الشماتة في الوطن .. بقلم: سيف الدولة حمدنالله

أصدق ما قيل في وصف المحنة التي نجمت عن حكم الانقاذ، أنها قد نجحت في ربط مصير الوطن  بمصيرها، وعلى مرارة هذه الحقيقة الاٌ أنه  قول يحمل كثيراً من الصحة، بما يعني أن سقوط الحكومة المركزية في الخرطوم  سواء بانتفاضة شعبية أو بعمل مسلح، سوف يؤدي الى تشظي ما تبقى من جسد الوطن ونشوء ثلاث جمهوريات جديدة ان لم تكن أربعة وفي لحظة واحدة ، وبلوغ هذه النتيجة لا يعتمد على  تنبؤ أو تحليل للواقع السياسي ، ولكنها نتيجة لازمة ومنطقية لسقوط  أي نظام قمعي وديكتاتوري يعتمد في بقائه في سدة الحكم على القبضة الأمنية والعسكرية، وما يجري حولنا من تجارب عند سقوط الأنظمة التي تشابه حكم الانقاذ  يؤكد ذلك  ، فحينما سقط نظام القذافي ، أعلن “مؤتمر برقة الشعبي” في شرق ليبيا عن استقلال الاقليم وتكوينه دولة مستقلة بقيادة الشيخ أحمد الزبيري السنوسي، وفي مصر خرجت محافظة سيناء بكاملها عن سيطرة الدولة، وهي منطقة  يسكنها البدو المتمرسين على استخدام السلاح، ولا يزالون يديرون الاقليم بمعرفتهم خارج نطاق سلطان الدولة، واستولوا على كثير من المرافق الحكومية بما في ذلك مراكز الشرطة زاحتفظوا  بعدد من ضباطها كرهائن، ولا تعرف الحكومة المصرية المصير الذي انتهوا اليه.
والسيناريو الأقرب لظروف السودان، هو ما حدث قبل أيام في جمهورية مالي، فالرئيس “أمادو توماني توري” الذي أُطيح به في انقلاب عسكري، لا يختلف كثيراً عن الرئيس البشير، فهو رئيس منتخب على الطريقة الأفريقية التي جعلت البشير رئيساً على السودان، و حكومته، مثل حال الانقاذ، تواجه حرباً مسلحة تقوم بها قبيلة (الطوارق) في شمال البلاد وهي تشتكي ظلم الحكومة المركزية والتهميش العرقي وتطالب بحكم ذاتي للاقليم، ويشتكي الشعب المالي، مثل حالنا، من تفشي الفساد وغياب حكم القانون، وفي البيان الأول للانقلاب ذكر قائده النقيب “أمادو ساتوجو” أنه جاء من أجل تحقيق وحدة البلاد وانهاء التمرد القبلي، ولكن الذي حدث أنه وبمجرد نجاح الانقلاب في العاصمة (باماكو)، هرب الجنود الموالون للرئيس “أمادو” من الوحدات العسكرية التي كانت تتمركز في الأقاليم وتركوا ورائهم مخازن الأسلحة والذخيرة والآليات العسكرية، وكانت النتيجة قيام قبيلة الطوارق بوضع يدها على تلك الأسلحة واعلان انفصال اقليم (أزواد) في شمال مالي عن حضن الدولة، وهي أزمة الله وحده الذي يعلم كيف تنتهي في ظل التعقيدات التي نجمت عنها وليس من المناسب الخوض في تفاصيلها ونحن غارقون في حديثنا عن مصيبتنا.
في تقديري أن هذه الصورة القاتمة، هي التي دفعت بالسيد/ الصادق المهدي لاطلاق شعاره الذي يقول: “اصلاح نظام الانقاذ لا تغييره”،  ويؤسفنا القول بأن الذي أوصل بنا الى هذا (المطب) هو فشل حزب الأمة قبل غيره في الاتفاق مع قوى المعارضة الأخرى التي تشترك معه في المسئولية بمقدار متفاوت  عن الفشل في الوصول الى اتفاق حول (مشروع) مشترك يوضح الكيفية  التي يكون عليها شكل الحكم بعد ازالة النظام، والاتفاق على المبادئ التي تضمن سلامة الوطن عندئذ وتمنع الانفلات، وذلك بالتعاهد على وحدة الوطن وكبح الدعاوى القبلية والأثنية التي تقود للنتيجة المخيفة التي وردت في مقدمة هذا المقال، ونشر قيم التسامح والتعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد لترجع الى ما كان عليه الحال قبل حكم الانقاذ، ولا يكفي أن يؤمن قادة الأحزاب والحركات المسلحة في دارفور والجبهة الثورية وجبهة الشرق بمثل هذه القيم، فالجراح التي خلفتها سياسة الانقاذ في نفوس الضحايا من أفراد الشعب في تلك القبائل، تستلزم الكثير من الجهد لتضميدها وازالة آثارها بين عامة الناس.
نعم، نحن ننادي بالتغيير لا بالاصلاح، مهما كان الثمن، فالأفضل أن نكتب نهايتنا بأيدينا بدلاً عن أن نشهد نهايتنا على أيدي جلادينا، ففي الحالتين نحن ضائعين، فلم يبق لدينا شيئاً نخسره، فالموت بطلقة على الرأس أفضل ألف مرة من الوفاة بالتقطيع بموس حلاقة، فالجسم الذي يقبل الاصلاح لا بد أن يكون فيه طرفاً للامساك به ليمكن معالجته، والانقاذ كلها معطوبة، ليس فيه خيط سليم لنمسك به، وأقسى  ما فعلته بنا أنها هزمت الشعور بالوطن في (الانسان) السوداني، حتى أصبح المواطن (يشمت) في ما يحيق بوطنه من محن، ولا أريد الحديث عن أمثلة تفتق الجراح علينا، ولكنها حقيقة وان انكرها واستنكرها القلب والفؤاد.
فالمواطن أصبح يرى فيما يحيق بالوطن من بلاوي يصيب الانقاذ وحدها، وبات يهلل للمحن التي تصيب الوطن ما دامت تؤذي أهل الانقاذ، فلم يبق فيه شيئ يؤذى فقد عاش الأذى حتى أصبح جزءاً من حياته، والأذى لا يصيب الاٌ أهل النعمة، فالجائع لا يضيره غياب (العجوى) من المائدة، ومن الأمثلة التي  لا تؤذي أن الناس باتوا يفرحون حين يرتفع الدولار، وحين يتوقف تصدير البترول، وحين يسمعون بأن المتعافي ينوي زيارة مشروع زراعي بطائرة هيلكوبتر و…و….، نعم، لقد أصبح الشعب ينتظر أن تحل به الكارثة ليهدم المعبد على راسه ورأس الانقاذ !!
المشكلة أن الانقاذ تعيش في عالم آخر ولا تدري بما فعلته بالشعب وبالوطن، ولا تزال تتحدث عن نعمها على الوطن، وهو حديث حالم وتنقصه الكياسة، ففي قلب هذه المحنة التي نعيشها هذه الايام ، استمعت للسيدة عزة عوض الكريم وزيرة الدولة للاتصالات وهي تتحدث  في لقاء ببرنامج المحطة الوسطى بقناة الشروق ، وان لم أكن مخطئ فقد عاشت هذه الوزيرة جميع مراحل حياتها قبل قدومها للوزارة في أوروبا أو أمريكا، فهي تتحدث اللغة العربية بلكنة انجليزية، والحري أنها تتحدث الانجليزية بلكنة عربية،  ولكن الأهم أنها كانت تتحدث عن المشروع الذي تعمل الوزارة على تحقيقه وتنفق عليه ما تنفق من أموال هذه الأيام ، وهو مشروع (عنونة) منازل السودان، عنونة ايه يا شابة !! قالت أن وزارتها تعمل على اعطاء كل شارع أو زقاق في (السودان) رقم أو اسم معين، ثم يُعطى كل منزل رقم في ذلك الشارع ، فتقول 15 شارع الشواربي أم بده بالردمية، مثلما يقول الانجليز (تن داوننق ستريت) وسط لندن، طيٌب وبعدين ، قالت الوزيرة ثم نقوم بربط كل هذه المعلومات بشبكة الاتصالات والانترنت والجي بي اس، ثم مضت تقول: وبكده يستطيع أي مواطن أن يشتري كل مستلزماته عن طريق التسوق الاليكتروني (أونلاين) عن طريق بطاقة الائتمان أو (الفيزا كارد) لتصله مشترواته حتى باب بيته من أي (حتٌه) في العالم أو حتى لو كانت نشترواته من سعد قشرة،
بعد سماعي لهذا الحديث : قلت بصوت عالي الله أكبر ثلاث مرات ثم  أطفأت التلفزيون بغرض النوم ، ولكنني عوضاً عن ذلك بدأت مسيرتي الليلية مع الأرق.
سيف الدولة حمدناالله
saifuldawlah@hotmail.com

عن سيف الدولة حمدناالله

سيف الدولة حمدناالله

شاهد أيضاً

ملطشة الدكتوراه في السودان

سيف الدولة حمدنااللهساء كثيرون – وهو بالحق مُسيئ – ما ورد بمقال للكاتب الأردني فهد …

اترك تعليقاً