العروبة والقومية العربية من القراءة العلمانية الى القراءة الاسلامية المستنيرة .. بقلم: د. صبرى محمد خليل
2 مارس, 2021
د. صبري محمد خليل, منبر الرأي
43 زيارة
د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail,com
اولا: القراءة العلمانية للعروبه:
الاستناد الى المذهب الليبرالي فى القوميه : تستند هذه القراءة إلى المذهب الليبرالى ” العلمانى – الغربى” فى القوميه ،والمستند الى المنهج الليبرالي القائم على فكرة “ القانون الطبيعي ” الخالد المستقر في ضمير الناس ، وبالتالي فان الأمة طبقاً له هي المجتمع الطبيعي، ويترتب على ذلك أنها خالدة خلود لطبيعة ذاتها(د. عصمت سيف الدولة، نظرية الثورة العربية، ج2 ، ص 266.).
نقد القراءة العلمانية :
تحويل وجود الأمة الى مطلق والاستكبار القومى: يترتب على هذا المذهب تحويل الأمة من وجود “وحدة تكوين اجتماعي” محدود زمانا ومكانا ،إلى وجود مطلق من قيود الزمان والمكان . وهو ما يلزم منه تحويل القومية من علاقة انتماء إلى أمه معينه، إلى شكل من أشكال الاستكبار” القومي ” الذي يأخذ أشكالا عدة منها:
أولا: فرض عبودية الأمم الضعيفة للأمم القوية ، كما حدث في أوربا عندما اكتمل تكوين أممها ” الاستعمار”.
ثانيا: جعل معيار انتماء إلى الأمة الجنس “العنصر” – بدلا من المعيار اللغوي / الحضارى- وهو من مخلفات الأطوار القبلية “النازية والفاشية كامثله”
مناهضه الاسلام بالعروبه : وهذا المذهب يلزم منه موضوعيا – بصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابه – مناهضة الإسلام بالعروبة ، لانه يجعل العلاقه بينهما علاقه تناقض والغاء.
تجاهل ان الاسلام هو الهيكل الحضارى للامه العربيه: فهو يتبنى الحل الليبرالي لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة وهو العلمانية كمذهب يقوم على فصل الدين عن الدوله،وهو حل يتجاهل حقيقة ان الإسلام كدين يشكل الهيكل الحضاري للأمة العربيه، لأنه هو الذي أوجدها كامه واحده ، بعد ان كانت قبله شعوب وقبائل متفرقة.
شكل من اشكال التغريب: وهذا الحل الذي يتبناه هذا المذهب هو شكل من أشكال التغريب،لانه يلزم منه محاولة استبدال المفاهيم والقيم والقواعد الإسلامية بمفاهيم وقيم وقواعد غربيه.
ثانيا: القراءة الإسلامية المستنيرة: ولهذه القراءة مستويين:
1/ مستوى نافى: ويتضمن نقد المذاهب التى تجعل العلاقه بين العروبه والاسلام علاقة تناقض وإلغاء.
ا/ نقد مذهب العصبية القبلية العربية(الخلط بين العرب والاعراب): وهو المذهب الذي يفترض افتراض خاطئ مضمونه أن العرب الحاليين- اى العرب فى طور الأمة أو الطور القومى – هم سلاله عرقية لعرب الجاهلية، واوجه الخطأ في هذا الافتراض هى:
فهم العروبه على اساس عرقى: انه يفهم العروبة – على المستوى القومي اى كعلاقة انتماء إلى امه – على أساس عرقي وليس لغوي حضاري .
الخلط بين العرب والاعراب:ومرجع ذلك انه يخلط بين العرب في الطور القبلي( ما يقابل الأعراب في القرآن)، والعرب في طور الامه، حيث أن مناط الانتماء في الطور الأول النسب، بينما مناط الانتماء في الطور الثاني اللسان.كما أنه يخلط بين معيار الانتماء الأسري والعشائري والقبلي (العنصر) معيار الانتماء القومي(اللسان).
تجاهل التطور الاجتماعى: فهو يتجاهل التطور خلال الزمان.
ادعاء النقاء العرقى: ويترتب على هذا الافتراض الخاطئ إنكار هذا المذهب إنكار لحقيقة اختلاط أغلب الجماعات القبلية ذات الأصول العربية بالجماعات القبلية والشعوبية ذات الأصول غير العربية، وهو ما يعنى استناده لاسطوره النقاء العرقي، التي تتعارض مع حقيقة ان اى امه تكونت نتيجه اختلاط العديد من الشعوب والقبائل ذات الأصول العرقية المتعددة.
التعارض مع الاسلام: وهذا المذهب يتعارض مع تقرير الإسلام أن العروبة لسان وليس عرق ، قال الرسول(صلى الله عليه وسلم) (إنَّ الرب واحد، والأبُ واحد، والدَين واحد، وإنَّ العربيةَ ليست لأحدكم بأبٍ ولا أمّ، إنما هي لسانَّ، فمنْ تكلَّمَ بالعربيةِ فهو عربي)، وإذا كان بعض العلماء قد قال أن هذا الحديث ضعيف، فان الإمام ابن تيميه يقرر أن ذلك لا ينفى أن معناه صحيح من بعض الوجوه، حيث يقول ( … وهذا الحديث ضعيف، لكنَّ معناه ليس ببعيد. بل هوَ صحيح من بعض الوجوه. ولهذا كان المسلمون المتقدموَن لما سكنوَا أرض الشام ومصر ولغة أهله رومية وقبطيةْ وَأرض العِرَاق وخُرُاسان ولغَة أهلها فارسية. وأرض المغرب ولغة أهلها بربرية، عَودوا أهلَ هذه البلاد العربيةَ حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم)(اقتضاء الصراط المستقيم).فضلا عن نهى الإسلام عن العصبية بأشكالها المختلفة.
ب/ مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي : وهو مذهب يقوم على إنكار وجود وحدات وأطوار التكوين اجتماعي” وهي ذات وحدات التكوين الاجتماعي وهي نامية خلال الزمان”: كوحدة أو طور: الاسره، العشيرة، القبيلة ،الشعب، الامه..”، و هذا المذهب يستند إلى فلسفات أجنبية متعددة ، اما في صيغته المطروحة كجزء من الفكر السياسي الإسلامي الحديث والمعاصر، فيستند الى افتراض مضمونه أن الإسلام كدين ينفى وجود وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي متعددة ، كما أن الإسلام كعلاقة انتماء دينيه يلغى علاقات الانتماء إلى هذه الوحدات والأطوار، وهو افتراض خاطئ لان الإسلام كدين اقر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي، كما اقر علاقات الانتماء إلى هذه الوحدات والأطوار كما سنوضح أدناه عند الحديث عن مذهب التحديد والتكامل..
2/ مستوى مثبت: ويتضمن الاخذ بالمذهب الذي يجعل العلاقة بين العروبه والاسلام علاقة تحديد وتكامل.
مذهب التحديد والتكامل بين العروبة والاسلام:وهو المذهب الذي يجعل العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة تحديد وتكامل – وليست علاقة تناقض وإلغاء- أى ان الإسلام (كدين و علاقة انتماء دينى الى أمه التكليف ” الامه الإسلامية” ذات المضمون الديني – الحضاري) يحدد العروبه( كعلاقة انتماء قومي الى امه التكوين “الأمة العربيه” ذات المضمون اللسانى – الحضارى) كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه . ويأخذ هذا التحديد – التكاملى- اشكال متعددة أهمها ان الإسلام يشكل الهيكل الحضاري للأمة العربيه .كما يترتب عليه أن العلاقة بين العروبة والإسلام هي علاقة تلازم وارتباط ، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلاً. )( البداية والنهاية). وهذا المذهب –الذى تأخذ به القراءة الاسلاميه المستنيره يستند الى:
ولا: إقرار الإسلام وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي: أقر الإسلام كدين وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى : ا/ الأسرة كما في قوله تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، وقوله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.ب/ العشيرة كما فى قوله تعالى ﴿وانذر عشيرتك الأقربين﴾ .ج- د/ القبيلة والشعب كما فى قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ). ه/ امه”التكوين”- او الطور القومي – التي مناط الانتماء إليها هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)(ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، كما تتميز باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، قال تعالى ﴿أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ (الممتحنة:9) .
إقرار الإسلام علاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي :كما اقرالإسلام كدين علاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ( ومنها علاقة الانتماء القومية …) ومن أدله ذلك : قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ )(الزخرف : 44)، وفى السنة النبوية ورد في الحديث سأل واثلة قال: (يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال (لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) (رواه أبن ماجه والإمام أحمد)..
العلاقه بين الوحدة الإسلامية والوحدة العربية تكاملية وليست تناقضيه : كما ان هذا المذهب الذى يجعل العلاقة بين الإسلام والعروبة علاقة تحديد وتكامل – وليس تناقض وإلغاء – يجعل العلاقة بين الوحدة الإسلامية والوحدة العربيه ايضا علاقه تحديد وتكامل وليس تناقض والغاء ، اى ان الوحدة الاسلامية تحدد الوحدة العربيه كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، ويأخذ هذا التحديد أشكال متعددة منها: ان الوحده العربيه هى خطوة الى الوحدة الاسلامية ،وان النظام القانوني للدولة التى تجسد الوحدة العربيه ينبغي ان يكون نظاما قانونيا اسلاميا… وهذه العلاقة التكاملية تتحقق من خلال الالتزام بالقواعد التالية :
التمييز بين الوحدة التكوينية والوحدة ألتكليفيه : التمييز –وليس الفصل –بين : اولا الوحدة ألتكليفيه” الدينية ” : والتي تتحقق بالاتفاق على أصول الدين اليقينية الورود القطعية الدلالة ، مع اباحه الاختلاف في فروعه الظنية الورود والدلالة . ثانيا: الوحدة التكوينية” السياسية ” : والتي تتحقق بالوحدة السياسية لأمة معينة اكتمل تكوينها . ويستند هذا التميز الى تمييز القران الكريم بين أمه التكليف التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي كما في قوله تعالى﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92) ، وأمه التكوين التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي كما في قوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92).
الوحده الاسلاميه التكوينية مرتبطه باطوار التكوبن الاجتماعى: ان الوحدة الاسلاميه التكوينية وكيفيه تحقيقها ، غير منفصلة عن أطوار التكوين الاجتماعي التي بلغتها المجتمعات المسلمة خاصة والبشرية عامه. فالوحدة الإسلامية وشكل الدولة التي جسدتها في مرحلة الأمم في طور التكوين أخذت الشكل التالي :أولا:الأرض غير ثابتة الحدود،ثانيا : وهى تضم مئات من القبائل والشعوب والأمم ، ثالثا: وكانت السلطة فيها مركزية ممثلة في الخليفة الذي له حق تعيين الولاة في الأقاليم .أما في واقعنا القائم على اكتمال تكوين الأمم وشكل الدولة القائم على أولا: الدولة ذات الحدود الثابتة ، ثانيا :الشعب الواحد ثالثا:السلطة البسيطة أو الاتحادية، وانتهى حق الفتح وحل محله حق الأمم في تقرير مصيرها ، وبالتالي فان الوحدة الإسلامية وشكل الدولة التي تجسدها في واقعنا لابد أن يتسق مع هذه الخصائص.
العلاقه التكامليه بين الوحدة الدينية واوحدة القومية والوطنية: ان الوحدة الدينية”الاسلاميه “بالنسبة للوحدة القومية والوطنية بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، فالعلاقة بينهم علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة تناقض وإلغاء, فالوحدة الوطنية هي خطوة باتجاه الوحدة العربية والوحدة العربية هي خطوة اتجاه الوحدة الاسلاميه.
اقرار سنه التدرج : ان الانتقال مما هو كائن( التقسيم والتجزئة والتفتيت) إلى ما ينبغي أن يكون(الوحدة) لا يتم إلا من خلال الممكن والأخذ بسنة التدرج، والممكن هو اتخاذ كل الخطوات الممكنة ،التي تقود إلى الوحدة الإسلامية التكوينية ومن هذه الخطوات:
أولا: السعي لتحقيق الوحدة الإسلامية التكليفية (الدينية) ،وذلك بالعمل على التقاء المسلمين على أصول الدين مع اباحه اختلافهم في فروعه، باعتبار أن الوحدة التكليفيه شرط للوحدة التكوينية( السياسية(
ثانيا: لما كانت الوحدة الإسلامية هي وحده بين أمم مسلمة ، فان الخطوة الأولى لها هي توحيد كل أمه من هذه الأمم – ومنها الامه العربية المسلمة – في شكل دولة بسيطة أو إتحاديه ( فيدرالية)، بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي(عن طريق إيجاد وتفعيل مؤسسات العمل المشترك،كإنشاء السوق المشتركة،اتفاق الدفاع المشترك، البرلمان المشترك ،إلغاء أو تخفيف القيود على حركة العمالة والتجارة …). فوحده كل أمة مسلمة هي خطوة تجاه الوحدة الإسلامية .
ثالثا: والوحدة الإسلامية الممكنة تأخذ شكل إنشاء هيئات مشتركة بين الأمم والشعوب المسلمة ، تنوب عنها في ممارسة بعض السلطات الداخلية والخارجية ، وهذا الشكل يسمح أن يصل الاتفاق إلى حد أن يكون للهيئات حق التمثيل الدبلوماسي و إعلان الحرب وإبرام الصلح ، وهو ما عبر عنه في الفكر .السياسي الحديث بالدولة التعاهدية (الكونفدرالية).