الطيبة السودانية: فطرة متجذّرة أم هوية متغيّرة؟
تأليف: د. محمد عبد الله عيساوي**
عرض وتعليق: د. عادل عبد العزيز حامد
الكتاب من إصدارات دار الأصالة للصحافة والنشر والإنتاج الإعلامي لسنة ٢٠٢٦ .
يتناول كتاب الطيبة السودانية: فطرة متجذّرة أم هوية متغيّرة؟»* مفهوم الطيبة التي اشتهر بها الشعب السوداني، ويطرح المؤلف سؤالًا جوهريًا: هل هذه الطيبة فطرة أصيلة ومتجذّرة في الشخصية السودانية، أم أنها هوية ثقافية تتأثر بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبر الزمن؟
يستهل المؤلف دراسته بالتأصيل لمفهوم طبائع الأمم في التراث الفكري الإنساني، وينطلق من فكرة أساسية مفادها أن تعميم صفة أخلاقية واحدة على شعب بأكمله لا يستند بالضرورة إلى الدقة العلمية. فالشخصية السودانية ليست نموذجًا واحدًا متجانسًا، بل تتسم بالتنوع والتعدد، شأنها شأن المجتمع السوداني الذي يضم قبائل وشعوبًا وثقافات مختلفة، تمتد من الشرق إلى الوسط النيلي، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن غرب السودان إلى مناطقه الأخرى.
ويستعرض الكاتب الجذور التاريخية والثقافية التي أسهمت في ترسيخ صورة السوداني الطيب، متوقفًا عند قيم التكافل الاجتماعي، والنفير، وإكرام الضيف، والتعاون بين أفراد المجتمع. وقد نشأت هذه القيم وتعززت في بيئات زراعية ورعوية، كما أسهمت التقاليد الصوفية والموروثات المحلية في ترسيخ روح التضامن والتراحم وتقديم المصلحة الجماعية في كثير من المواقف.
غير أن المؤلف لا يتعامل مع هذه الصورة بوصفها حقيقة ثابتة لا تتغير، بل ينتقل إلى دراسة التحولات التي طرأت على المجتمع السوداني، مؤكدًا أن الهويات الثقافية ليست قوالب جامدة، وإنما تتأثر بالظروف المحيطة بها، وتعيد تشكيل نفسها تحت وطأة التحولات الكبرى.
وفي هذا السياق، يناقش الكتاب أثر الأزمات السياسية والحروب الأهلية والنزوح والضغوط الاقتصادية القاسية التي شهدها السودان خلال العقود الأخيرة. فقد وضعت هذه الظروف قيم الطيبة والتكافل والتراحم أمام اختبار حقيقي، وأسهمت في إضعاف بعض مظاهر التضامن التقليدي، ولا سيما في المدن الكبرى، حيث تراجعت، في بعض الحالات، أدوار الأسرة الممتدة وشبكات الدعم الاجتماعي التي كانت تمثل مصدرًا مهمًا للأمان والاستقرار.
ويشير هذا التحول إلى قضية أعمق من مجرد تغير السلوك الفردي؛ إذ إن تراجع قيم التعاون والثقة المتبادلة قد يؤدي إلى إضعاف ما يُعرف بـ«رأس المال الاجتماعي»، أي شبكة العلاقات والقيم المشتركة التي تمنح المجتمع تماسكه وقدرته على مواجهة الأزمات. ومن هنا، تبرز أهمية الحفاظ على القيم الإيجابية للمجتمع السوداني، لا باعتبارها جزءًا من صورة مثالية عن الماضي، بل بوصفها موردًا أخلاقيًا واجتماعيًا يمكن البناء عليه في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
يمثل الكتاب، في تقديري، إضافة مهمة إلى المكتبة الاجتماعية السودانية، لما يطرحه من أسئلة تستحق التأمل والنقاش حول طبيعة الشخصية السودانية، والعلاقة بين الموروث الثقافي والتحولات الاجتماعية. كما يفتح آفاقًا لدراسات نفسية واجتماعية أعمق، تتجاوز الصور النمطية، وتبحث في العوامل التاريخية والاقتصادية والسياسية التي تسهم في تشكيل سلوك الأفراد والجماعات.
والكتاب، إلى جانب قيمته الفكرية، دعوة إلى المفكرين والباحثين وصنّاع القرار ومؤسسات المجتمع المدني للعمل على صون القيم الأخلاقية الإيجابية وتعزيزها في المدن والأرياف على السواء، مع إدراك أن حماية هذه القيم تتطلب معالجة الظروف التي تهدد التماسك الاجتماعي وتضعف الثقة بين أفراد المجتمع.
وخلاصة القول، إن كتاب الطيبة السودانية: فطرة متجذّرة أم هوية متغيّرة؟»* لا يكتفي بالتساؤل عن حقيقة الطيبة السودانية، بل يدعونا إلى التفكير في جذورها، وحدودها، وقدرتها على الصمود أمام التحولات. وهو عمل جدير بالقراءة والاقتناء، ويفتح بابًا مهمًا للحوار حول الإنسان السوداني وهويته وقيمه، في مرحلة تشتد فيها الحاجة إلى إعادة بناء الثقة وتعزيز الروابط الاجتماعية
