الصين وحدود الاحتمال الاستراتيجي لحصار إيران

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
عندما تُفرض على إيران قيود بحرية تطال شرايينها النفطية، يتجاوز السؤال حدود طهران ليطال بنية أوسع تتصل بصعود الصين. فإيران في هذا السياق تمثل عقدة حيوية ضمن شبكة الممرات التي تقوم عليها حركة الطاقة والتجارة العالمية، والتحكم في هذه العقدة يكشف عن مستوى أعمق من الفعل الاستراتيجي، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد في صياغة موازين القوة.
وما يجري في الخليج الآن يندرج ضمن نمط من الصراع يتجاوز القوالب التقليدية للحروب. تتشكل فيه حالة ممتدة من الضغط المتعدد المستويات، حيث تتكامل الأدوات العسكرية والاقتصادية والإعلامية ضمن بنية واحدة أسميها بـ”العدوان المركب”.
وهو توظيف متزامن ومتكامل لأدوات عسكرية واقتصادية وإعلامية وسيبرانية بهدف إضعاف دولةٍ ما عبر استهداف شبكاتها الحيوية وتدفقاتها الاستراتيجية، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
في هذا الإطار، يظهر الحصار البحري المفروض على إيران كأداة تحمل رسالة استراتيجية مزدوجة. من جهة، يسعى إلى إعادة تشكيل المجال الحيوي الإيراني عبر التحكم في تدفقات الطاقة. ومن جهة أخرى، يضع الصعود الصيني أمام اختبار عملي يتعلق بقدرته على حماية شبكاته الحيوية هو الآخر خارج حدوده الجغرافية. وهنا يتكشف أحد أبعاد العدوان المركب، حيث يتم توظيف الضغط على طرف إقليمي لإعادة ضبط سلوك قوة دولية صاعدة.
يجدر التذكير هنا أن بكين وطهران وقعتا اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل في 2021م ، وهي اتفاقية إطارية تمتد لخمسة وعشرين عاما، وتشمل قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعاون الأمني. هذه الاتفاقية تمثل ركيزة في انخراط الصين في المنطقة، كما تمنح إيران موقعا متقدم داخل شبكة مبادرة مبادرة الحزام والطريق. ومن هذه الزاوية، يتحول الضغط على إيران إلى ضغط على أحد المسارات الحيوية التي تغذي الاستراتيجية الصينية في بعدها العالمي.
تقوم هذه الشراكة بإختصار على
توسيع التعاون في مجالات الأمن والتكنولوجيا والفضاء السيبراني
هذه العناصر مجتمعة تُشكّل جزءا من شبكة مترابطة، حيث تتوقف فاعلية كل عنصر على استقرار الآخر. وفي هذا السياق، يكتسب التحكم في الممرات البحرية وزنا حاسما، لأن تدفقات الطاقة والتجارة تمر عبر نقاط اختناق جغرافية محددة، يتحول التحكم فيها إلى أداة تأثير تتجاوز حدود الدولة المستهدفة.
ضمن هذا المشهد، يبرز مفهوم “السيطرة على الممرات” كأحد المحددات الأساسية للقوة في النظام الدولي المعاصر. فالممرات البحرية تشكل بنية تحتية خفية لاستمرار الاقتصادات الكبرى. وعندما تُوضع هذه الممرات تحت الضغط، تمتد آثار ذلك إلى شبكات أوسع من الاعتماد، وهو ما يجعل الحصار البحري أحد أكثر أدوات العدوان المركب فاعلية في إعادة تشكيل التوازنات.
مهما يكن من امر فالملاحظ ان التجربة الصينية في العقود الماضية قامت على نموذج يركز على التوسع الاقتصادي وتعظيم المصالح المشتركة، مع قدر عالٍ من تجنب الاحتكاك العسكري المباشر. غير أن الحصار البحري لإيران يدفع هذا النموذج إلى منطقة اختبار، حيث تتقاطع الحاجة إلى استمرار التدفقات مع ضرورة حمايتها في بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات التنافس.
الاعتماد الكبير على الطرق البحرية في نقل واردات الطاقة يضيف بعدا إضافيا لهذا التحدي. فالممرات الحيوية في الخليج العربي وبحر العرب تمثل نقاط عبور رئيسية، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، يتحول التحكم في التدفقات إلى عنصر مركزي في معادلة القوة، ضمن إطار أوسع من العدوان المركب الذي يستهدف البنى لا الوقائع الآنية فقط.
لذلك يمكن القول ان الخيارات الصينية في مواجهة هذا الواقع تتوزع على عدة مسارات محتملة:
أولها أن تعمل الصين ضمن مسار رمادي يهدف لتقليل أثر الحصار عبر أدوات غير مباشرة، تشمل توسيع استخدام عملتها في التسويات، وتكثيف الحضور الدبلوماسي، وتعزيز قدرات الشركاء الدفاعية. هذا المسار يعكس قدرة على إدارة الضغط ضمن حدود محسوبة، مع الحفاظ على استمرارية التدفقات.
ثانيها سيناريو الانكفاء التكتيكي، تُعاد موازنة الأولويات بما يحافظ على استقرار الإمدادات من مصادر متعددة، مع تقليص الانخراط في بؤر التوتر المرتفعة. هذا الخيار يحد من المخاطر المباشرة، لكنه يطرح تساؤلات حول مدى صلابة الالتزامات طويلة الأمد.
وأخيرا الصدام المباشر وهو المسار الي يشكل حضور بحري أكثر وضوحا لحماية خطوط الإمداد، مع إبقاء مستوى الاحتكاك ضمن حدود يمكن التحكم فيها. هذا الخيار يفتح الباب أمام تحولات أوسع في طبيعة الدور الصيني خارج نطاقه التقليدي.
إلى جانب هذه المسارات، يبرز بُعد آخر يتعلق بصورة الصين كشريك دولي. فالدول التي ترتبط معها بشبكات اقتصادية واستثمارية تراقب كيفية إدارتها لمثل هذه الأزمات. ويؤثر ذلك في تقييم مدى قدرتها على توفير بيئة مستقرة لشركائها، خاصة في سياقات يتصاعد فيها الضغط على الممرات الحيوية ضمن بنية العدوان المركب.
في هذا السياق، تكتسب المقارنة مع فنزويلا – التي تخلت عنها الصين – دلالة مهمة، حيث تعلّق الأمر هناك بمورد يمكن تعويضه ضمن شبكة أوسع، بينما يرتبط الوضع في إيران بممرات ذات تأثير مباشر في حركة الطاقة العالمية. هذا الفارق يمنح الحالة الإيرانية وزنا مختلفا في الحسابات الاستراتيجية الصينية.
خلاصة القول أن ما يجري في الخليج العرب يكشف عن لحظة اختبار تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد ضمن بيئة دولية تتسم بتزايد أدوات العدوان المركب. ويتحول السؤال في هذه اللحظة إلى طبيعة العلاقة بين القوة الاقتصادية والقدرة على حماية ممراتها، في عالم تُعاد فيه صياغة معايير النفوذ عبر التحكم في التدفقات الحيوية.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

حرب المخاطر العشرة غير المحسوبة.. العدوان المركب

كتب د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانيةفي الثامن والعشرين …