً لهم حقوق واجبة الحماية.
تقوم القوى المدنية السودانية بكل ما تسمح به ظروف الحرب، وهو عمل بالغ الأهمية. فغرف الطوارئ التي أدارت معركة البقاء على مستوى الأحياء في المدن المحاصرة، ولجان المقاومة التي حافظت على تماسكها التنظيمي رغم النزوح والعنف، والتنظيمات النسوية العاملة عبر الحدود وفي معسكرات النزوح، هي الممثل السياسي الشرعي للناس الذين يتقرر مصيرهم في غيابهم. وبالتوازي مع عمل البقاء، تستطيع هذه القوى أن تبدأ منذ الآن، وتحت وطأة الحرب، ودون أن تنتظر عملية سلام قد لا تأتي قريباً، في رسم ملامح المحاسبة على مستوى المجتمعات. ويشمل ذلك توثيق الجرائم وتحديد مرتكبيها، وفتح الحوار بين الضحايا والمجتمعات النازحة حول متطلبات العدالة وإعادة الإدماج، وبناء الأطر التي ستحتاج إليها أي عملية جادة للمحاسبة بعد الحرب.
إن نضال السودان ليس معزولاً، ولا يمكن للمدنيين السودانيين الانتصار فيه بمفردهم. فالقوى ذاتها التي تحمي الإمارات من المساءلة في السودان هي التي تمكن العدوان على غزة، وتغض الطرف عن الكونغو. ولذلك فإن بناء التضامن بين هذه النضالات ضرورة سياسية، لأن المجتمع الدولي لن تحركه معاناة السودانيين وحدها، لكن يمكن الضغط عليه عبر تحالف واسع من الناس الذين يرون في كارثة السودان المنطق ذاته الذي يقاومونه في سياقاتهم الخاصة. وهذا الضغط، إذا انصب تحديداً على محاسبة من أشعلوا هذه الحرب وعلى تأمين الشروط المادية للحياة الكريمة للناجين منها، هو ما تتطلبه هذه اللحظة.

رابط المقال الأصلي باللغة الإنجليزية:
https://newpol.org/issue_post/sudan-liberal-peacebuilding-and-the-price-of-impunity/

husamom@yahoo.com

Author

حسام عثمان محجوب

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
مصر والتمدد في أفريقيا الأمن القومي أم إعادة إنتاج الإمبراطورية
منشورات غير مصنفة
محمد إبراهيم نقد .. في ذكرى رحيله الثالثة .. قراءة في دفتر الأحزان .. إعداد: محمد صلاح مختار
منبر الرأي
حركةُ الإسلامِ السياسي في السودان: الحصادُ المرّ .. بقلم: حمد عبدالهادي
الأخبار
وكيل أعلى نيابة المعلوماتية يصدر قراراً بإغلاق موقع صحيفة (السوداني)
شراكة السلطان والفوضى المُدارة- السودان بين انفراط السياسة وتفكك الجيش

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

خواطر الجمعة: في ونسة وضحك لامن قسمنا الليل .. كتب صلاح الباشا من السعودية:

صلاح الباشا
منبر الرأي

خبير سدود يصف ادارة التفاوض السودانية في سد النهضة بانها” اوف بوينت”‎

طارق الجزولي
منبر الرأي

كيف رفض حسني مبارك توجيه ضربة عسكرية الي السودان .. بقلم: محمد فضل علي

محمد فضل علي
منبر الرأي

من لا يملك قوته لا يملك قراره .. بقلم: عدلي خميس/ الدمام

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss