عبدالمنعم عجب الفَيا
كتب الطيب صالح*:
“دخول الولايات المتحدة الأمريكية لحامل جواز سفر سوداني، أصعب من دخول الجمل في سم الخياط. لا عجب، فهي في نظرهم فردوس أرضى لا يسمحون بدخوله لكل من هب ودب. ونحن السودانيين في عهدنا السعيد هذا نثير الرعب. كأنهم يحسبونني من رسل ( التوجه الحضاري)، جئتهم غازيا في عقر دارهم، لأنسف المباني، على زعمهم، وازرع المتفجرات في المترو. انا السوداني المسالم؟ بعد هذه السن؟ بعد كل تلك الأعوام من تحكيم العقل والدفع بالحسنى؟!
كانت سفارتهم في لندن قد اعطتني (الفيزا) دون صعوبة. وجدوا اسمي عندهم في الكمبيوتر، كانوا قد اعطوني فيزا لسنة كاملة. كنت يومئذ مدعوا من جامعة (بوسطن) التي استغلت نفوذها لتسهيل أمر دخولي. وجدوا كل ذلك مسجلا عندهم، فناولتني الفتاة جوازي، وابتسمت في وجهي ابتسامة لا تصنع فيها، على طريقة الأمريكان، وقالت لي بصوت قدرت انه من الجنوب:
“اتمنى لك إقامة طيبة في الولايات المتحدة”..
في مطار دالس مشيت سادرا، أحمل جوازي الأخضر، جواز ثورة الإنقاذ، فإذا قبالتي يافطة تقول “مواطنوا الاقطار التالية يذهبون الي..”. وكان بينها من الدول العربية: ليبيا وسورية والعراق ولبنان.. والسودان.
وانا اتجه إلى حيث أمرت إذا برجل غريب الوجه واليد واللسان، يخرج من عندهم غاضبا مكفهرا، علمت فيما بعد أنه أخ عراقي مدعو للمؤتمر نفسه الذي انا مدعو إليه، وأنهم صنعوا معه ما سوف يحدث لي وشيكا. وفي السودانيين شىء من طبع أهل العراق. من ذلك لأنهم إذا لطفوا كأنهم صبا نجد كما وصفه الشعراء، وإذا هاجوا.. العياذ بالله. وقد خبر ذلك منا الاتراك والانجليز والحكومات الوطنية منذ عبود والنميري. وقد يهتاجون بعد!
استقبلني موظف شاب وساقني الي طاولة وامسك بيدي كليهما، يريد أن يغمسهما في حبر أمامه.
قلت له: ماذا تريد أن تفعل؟
قال بلطف وهو يبتسم: نأخذ بصماتك.
“أوامر من مصادر عليا. نفعل ذلك مع مواطني دول معينة. وأنا بصراحة لا أعرف الغرض”.
” لكنني العام الماضي في بوسطن لم يطلب مني ذلك.. ثم..”.
“عجيب”.
“ثم إن سفارتكم في لندن لم تنذرني بأنني سوف اتعرض لهذه المهانة وإلا لما جئت أصلا”.
كان الموظف اسود، أو افرو أمريكان، كما أخذوا ينادونهم، ولعله تخطى حدود الوقار الذي تفرضه عليه وظيفته، فقال لي بلطف عظيم:
” يا اخي. هذه مجرد إجراءات لا تعني شيئا. لا تزعج نفسك”.
إنما نفسي كانت قد انزعجت بالفعل، حل الغضب محل الدهشة، وسمعت صوتا فيه أصداء من رعونة السودانيين الذين احرقوا جيش اسماعيل باشا في (شندي) وابادوا جيش الإنجليز في (شيكان) يؤزني ازا:
“يا زول!… أمريكا وابو امريكا”.
بلى سوف أخذ أول طائرة إلى لندن. وايش لهم عندي؟ لا أطلب منهم عملا ولا إقامة. وكونهم (سوبر باور) أو (مقا باور).. في ستين داهية”.
بدأت انكص على عقبي. ثم فجأة توقفت. استعذت بالله من الشيطان الرجيم. وقلت أحكم العقل واقبل بالأمر الواقع. هذه بلادهم وهذه قوانينهم. وأيضا تذكرت الناس الذين ينتظروني. تلك السيدة الفاضلة نادية حجاب التي كتبت لي من نيويورك وكلمتني مرات بالتلفون تلح علي. وقد جعلوني متحدثا (رئيسيا) في حفل العشاء الذي يختمون به مؤتمر هم، يجب ألا اخيب ظنهم.
أيضا فكرت في مدينة بوسطن الجميلة والمسرح والمكتبات، والامريكان الطيبين وراء الأسوار، وهم كبقية الشعوب أكرم من سلطات جوازاتهم.
قلت فليكن. وما هي إلا ذلة لحظات ثم تنقضي، بعدها انخرط في مباهج عاصمة الدنيا الجديدة والنظام العالمي الجديد”.
هوامش:
- مقال من كتاب (للمدن تفرد وحديث: الغرب) كتاب رقم ٤ بسلسلة مختارات الطيب صالح، وهذه المختارات تجميع للمقالات التي كان ينشرها بمجلة المجلة اللندنية في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بما في ذلك ما ظل ينشره اسبوعيا تحت عنوان (نحو أفق بعيد) بالصفحة الأخيرة من المجلة المذكورة.
- كان الطيب صالح قد غادر السودان الأول مرة سنة ١٩٥٢ للعمل بإذاعة لندن بهيئة الاذاعة البريطانية، ومنذ ذلك العام وحتى تاريخ وفاته في سنة ٢٠٠٩ لم يسع للحصول على جنسية أخرى كما لم يسع إلى استخراج جواز سفر آخر بخلاف جواز السفر السوداني.
عبد المنعم عجب الفَيا
٧ ديسمبر ٢٠٢٥
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم