الصادق حمدين
أسوأ الجرائم لا تُرتكب في العتمة، بل في وضح النهار، حين تُنتهك الأرض وتُستباح الكرامة، ثم تقابل سلطة اللاسلطة ما جرى بصمت يثير الأسئلة ويضاعف الشعور بالخذلان.
إن ما حدث للمعدّنين السودانيين داخل الأراضي السودانية في منطقة العقيدات شمال الوادي، ليس واقعة عابرة يمكن تجاوزها بالتجاهل والجبن والخذلان، بل قضية قومية تمسّ جوهر السيادة الوطنية وواجب الدولة في حماية المواطن السوداني. والأشد إيلاماً من الحادثة ذاتها هو غياب موقف رسمي واضح من سلطة الأمر الواقع، يضع الشعب السوداني أمام الحقيقة، ويؤكد أن دماء السودانيين وكرامتهم ليستا تفصيلاً عابراً في حسابات السياسة.
كيف تُنتهك أرض السودان ويُستهدف أبناؤه الأبرياء، ثم لا يكون لسلطة الأمر الواقعي رد سياسي أو دبلوماسي يتناسب مع خطورة وجسامة ما جرى؟ أين الاحتجاج، وأين المطالبة بالتوضيح والمساءلة، وأين حق الشعب السوداني في معرفة ما اتُّخذ من إجراءات لصون سيادته؟ وهل أصبحت العلاقات مع مصر، مهما بلغت من روابط التاريخ والجغرافيا، مبرراً للصمت عن الحقوق الوطنية؟
لسنا دعاة حرب، ولا نطالب بفتح جبهة جديدة في وطن أنهكته الصراعات؛ إنما نطالب بموقف شجاع ومسؤول، يحفظ للسودان هيبته، ويصون كرامة مواطنيه، ويؤكد أن الصداقة بين الدول لا تعني التنازل عن الحقوق، وأن حسن الجوار لا يمنح أحداً حق المساس بالسيادة الوطنية.
يا برهان أيها المتخازل الجبان، كيف تطلب ثقة السودانيين في الأزقة والحواري و”كوانين ستات الشاي” وحفلات “الراب” و”الدافوري”، وأنت لا تضعهم أمام موقف واضح إزاء ما يمسّ أرضهم وكرامتهم وأبنائهم؟ إن السيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطب الجوفاء، ولا امتيازاً تملكه السلطة الغاشمة، بل حقّ للشعب وأمانة في عنق من يحلم أن يتولى حكمه. ومن يتحدث باسم الدولة رغماً عن إرادة شعبها مطالب بأن يثبت، بالفعل لا بالقول، أن الوطن ليس مستباحاً، وأن كرامة مواطنيه ليست رهينة حسابات السياسة.
إن الصمت الجبان، إن استمر بلا تفسير، يفتح أبواب الشك ويعمّق أزمة الثقة بين الشعب وبين من يدعي تمثيله رغماً عنه. وليس من الإنصاف والعدل أن يكون الصمت والخذلان هو سيد الموقف، لكن من حق السودانيين أن يسألوا، وأن يطالبوا بالشفافية والمحاسبة، وأن يرفضوا أن تتحول السيادة إلى كلمة لا تحضر إلا حين تخدم مصالح الحاكم المغتصب للسلطة.
يا لعارك يا برهان وهوانك إن عجزت عن صون هيبة الدولة التي تدعي سيادتها، ويا لهوان السيادة حين تُختبر بالصمت الجبان!
فكيف تنام، يا برهان، والأسئلة معلّقة حول سيادة وطنٍ يفترض أنك مؤتمن عليها بقوة السلاح؟ إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى موقف يليق بأرضه وشعبه؛ موقف يؤكد أن كرامة السودانيين لا تُستجدى، وأن سيادة الوطن ليست موضع مساومة أو بيع بثمن رخيص، وأن الصداقة مع الجيران لا تعني الانحناء أمام انتهاك الحقوق والسيادة الوطنية.
فالأوطان لا تفقد سيادتها حين تُنتهك حدودها فحسب، بل حين يصبح الصمت عن انتهاكها سياسة، ويغدو العجز عن الدفاع عنها أمراً مألوفاً. لا نطلب منك موقف لأنك أجبن من أن تحفظ كرامتك الذاتية ناهيك عن كرامة وطن يبكي سيادته المنتهكة بطيران من تدعي أنها جارة ولها روابط جغرافية وتاريخية.
Sent from Outlook for iOS
