الضمان عند صاحب الضمان

بقلم الريح علي الريح
elryahali@gmail.com

طبعا لن يصبح السودان قبل الحرب نفس السودان بعد الحرب من كافة النواحي والمناحي وهذا لا يختلف عليه اثنان.
نعم قد يكون حكمي متعجلاً على اعتبار أن المفاوضات لم تبدأ بعد وليست في حسبان طرفي الحرب، ولم تتدخل حاملات الطائرات الأميركية لحسم فوضى الكاهن والمؤسس، ولا توجد هدنة انسانية ولا بشاير وقف لاطلاق النار.
ولكن مؤمن بان السودان على الأرجح تغير؛ لثلاثة عوامل رئيسية: الحرب والسلام وما يرنو اليه شعب السودان اي النظام المدني الديمقراطي خيارنا الافضل والارجح.
طبعا الحرب قبل ذلك سرعت بحرق المرحلة، وتدفع السودان نحو التغيير الذي يتكرر الحديث عنه منذ الاستقلال وحتى يوم الناس هذا وعكس ما يريد جنرالاتها، ولا اكون مخطئاً عندما اقول توجد بشائر نظام جديد، حيث تغيرت قيادة الدولة نتيجة الحرب وستتغير نتيجة السلام سيشمل التغيير السلم الطويل من جنرالات الحرب وقادة المؤسسات وأعلى الهرم الأعلى نفسه وفي طرفي الحرب نحن على موعد مع سودان جديد ليس كما كان يرنو له دكتور جون قرنق وانما يشبه ملامح ثورة ديسمبر المجيدة وطموحات شعب السودان المشروعة.
في ثلاثة اعوام ميلادية، واجه السودان ما لم يواجهه في مائة وخمسة وعشرون عاماً؛ أي منذ نهاية فترة المهدية ودخول المستعمر.
هذه الحرب التي لم تتوقفت اليوم مختلفة، ليست صراعاً في على السلطة والثروة والحقوق والحريات كما حرب الجنوب. ولا حرب التوازن أو النفوذ كما يحدث في حروب العالم الاخرى، إنما هي حرباً وجودية والفائز فيها خسران.
كان نظام الفلول يصارع من أجل البقاء ويابى رياح التغيير الديسمبرية، ولهذا كالغريق كان يتمسك حتى باحتمالات ضئيلة مثل إجبار شعب السودان على الحرب اذا دعى الامر وبالفعل اوقدوا نار الحرب ولكن شعب السودان قادر على اخمادها هذه الحرب عملية انتحارية قامت بها عصابة الحركة الاسلامية المتمثلة في طرفي الحرب.
بدأت مرحلة التغيير بعد سقوط راس النظام البائد في ابريل 2019. كانت تلك الرصاصة الأولى وتلتها سلسلة أحداث وجرائم ووثائق وانقلابات ومليونيات أفقدت النظام البأئد توازنه للابد فلجا الى ورقة الحرب واراقة الدما.
الحرب لم تتوقفت ولم تنته بعد، والعالم في انتظار نتيجتها اما عبر ورقة نرى توقيعها بين طرفي الحرب عبر وسيط غربي او شرقي وطبعا الوسيط المحلي لايوجد حتى الان والسيناريو المعلوم لن يلتزم بالوثيقة احد طرفي الحرب لان شيمتهم وسمتهم نقض المواثيق والعهود اما شعب السودان سيعود الى الشوارع بالهتافات والسلمية المعهودة، وعلى كل في اي واحدة حينها سيؤرخ لإعلان نهاية مشروع النظام البائد ونهاية صراع منذ اثنان وستون عام منذ ظهور الراحل الترابي في ساحة السياسة السودانية في عام 1964 عقب ثورة اكتوبر المجيدة واعلان جبهة ميثاقه الاسلاموية.
الان لا توجد هدنة ولا توجد اتصالات معلنة او غير معلنة لان العالم مشغول بحرب الخليج. ونحن نهدف إلى ما هو أبعد من التوصل لوقف الحرب وانما لاستدامة السلام والسلام لايستديم الا بالديمقراطية.
من جانب اخر نجد قيادات النظام البائد في متاهة وحيرة من امرهم فهم من غير مرشد ومفتي ومفكر، يريدون ضمانات للحفاظ على مصالحها المالية والافلات من العقاب في وقت التغيير الاستراتيجي كان ذلك مطلع الحرب حيث جعل شعب السودان مشغول بنفسه، لان الشعب لم يحيد عن موقفه منهم بانقلاب الموز ولم يشجع او يتابع الاتفاق الايطاري ولهذا اشعلوا الحرب.
لو نظرنا الى المطالب التفاوضية التعجيزية بتركيز والتي يقدمها طرفي الحرب تركز على موضوع واحد وهو بقاءهم في السلطة دون محاكمات والى افلاتهم من العقاب، بمعنى ادق يريدون حماية النظام البائد. أولها اشتراط اقامة الجيش القومي وحل المليشيا وهذه واجبات النظام المدني الديمقراطي وليس تجار الحروب.
بالمقابل نجد مطالب طرفي الحرب واقعية وحقيقية، مما يجعل البعض يعتقد وينخدع أن هناك مشروعاً وطنيا قامت لاجله الحرب وسفكت الدما بسببه ولهذا البعض يتوقف ويدعم احد الاطراف من دون الضمانات المستقبلية لمنع الآتي المحتمل وهو عودة النظام البائد من اوسع الابواب.
نضع جانباً الدعاية وصياغة رواية المنتصر لدى انصار الطرفين دون النظر الى ان هدف الطرفين انتصار عسكري وسياسي يختتم بانهاء ثورة ديسمبر وبداية مرحلة جديدة من النظام البائد، وذلك بتغيير السلوك الى هبوط ناعم مستصحب معه النظام البائد وبعض القوى السياسية. بما انه لم يفلح الثوار في تغيير النظام بالكامل عقب الثورة. وهم في سباق مع الوقت، توجته لهم جهود قحت قبل وعقب انقلاب الموز بانضمامها بالكامل إلى محور الامارات وقبل الحرب بقليل كانت قحت على شفاء السقوط في شفا حفرة الامارات وعقب الحرب سقطت بالكامل واصبحت تتوعد وتهاجم وتدافع في صف الكفيل الاماراتي.
هناك كثيرين منذ الازل يتحدثون عن التغيير الكبير، وأن الولايات المتحدة والامارات وكل دول العالم لن تلعب دوراً رئيسياً في داخل السودان مستقبلا الا من خلال التعاون والدعم في الإعمار والتنمية وفق خطط وشروط الشعب السوداني وهذا يجب ان يكون المقدمة للاتفاقات الكبيرة الموعودة التي تعرض على شعب السودان اما اتفاقات الخفاء والليل فهذه لا يسعى لها ولا يروج لها الا خبيث او صاحب غرض. وعليه لوقف الحرب، واستدامة السلام لابد من عكس التغيير الجزري في السودان مهما كاد له اعداء الوطن.
لا تزال هناك مطالب وطموحات باقية لجميع الاجيال لو استمر القتال او توقف وهي متوارثة ابا عن جد، إنما ميزان القوة يحسم بعضها مبكراً ويؤجل بعضها الى حين. قد لا تعبر عنه صياغة بيانات «المواكب والانتصارات» ولكن تجده في هم وغم وبؤس وضيم كل سوداني يمشي على الارض؛ اقول ذلك لأهمية وخطورة لغة الخطاب على الوضع الداخلي، حيث لم يودع السودانيون بعد النظام البائد وايدولوجيته الاحادية، ولم يسمعوا ويشاهدوا نظامهم الجديد الذي إن لم يظهر للملأ فان ملامحه تتضح ولم ولن تتعزز الرواية المشككة في قدرة الشعب على بنائه برغم الحرب.
لم يستنفد السودانيون كل ما بمقدورهم فعله بعد. قبل الحرب او بعدها يستطيع الشعب فعل العجائب والبدع المذهلة برغم عدم امتلاكه بيوت خبرة او ورش تدريبية او وكلاء إقليميين او شركاء دوليين فقط يمتلك العلم والايمان بقضيته والتي لا يساوم عليها.
وعندما فشلت المفاوضات والمجهودات بين القحاتة والدعامة والجياشة من اجل الاتفاق الايطاري بدأت الحرب سريعاً وخسر الثلاث كل شي، وتعوض الشعب السوداني العوض النافع.
المساومة فعل تجار السياسة وليست للثوار. أوقف الشعب السوداني عقارب الساعة وعاد بقوة في 30 يونيو 2019 برغم نكبة فض الاعتصام. ومن هذا الدرس نتعلم قدرة الشعب على العودة والنهوض مجددا رغم المحن والبلاوي.
والان سوف تمر نحو ثلاثة اعوام على الحرب والهجوم والهجوم المضاد، ولم يتوقف شعب السودان من المقاومة ولن يتوقف من الابتكار فهو في الشدة باس يتجلى.
ورقة طرفي الحرب الاولى والأخيرة هي التفاوض من دون قيد او شرط، وهي أقرب ما تكون إلى ورقة التوت، فالمفاوضات لإعلان الانتصار الدعائي الذي يخفي خلفه الاستسلام. وستبقى عقدة المفاوضات ومطلب الضمانات التي يقابلها المطلب التاريخي، أن يحيد شعب السودان عن مطالب ثورته.
حاجة طرفي الحرب للضامن ستبقى المفتاح نتيجة لفقدان الثقة بين الطرفين، ويظن البعض أن رئيس الوزراء الاسبق عبدالله ادم حمدوك لديه امكانية التوسط واخرين يظنون مبعوث ترامب مسعد بولس كل ذلك حتى يتغير الوضع داخل البلاد الى مصلحتهم. لا حمدوك ولا بولس ولا كل دول العالم مجتمعة تستطيع ان تضمن لان الضامن هو شعب السودان لوحده.
السودان لن يكون فنزويلا او ايران ولا حماس واسرائيل ولن تكتب وثيقة مثل وثائق نيفاشا ومشاكوس. قد يظن البعض ان ذلك جائز ولكن تكرار التجارب الفاشلة مستحيل ولن يسمح شعب السودان به. هناك اتفاق بيننا جميعا على التغيير وعدم عودة النظام البائد مجددا وعلى هذا نعض بالنواجز.

elryahali@gmail.com

عن الريح علي الريح علي

الريح علي الريح علي

شاهد أيضاً

السودان الجديد

بقلم الريح علي الريحكان سقوطُ نظامِ عمر البشير في عام 2019 نهايةَ حقبةِ استبداد طويلة، …