عبد المنعم عجب الفَيا
كتب الطيب صالح:
“كم عدد الإنجليز الذين حكموا السودان؟ تقول مائة ألف؟ تقول عشرة الاف؟ تقول الفا؟ كلا. كانوا أقل من خمسائة على الأرجح حسبما تروي كتب التاريخ.
تبصر يا رعاك الله. هذا السودان بطوله وعرضه وسمائه أرضه، وخيره وشره، وجنه وانسه، حكمه أقل من خمسائة من هؤلاء القبيل (الحمر) الذين جاؤا من وراء البحر. صحيح كانت تدعمهم جيوش غير مرئية، وضعوها في ضواحي العاصمة وفي الثغور البعيدة، وتسندهم هيبة الإمبراطورية.. ومع ذلك!
ثم جاءت العهود “الوطنية” تترى. أحيانا برلمانات، أحزاب، وأحيانا حكم عسكري صرف، وأحيانا حكم عسكري دكتاتوري يلبس قناع الديمقراطية والاشتراكية، والعدالة الناجزة، والرفاه المرتقب. وتولوا بغصة كلهم منه، لا أرضا قطعوا ولا ظهرا ابقوا.
واليوم يظللنا عهد جديد بظله، بعد انتفاضة رجب المباركة، وثورة أكتوبر المظفرة.
والنيل الحكيم الصبور ينظر ويتعجب. اخواننا هؤلاء قاموا بعد أن فكروا وقدروا، نعمل لكم نظاما فدراليا. يعني يا رعاك الله: الدولة الواحدة تتجزأ الي دول، والحكومة الواحدة تتطاير حكومات. وبدلا من برلمان ووزارة في الخرطوم، تكون عندنا برلمانات ووزارات في دارفور وكردفان واعالي النيل وبحر الغزال والجزيرة وكسلا والخرطوم وقري ودنقلا.
انظر كم رئيسا ووزيرا سوف ينيخون بكلكلهم على كاهل الشعب المسكين، فوق ما هو محتمل. يا سبحان الله. أما قلتم إن الشعب ليس مهيأ للديقراطية البرلمانية؟ إذن كيف يكون مهيأ للديمقراطية الفدرالية، وهي أكثر تعقيدا وأعظم خطرا؟
هذا أيضا يصلح موضوعا لمسرحية يكتبها شكسبير العبقري، لو كان حيا. لقد كتب من قبل مسرحية عن ملك دانت له المملكة، وكان رزقه ياتيه رغدا من حيث لا يحتسب. وفي لحظة من لحظات الاستهتار والثقة الزائدة بالنفس، قسم المملكة بين بناته، ظنا منه انه يقضي الصيف مع هذه، والشتاء مع هذه، والربيع مع تلك، ويظل هو كما كان، ملكا مهيمنا فوق الجميع. ولكن الأمور سارت على عكس ما قدر، وانتهى به الأمر طريدا شريدا، في العواصف والثلج والزمهرير، وحيدا إلا من المهرج الذي كان يضحكه أيام العز.
قال المهرج للملك : يا أحمق.
فقال الملك غاضبا :
“يا ولد. تقول لي أحمق وانا الملك؟”.
فقال المهرج:
” لأنك اضعت الألقاب التي ولدت بها جميعا ولم يبق لك منها إلا هذا اللقب “.
يقول نقاد شكسبير إن عقدة هذه المسرحية، هي الحمق، واذا شئت قلت الجهالة”. انتهى.
هوامش:
- مقتطف من مقال من كتاب (وطني السودان) بسلسلة مختارات الطيب صالح، رقم ٧، وهذه المختارات تجميع للمقالات التي كان ينشرها الطيب صالح بمجلة المجلة اللندنية في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بما في ذلك ما ظل ينشره تحت عنوان ( نحو أفق بعيد) بالصفحة الأخيرة من المجلة المذكورة.
- مسرحية شكسبير المذكورة هنا هي مسرحية (الملك لير).
عبد المنعم عجب الفَيا
٤ ديسمبر ٢٠٢٥
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم