د. أبو القاسم صباح السعيد محمد
abuelgasims@gmail.com
العام الدراسي التعويضي 2026: هل تكفي أربعة أشهر لتحقيق أهداف المنهج؟
مع إعلان وزارة التربية والتعليم ، ولاية الجزيرة، بدء العام الدراسي التعويضي 2026 في الأول من يونيو وانتهاء الدراسة الفعلية قبل بداية امتحانات النقل في العشرين من سبتمبر، يثور سؤال تربوي جوهري: هل تكفي ستة عشر أسبوعاً دراسياً فقط لتحقيق أهداف المناهج الدراسية بصورة تحقق الحد الأدنى من الجودة التعليمية؟
وقد تم تأجيل بداية العام كما هو معلن له. و بدأت الدراسة بعد التاريخ المعلن.
قد يبدو السؤال لأول وهلة سؤالاً إدارياً يتعلق بتنظيم التقويم الدراسي، لكنه في الحقيقة سؤال يرتبط بجوهر العملية التعليمية، وبحق المتعلم في تعليم ذي جودة، وبالأسس العلمية التي يقوم عليها بناء المنهج وتنفيذه وتقويمه.
المنهج ليس كتاباً دراسياً
من الأخطاء الشائعة اختزال المنهج في الكتاب المدرسي. فالمنهج في الفكر التربوي الحديث هو جميع الخبرات التعليمية المخططة التي توفرها المدرسة للمتعلمين داخل المدرسة وخارجها لتحقيق أهداف تربوية محددة
(Taba, 1962; Taylor, 1949). ويقوم المنهج على أربعة عناصر رئيسة مترابطة:
• الأهداف التعليمية.
• المحتوى.
• طرائق التدريس والأنشطة.
• التقويم.
و هذه العناصر تكمل بعضها البعض، ولا يمكن حذف أحد هذه العناصر دون أن يختل البناء كله. ولهذا فإن اختصار أو تقليص الزمن الدراسي ،الذي يشمل مدة العام الدراسي و الوقت المخصص لكل حصة دراسية، لا يعني فقط ضغط المحتوى، وإنما يعني أيضاً ضغط التدريس، وإلغاء كثير من الأنشطة، وتقليص فرص التقويم، وهو ما ينعكس مباشرة بشكل سالب على جودة العملية التعليمية ككل.
الزمن عنصر أساسي في المنهج
يشير علماء المناهج إلى أن الزمن ليس إطاراً خارجياً للمنهج، بل هو أحد مكوناته الأساسية؛ إذ إن حجم المحتوى الدراسي وعدد الأهداف التعليمية وطبيعة الأنشطة كلها بُنيت ابتداءً على افتراض وجود عدد محدد من الأسابيع والحصص الدراسية تم توزيع المحتوى الدراسي بدقة عليها. و هذه الفترة الزمنية راعت كل ما يمكن أن يسهم في تنمية معارف و مهارات و قيم الطلاب إضافة إلى تكوين شخصيتهم، مع مراعاة الفروق الفردية بينهم. علاوة على ذلك، نجد أن اسهام المؤسسات التعليمية في اكتشاف المبدعين من الطلاب من خلال الأنشطة اللاصفية التي تعاها المدرسة. لكن في ظل ضغط العام الدراسي، تتلاشى كل هذه الفوائد.
ويؤكد تايلر (Tyler, 1949) أن تحقيق الأهداف التعليمية يتطلب توفير خبرات تعليمية كافية، وهذه الخبرات تحتاج إلى زمن مناسب حتى يمر المتعلم بمراحل الفهم والممارسة والتطبيق والتقويم. كما يرى برونر (Bruner, 1960) أن التعلم الحقيقي يحتاج إلى التدرج والتكرار وإعادة البناء، وهي أمور يصعب تحقيقها في ظل ضغط زمني شديد.
مثال عملي: مقرر اللغة الإنجليزية للصف الثالث المتوسط
لعل أفضل طريقة للحكم على كفاية الزمن هي الحسابات البسيطة. يتكون مقرر اللغة الإنجليزية للصف الثالث المتوسط من:
• كتاب Smile 6
• كتاب الزنبقة السوداء (Black Tulip).
وبعد قرار وزارة التربية والتعليم بالجزيرة بتاريخ 10/6/2026م حذف الوحدتين الخامسة والسادسة من كتاب Smile، بقيت عشر وحدات دراسية. وتحتوي كل وحدة على ثمانية دروس تقريباً، أي أن مجموع الدروس يبلغ:
10 × 8 = 80 درساً
إذا افترضنا أن المادة تُدرَّس أربع حصص أسبوعياً، وأن كل درس يحتاج إلى حصة واحدة فقط (وهو افتراض متفائل)، فإن تدريس هذه الوحدات يحتاج إلى:
80 ÷ 4 = 20 أسبوعاً
بينما لا يتجاوز العام الدراسي الفعلي 16 أسبوعاً. وهذا يعني وجود عجز لا يقل عن أربعة أسابيع حتى قبل احتساب:
• تدريس كتاب الزنبقة السوداء.
• الاختبارات القصيرة.
• الاختبارات الشهرية.
• المراجعة.
• معالجة الفروق الفردية.
• التعلم العلاجي.
• غياب الطلاب أو المعلمين.
• الإجازات والأنشطة.
وبعبارة أخرى، فإن الزمن المتاح لا يغطي حتى الحد الأدنى من متطلبات تدريس المقرر. والأمر نفسه – بدرجات متفاوتة – ينطبق على الرياضيات والعلوم وغيرها من المواد التي تعتمد على التدرج والتراكم في بناء المعرفة. إذا، فالمرجح أنه لا يمكن بأي حال إكمال محتوى المقرر الدراسي في ظل هذه المعطيات. و حتماً سيؤثر هذا على ترابط المعرفة التي كان من المفروض أن يتحصل عليها الطلاب. وفي هذه الحالة ستصبح الخسارة مضاعفة، و الفقد أكثر من الوجد.
هل يكفي حذف بعض المحتوى؟
قد يقال إن الوزارة عالجت المشكلة بحذف بعض أجزاء المنهج. لكن حذف المحتوى لا يعالج المشكلة بالكامل. ففي تصميم المناهج لا تُختار الموضوعات بصورة عشوائية، وإنما تُرتب وفق مبدأ التتابع (Sequence) والاستمرارية (Continuity) والتكامل (Integration)، كما أوضح تايلر وتابا. وحذف أجزاء من المنهج قد يؤدي إلى:
• انقطاع التسلسل المنطقي للمفاهيم.
• ضعف الترابط بين الوحدات.
• صعوبة استيعاب الموضوعات اللاحقة.
• ظهور فجوات معرفية قد تمتد إلى الصفوف التالية.
ولابد أن يؤثر بشكل كبير على تحقيق الأهداف التعليمية. ولهذا فإن اختصار المحتوى ينبغي أن يسبقه تحليل علمي دقيق يُحدد الموضوعات الأساسية والفرعية، وليس مجرد حذف عدد من الوحدات.
أثر الضغط الزمني على التدريس
عندما يكون الزمن أقل من المطلوب، يصبح المعلم مضطراً إلى:
• الإسراع في الشرح.
• التركيز على إنهاء المقرر بدلاً من فهمه.
• تقليل الأنشطة الصفية.
• إلغاء كثير من التدريبات العملية.
• الاعتماد على التلقين بدلاً من التعلم النشط.
ويتحول السؤال الرئيس من: هل تعلم الطلاب؟ إلى: هل انتهينا من الكتاب؟ وهذا يتعارض مع الاتجاهات الحديثة التي تجعل التعلُم الحقيقي أهم من مجرد تغطية المحتوى.
التقويم يصبح شكلياً
يؤكد علماء القياس والتقويم أن التقويم مكونٌ أساسيٌ في عملية التعلُم، وليس مجرد امتحان في نهايتها. ويشمل التقويم:
• التقويم التشخيصي.
• التقويم التكويني المستمر.
• التقويم الختامي.
كما يتطلب:
• الاختبارات القصيرة.
• الواجبات.
• المشاريع.
• الملاحظة.
• ملفات الإنجاز.
لكن ضغط الزمن يؤدي غالباً إلى إلغاء معظم هذه الأساليب، والاكتفاء بالاختبارات النهائية فقط، مما يحرم المعلم من التغذية الراجعة اللازمة لتحسين تعلم الطلاب.
الآثار النفسية على الطلاب
من الناحية النفسية، فإن ضغط العام الدراسي يؤدي إلى:
• زيادة القلق.
• ارتفاع الضغوط الدراسية.
• الخوف من الامتحانات.
• انخفاض الدافعية.
• الإرهاق الذهني.
كما يشعر الطالب بأنه يلاحق الزمن باستمرار، دون فرصة كافية للفهم أو المراجعة.
وتشير دراسات علم النفس التربوي إلى أن التعلُم تحت الضغط المستمر يقلل من الاحتفاظ بالمعلومات ويزيد التعلم السطحي، فيصير الطلاب مثل آلة التسجيل، يحفظون المعلومة، و لا يفهمونها، وبمجرد الانتهاء من الاختبار النهائي، تطير المعلومة من ذهن الطلاب كأنها لم تكن. هذا الأمر بلا شك يؤثر على تحقيق الأهداف التعليمية.
ماذا عن الأنشطة اللاصفية؟
تعد الأنشطة اللاصفية جزءاً أصيلاً من المنهج الحديث. فهي تنمي:
• القيادة.
• التعاون.
• الإبداع.
• التواصل.
• المسؤولية الاجتماعية.
• الثقة بالنفس.
لكن في عام دراسي لا يتجاوز ستة عشر أسبوعاً، تصبح هذه الأنشطة أول ضحايا ضغط الزمن، رغم أنها تسهم في بناء شخصية الطالب بقدر لا يقل عن الحصص الصفية.
ماذا عن المعلم؟
لا يقع العبء على الطالب وحده. فالمعلم يجد نفسه بين خيارين أحلاهما مر:
• إنهاء المقرر دون تحقيق أهدافه.
• أو تحقيق الجودة مع عدم إكمال المقرر.
وفي الحالتين يشعر المعلم بضغوط مهنية كبيرة قد تؤثر في جودة التدريس ورضاه الوظيفي.
هل الحل في زيادة الحصص؟
قد يبدو أن زيادة عدد الحصص الأسبوعية تمثل حلاً سريعاً. لكن الدراسات التربوية تشير إلى أن زيادة الزمن اليومي دون مراعاة قدرة الطالب على التركيز قد تؤدي إلى نتائج عكسية. فالمشكلة ليست عدد الحصص وحده، وإنما العلاقة المتوازنة بين:
• حجم المحتوى.
• الزمن.
• أهداف التعلم.
• قدرة المتعلمين.
رؤية تربوية للمستقبل
بعد كل هذه الآثار السالبة لفكرة “العام التعويضي”، نجد أن أهم التوصيات التي تفرض نفسها هي العودة للتقويم الدراسي الطبيعي الذي كان سائداً قبل نشوب الحرب في ولاية الجزيرة. فالمراقبُ للوضع الآن قد يندهش من استمرار ظاهرة “العام التعويضي” بعد انتفاء الظروف التي دعت إليه. فقد مر ما يقارب العامان بعد تحرير ولاية الجزيرة من المليشيا.
إذا كانت الظروف الاستثنائية قد فرضت عاماً دراسياً تعويضياً الآن وقبلا، و ربما في المستقبل، فإن ذلك يستدعي معالجة تربوية استثنائية، من أهمها:
- إعادة بناء المناهج بما يتناسب مع الزمن المتاح، لا مجرد حذف بعض الوحدات.
- تحديد نواتج تعلم أساسية (Essential Learning Outcomes) والتركيز عليها.
- تقليل كثافة المحتوى مع الحفاظ على تسلسله المنطقي.
- تطوير أدوات تقويم مرنة تراعي طبيعة العام الدراسي.
- توفير برامج دعم وعلاج تعليمي لتعويض الفاقد.
- المحافظة – قدر الإمكان – على الأنشطة الصفية واللاصفية بوصفها جزءاً من المنهج.
- الاستفادة من التعلم المدمج والموارد الرقمية لتخفيف أثر قصر العام الدراسي.
ونتمنى أن تعود الأوضاع لطبيعتها، بعيدا عن عام تعويضي، وضغط للزمن، فيصبح العام الدراسي طبيعيا كما عرفناه من قبل. و على الوزارة تحمل مسئولياتها تجاه المعلمين والطلاب و أولياء الأمور و المجتمع ككل.
خاتمة
ليس الهدف من هذا الطرح انتقاد فكرة العام الدراسي التعويضي في حد ذاتها، فالظروف الاستثنائية قد تفرض حلولاً استثنائية. غير أن نجاح أي عام دراسي لا يُقاس بعدد الأيام التي تفتح فيها المدارس أبوابها، بل بمدى قدرة المتعلمين على تحقيق نواتج التعلم المستهدفة، وبجودة الخبرات التعليمية التي يمرون بها.
إن أربعة أشهر دراسية، حتى مع حذف أجزاء من المقررات، تبدو – وفق مبادئ علم المناهج والتقويم – زمناً غير كافٍ لتحقيق أهداف المناهج بالصورة المنشودة، خاصة في المواد ذات الطبيعة التراكمية كالرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية. ومن ثم فإن المطلوب ليس فقط ضغط المحتوى، وإنما إعادة النظر في العلاقة بين الزمن والمنهج والتقويم، حتى لا يتحول “العام التعويضي” إلى عام يراكم فجوات تعليمية جديدة بدلاً من تعويض ما فات.
و لابد من الأخذ في الاعتبار أن الوضع قد اختلف عما كان قبل، فالحمد لله عادت كل بقاع الجزيرة لحضن الوطن الأمر الذي ينفي الحاجة لأي عام دراسي تعويضي، على الأقل كما يراه المواطن العادي.
مراجع مختارة
Bruner, J. S. (1960). The process of education. Harvard University Press.
Brown, J. D. (1995). The elements of language curriculum. Heinle & Heinle.
Marsh, C. J., & Willis, G. (2007). Curriculum: Alternative approaches, ongoing issues (4th ed.). Pearson.
Ornstein, A. C., & Hunkins, F. P. (2018). Curriculum: Foundations, principles, and issues (7th ed.). Pearson.
Taba, H. (1962). Curriculum development: Theory and practice. Brace & World.
Tyler, R. W. (1949). Basic principles of curriculum and instruction. University of Chicago Press.
UNESCO. (2021). Reimagining our futures together: A new social contract for education.
UNESCO. (2023). Global education monitoring report.
