محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
بين خريطة الوطن التي تمزقت بفعل الرصاص، وبين دروب الشتات التي فُرضت على الملايين تُحاك اليوم قصة حب من نوع فريد هي ليست قصة عشق بين شخصين بل هي علاقة وجدانية معقدة وعميقة تجمع بين المواطن السوداني وأرضٍ اسمها “السودان”؛ تلك الأرض التي غادرها مجبراً لكنه لم يسمح لها يوماً بأن تغادره.
تحول السودانيون في ليلة وضحاها من أصحاب دور ومشاريع وأحلام إلى “نازحين” داخل حدود وطنهم يبحثون عن أمان مفقود تحت ظلال المدارس أو في مراكز الإيواء وإلى “لاجئين” في دول الجوار والشتات البعيد يحملون صفات قانونية جديدة في جوازات سفرهم، لكنهم يرفضون تبديل هويتهم في أعماقهم.
المفارقة المدهشة في هذه المأساة هي صمود الانتماء فبينما تشتت الأجساد توحدت القلوب على “سودانية” عابرة للحدود، وفي مخيمات النزوح في كسلا او كوستي مثلا وفي مقاهي القاهرة، وشوارع نيروبي، وأرصفة الغربة في أوروبا لا تزال “الجبنة” (القهوة السودانية) والزي القومي (الثوب والعمامة) وصوت “الحقيبة” والمديح النبوي هي الطقوس التي تثبت للجميع أن السودان ليس مجرد بقعة جغرافية بل هو “حالة شعورية”.
أن تحب السودان اليوم يعني أن تتألم لأجله ولكن أن تأمل فيه أيضاً. هذا الحب يتجلى في صور التكافل الأسطورية التي يمارسها السودانيون؛ فالمغترب يقتسم رغيف خبزه مع النازح واللاجئ الذي استقر قليلاً يفتح بيته للقادمين الجدد.
“نحن لا نحمل السودان في جوازات سفرنا فقط بل نحمله في ‘نبرة صوتنا’، في عزة نفسنا التي لم تكسرها مراكز اللجوء، وفي يقيننا بأن هذه المحنة هي مجرد مخاض لولادة فجر جديد.”
إن قصة الحب هذه هي التي تجعل “الرجوع” ليس مجرد فكرة بل هو الهدف الأسمى. السوداني اليوم وهو يواجه قسوة الغربة أو مرارة النزوح لا يبحث عن وطن بديل ليذوب فيه بل يبحث عن “منصة” ليقف عليها حتى يعود لإعمار داره.
هذا الانتماء الجارف هو الضمانة الوحيدة لترميم ما انكسر فالبلاد التي يسكنها أهلها في قلوبهم قبل بيوتهم هي بلاد لا تموت حتى وإن تكالبت عليها المحن.
سيظل السودان هو “القصيدة” التي نرددها في غربتنا، و”الحلم” الذي يراودنا في نزوحنا و سنظل نحمله في قلوبنا غصةً لفراقه وشوقاً للقائه، وإيماناً بأنه سيبقى شامخاً بصبر إنسانه وعظمة تاريخه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم