“السودان وساوندات السيستم!”

أولاً و دائماً : رحمة الله على الشهداء من بيننا و ردَّ الله كل مُعتقلينا و مُغيَّبينا و مُشرَّدينا و رفع الغمَّة و نصر الأمَّة.

و في السودان؛ مَن يَلتقي مَن و مَن يتحدَّث و عمَّن و مَن يُصَرِّح و بإسم مَن و مَن يفتتح و على مَن؟ نعم فمِن كثرة تناقضات “الصرف” و “النجر” منهم فقدنا الإحساس بوجودهم و مَن “مَن”؟!

*

وسائل التواصل الاجتماعي -“الميديا”- فرشت الكتابة في “السهلة”! مَن منا لم “يُفضفض” فيها فهي لا تقيدك كتعبير -إن تحفظنا على نوعية المضمون و لوائح النشر- و لا تحمِّلك في صيغتها “الحرَّة” أمانة الحدث أو نقله الخبر. لكن عندما تختار أنت متبرعاً نقل الأخبار أو “الأقوى” التصدُّر لها و كتابتها تجزم أنك “بالخمسة تبصم على صحتها” بل أنت صاحبها و تزعم معرفتك بخفاياها فعندها أنت تتحمل تلك الأمانة و مسؤولية الخبر و نقله و تستوجب المحاسبة لك خاصة إذا كنت “هاوي” من مختلف المسميات من الناشط و التيكتوكر و غيرها و لا علاقة لك بالصحافة و لا الإعلام أساساً!

و في عصرنا “فرَّغ” البعض نفسه لنقل الأخبار صحيحها و غريبها و نشرها تداولها على صفحاته الخاصة في وسائط الميديا المتنوعة لأسباب مختلفة و إن كان أهمها جذب المتابعين و زيادة الزوار له و ما يترتب على ذلك من حسابات و عوائد مادية و معنوية. و تزاحم نقَّال الأخبار في الميديا حتى حجبوا حقيقة الخبر و المعلومة نفسها معهم من كثرة نسخهم و نقلهم للأخبار مع بعض اللمسات الشخصيّة “التتش” منسوبة حصرية لكل منهم!

*

و في “حرب الاستباحة” على السودان كانت و مازالت وسائل التواصل الإجتماعي و الميديا تشهد معارك محتدمة من نشر الإشاعة و تكذيب الحقائق و تناقل البيانات المدسوسة و التلفيق و التدليس و التشهير و تقاذف الفتن درجة أن جعلت التعرُّف على حقيقة واحدة و مصدر أي خبر صحيح سليم مؤكد مستحيلة! و برزت بيننا أسماء لأشخاص و كيانات ما بين صفحات موثقة لأصحابها أو غامضة لألقاب مجهولة و أوصاف منكورة تُتاجر في و من دماء و أرواح و أعراض أهلها!

*

لنتخيل “الآن” أن لا وجود لتلك الوسائل كلها بأنواعها و منصَّاتها و معها شبكات الاتصال اللاسلكي و الخلوي -الجوال- بأشكالها الحديثة. فقط؛ اتصالات الخطوط الأرضية الثابتة و توابعها كالفاكس و مراساي وسائل الإعلام و “مناديب” الصحافة المختلفة. كيف سيكون واقعنا و أخبارنا و الحروب التي تشتعل فينا و تحرقنا بدون أكوام “أبطال الميديا”؟ حروب و مجازر استباحة و إبادة لنا صامتة!

*

لكن التاريخ شاهد على حروب فيه لم تشهد أي دعايات -لا بروباغندا- مصاحبة لها لا قبلها! كانت أخبار تلك الحروب تصل بعد أيام و أسابيع و أشهر و قد تصل و الحرب انتهت و المدن سقطت و القادة صُلبت و الناس ماتت!اليوم أكثر الحروب دم مسفوك مشهود بينما يخوض الساسة و النشطاء و الحركات و القوى و غيرهم معاركهم العامة أو الخاصة في سوق الوكالة أو النخاسة ما بين ساحاتها الميديا!

*

جغرافية المنطقة الآن ثبُت أنها يتم التلاعب بها و إعادة ترسيم حدودها و تمزيق شعوبها و تقسيم المغانم بين “الكبار” فيها. و كبار اليوم ليسوا هم أنفسهم الذين كانوا فالحال تبدل مع أكثرهم. حتى الحروب التي كان أولها كلام ثبت اليوم أنها أولها منشورات و تصريحات و ندوات و تغريدات -تغريدات “ترامب” مثال-!

*

ما الفائدة عندما تُعلن أجهزة الأمن و المخابرات و الاستخبارات العسكرية و الجيوش و الدول عموماً أنها تحصَّلت على معلومات أو أدلة على أن مصيبة “ما” ستحل بشعبها و تهدد أمن وطنها ثم و بعدها مباشرة أو بعد “حين” تحل بالجميع تلك المصيبة!! و ماذا استفدنا من ترديد البعض لإعلانات تلك الأجهزة! فكيف بقيادات لجيش عريق و اخرى معها من الأحزاب و الحركات و الساسة تقود دولة غصباً كانت و ظلت “تُبشِّرُ” شعبها بالمصائب التي “كانت” تراها و تعلمها و تعرف خباياها و أسرارها بل و تشارك فيها إن لم تصنعها و بعد وقوعها المصيبة تلو المصيبة! هل في ظنهم أن “وساماً” لاستحقاق ما سيُمنح لهم؟ أم طمعاً في العفو عنها! أم لنعلم -كمعلومة- أنهم كانوا يعلمون فنشهد -للزمن و لهم- على أنهم لم يؤخذوا و نحن معهم بغدر أو بالتغفيل أو حتى خيانة!! أو فقط من باب “الحقوق محفوظة لأهلها” أم ذاك من الغباء و الحمق أو دليل على الغرور أم النرجسية فيهم أم ماذا؟!

*

عصابات من المأجورين و قطاع الطرق و المعتدين على الحرمات و الأعراض و القتلة مهما أطلق عليهم من مسميات لتلميعهم و ألبسوا من الثياب لتنظيفهم و شاركهم من أقوام ليشفعوا لهم سيبقون في الوضاعة كأصلهم. فمن عاقل له أصل و شرف سيتسامح أو يتصالح معهم؟!

*

حتى سقوط الأنظمة و صعودها كانت تضع اللمسة الأخيرة فيه إن لم تدبِّره كله و تحفر له القوى العظمى! و شيطان العرب يظن أنه أصبح منها! فعندما كانت تقرع طبول الحرب على إيران كانت على الأرض فعلياً تستباح بلاد الأقصى و غزة و الشام و لبنان و اليمن معها و عندما رفعت إشارة تقزيم مصر و تكسير شوكتها كانت حروب الانفصالات و التقسيم تحرق ليبيا و السودان بعدها ثم الصومال المنسي فإريتريا و الحبشة “ميناء الصومال و سدها”!

*

في الواقع تبقى الأنظمة التي تخدع شعوبها و تخدرهم مستخدمة إعلامها و أبواقها من بشريات فرج قريب و نصر أقرب و استثمارات موعودة في باطن الأرض و تحت البحر و عليها و ساعات اجتياح للأرض و عبور لجيوشها و سويعات لدحر غزاتها و تحرير أرضها و و … تبقى -تلك الأنظمة- هشَّة كسيحة واهمة. فما يصدقه الشعب أينما كان هو واقع حياته و أمنه و معاشه. شعوب تلاحق الأخبار و الأسرار لمعرفة حقيقة حاضرها واقعها و مستقبلها هي شعوب تفتقد أبسط واجبات الحكم الرشيد و حكمة نظام القوي الأمين العادل!

*

و مازالت تستباح فينا الدماء و تزهق الأرواح و تنتهك الأعراض و كتائب الأتباع و جحافل التُبَّاع يُسوِّقون الأكاذيب لنا و بيننا يتناطحون و يتراقصون هناك في “نقعة الميديا”! و القوم من سكرتهم ؛ يُناقضُون أنفسهم كلما شبَّ للتصريح و النهيق منهم أحدهم! تغنوا بينما “الناس تموت” أمامهم و من حولهم و تعالى الهجيج لهم و عليهم “بالساوند سيستم”! فهناك من تعشَّى.

محمد حسن مصطفى
mhmh18@windowslive.com

عن محمد حسن مصطفى طارق

شاهد أيضاً

السودان؛ الحرب المشهودة

السودان؛ الحرب المشهودة الإدانة لفقط تسجيلها كنقطة وموقف هي كالتوقيع بجملة “العاقبة عندكم في المسرات”! …