السودان: بين المركزية السياسية وفخ الفدرالية الإثنية
الجزء الأول: كيف وظفت الإنقاذ الفدرالية لإضعاف قدرة الأطراف التفاوضية؟
دكتور الوليد آدم مادبو
لم يعرف السودان منذ الاستقلال فدرالية دستورية مستقرة بقدر ما عرف محاولات متعاقبة لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم. فقد منحت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 جنوب السودان حكمًا ذاتيًا إقليميًا واسعًا نسبيًا، ثم جاءت تجربة الحكم الإقليمي في مطلع الثمانينيات لتوسيع اللامركزية إلى بقية البلاد من خلال أقاليم كبيرة. لم تكن تلك التجارب فدرالية مكتملة، لكنها انطلقت من فكرة أن الإقليم وحدة سياسية وإدارية ذات وزن، تستطيع أن تدير جانبًا معتبرًا من شؤونها وأن تفاوض المركز من موقع مؤسسي واضح.
غيّر نظام الإنقاذ هذه المعادلة. فقد رفع شعار الفدرالية ووسع عدد الولايات والمحليات، لكنه أبقى مفاتيح القوة الأساسية ــ المال والأمن والقرار السياسي ــ في المركز. ولذلك لم تكن المشكلة في أن السودان أصبح فدراليًا أكثر من اللازم، بل في أن النظام أخذ من المركزية قدرتها على تركيز السلطة، ومن الفدرالية قابليتها لتكثير الوحدات المحلية، من دون أن يأخذ من الأولى دولة المؤسسات، أو من الثانية الاستقلال الدستوري والمالي الحقيقي للأقاليم. ويمكن اختصار التجربة في مفارقة واحدة: مركزية أمنية، ولا مركزية خدمية، وتفتيت في المجال السياسي المحلي.
وتزداد أهمية هذه المفارقة إذا نظرنا إلى طريقة إعادة تشكيل الولايات. فتكثير الوحدات الإدارية لم يكن إجراءً محايدًا بالضرورة؛ إذ أدى في حالات عديدة إلى إضعاف الأقاليم التاريخية الأكبر وتقليص قدرتها السياسية والاقتصادية على التفاوض مع المركز. وكلما صغرت الوحدة الإدارية وضعفت قاعدتها المالية، ازداد اعتمادها على التحويلات والقرارات الاتحادية. وهكذا أمكن لتوسيع عدد الولايات أن يعمل، خلافًا لما يوحي به ظاهره، لمصلحة المركزية السياسية: فالمركز لم يعد يواجه أقاليم كبيرة ذات وزن، بل وحدات أصغر يعتمد كثير منها عليه ماليًا وإداريًا.
المشكلة الأشد خطورة كانت دخول الاعتبارات القبلية والإثنية بصورة متزايدة في تعريف هذه الوحدات وفي التنافس على مناصبها وحدودها ومواردها. فالقبيلة في السودان حقيقة اجتماعية قديمة، لكنها تصبح مشكلة دستورية حين تتحول الحدود الإدارية إلى حدود ضمنية بين جماعات تتنافس على الأرض والتمثيل والموارد. عندئذ لا يعود النزاع حول تبعية محلية أو ولاية مسألة إدارية محضة، بل يرتبط بالسؤال عن الجماعة التي تملك الأغلبية ومن ثم النفوذ السياسي والاقتصادي داخلها. وبدل أن تخفف الفدرالية التوتر بين المركز والأطراف، يمكن أن تنقل جانبًا منه إلى داخل الأطراف نفسها.
من الصعب إثبات أن تفتيت الكتل الإقليمية كان في جميع الحالات هدفًا معلنًا ومخططًا لا سيما أن نظام الإنقاذ تبنى تقصير الظل الإداري كفلسفة حكمية، لكن من الصعب أيضًا تجاهل الوظيفة السياسية التي أدتها هذه البنية. فالنظام السلطوي يستفيد، من حيث المبدأ، من التعامل مع عدد كبير من الوحدات الصغيرة أكثر مما يستفيد من وجود أقاليم كبيرة ذات موارد وشرعية وقدرة تفاوضية مستقلة. ولذلك يمكن القول، بتحفظ علمي ضروري، إن سياسات الإنقاذ إما استهدفت إضعاف الأقاليم أو انتهت عمليًا إلى ذلك؛ وفي الحالتين كانت النتيجة واحدة: قدرة أقل للأطراف على مواجهة المركز بوصفها وحدات سياسية متماسكة، وقدر أكبر من التنافس المحلي على الموارد والتمثيل.
لهذا لا يكفي وصف تجربة الإنقاذ بأنها “فدرالية ناقصة”. الأدق أنها مغامرة جمعت بين سوأتين: مركزية الدولة وتجزئة الأقاليم. احتفظت الخرطوم بالقرار الأمني والسياسي وبقدر كبير من التحكم المالي، بينما جرى توزيع المسؤوليات الإدارية على وحدات أضعف وأكثر اعتمادًا على المركز. وهذه صيغة مختلفة عن الفدرالية التي تفترض، في معناها الدستوري، أن للأقاليم سلطات أصيلة لا تستمد وجودها من رضا الحكومة المركزية ولا تستطيع الأخيرة إعادة ترتيبها منفردة كلما تغيرت المصلحة السياسية.
لا تعني هذه القراءة أن نظام الولايات هو السبب الوحيد، أو المباشر، للحرب التي يعيشها السودان منذ أبريل 2023. فالحرب نتاج أزمة دولة أوسع تشمل تعدد مراكز القوة المسلحة، وضعف المؤسسات، وانهيار التسوية السياسية، وتاريخًا طويلًا من النزاعات الإقليمية. لكن النظام الذي جمع لعقود بين مركزية السلطة، وإضعاف المؤسسات الإقليمية، وتسليح السياسة في الأطراف، أسهم في تكوين البيئة التي أصبح فيها العنف وسيلة متكررة للحصول على السلطة والموارد والاعتراف السياسي.
ومن هنا تظهر المفارقة الكبرى في تجربة الإنقاذ: لقد أضعفت الأقاليم باسم الفدرالية، لكنها لم تستطع في النهاية حماية المركز نفسه. وحين انهارت منظومة الحكم، لم تكن هناك مؤسسات اتحادية راسخة تستطيع امتصاص الصراع، ولا أقاليم قوية دستوريًا قادرة على تثبيت الدولة من أسفل. ما بقي كان مركزًا تتنازع عليه قوى مسلحة، وأطرافًا تراكمت فيها مظالم وصراعات محلية متعددة المستويات.
لذلك فإن الدرس الذي تتركه هذه التجربة ليس الدعوة إلى العودة للمركزية. فالمركزية القديمة كانت جزءًا أصيلًا من الأزمة السودانية قبل الإنقاذ. لكنه ليس أيضًا أن الحل يكمن في مجرد مضاعفة الحكم الذاتي أو تحويل الهويات المحلية إلى وحدات سيادية. فالمشكلة التي ينبغي أن تجيب عنها أي فدرالية سودانية مستقبلية هي: كيف يمكن بناء أقاليم قوية بما يكفي لموازنة المركز، من دون أن تتحول الأقاليم نفسها إلى كيانات سياسية تقوم على احتكار جماعة إثنية للأرض والموارد؟
وهنا ينتقل النقاش من تجربة السودان إلى المقارنة: من النموذج الأمريكي، حيث تقوم الفدرالية أساسًا على تقاسم دستوري للسلطة، إلى النموذج الإثيوبي الذي أدخل القومية نفسها في تعريف الإقليم وحقوقه الدستورية. وبين النموذجين يبرز السؤال الذي يهم السودان أكثر من غيره: أي نوع من الفدرالية يحقق الإنصاف من دون أن يحول التنوع إلى بنية للتفكك؟
auwaab@gmail.com
