بقلم الريح علي الريح
منذ الانفجار العظيم صار معلوما ان قوة الجيوش ليست بعددها ولا بعتادها او بما تمتلكه من تكنولوجيا، بل بما تحمله من عقيدة راسخة تُشكل وجدان مقاتليها. وهذا ينطبق على الجيش الصيني والروسي والمصري والامريكي وجميع جيوش العالم. وهذا هو الفرق بين الجيش القومي والمقاتلين المرتزقة بمختلف الاسما. مهما بلغت شجاعتهم وباسهم في القتال. طبعا حركات التحرر الوطني وضعها مختلف. لذلك فان بناء المؤسسات العسكرية والأمنية – وفق نظرية عامة – الأمن الوطنى أو القومي مبنية في الاساس على حماية المصالح العليا للشعب السودانى والمتمثلة فى حماية أراضيه ووحدته واقتصاده وأمنه واستقراره الاجتماعي وهى مصالح فوق مصلحة الحكومات والمجموعات الحاكمة وهذه العقيدة هي ما يحي ويموت عليه المقاتل.
يذكر التاريخ انه كانت لا تُعد الشهادة والموت في سبيل الوطن نهاية الطريق، بل ذروة المجد وأسمى مراتب العطاء للسوداني الحر. ومنها تبدا المسيرة نحو الخلود في ذاكرة ووجدان الشعب السوداني. وظل هذا المد متواصل منذ تشكيل اول فرقة سودانية وفي التاريخ القريب تجده عند ثوار اللواء الابيض 1924 وعند اصحاب التصحيحية في يوليو 1971 وعند شهداء رمضان 1991، وتتضح الرؤية عندما يتعامل المقاتلون الشهداء مع معركتهم بشهامة وباس وتحدي باعتبارها امتحانًا وجوديًا، لا يُقاس بالنجاة، بل بمدى الاستعداد للتضحية، ومن ينال الشهادة هو من يحصد اعلى النتائج في هذا الامتحان العصيب وقد نالوا الشهادة بشجاعة سارت بها الركبان. وخلدها تاريخ البلاد واصبحوا معالم بارزة في تاريخ الوطن.
انني اؤكد ان في الحالة السودانية، تتجسد هذه الحقيقة بوضوح في عقيدة الجيش السوداني قبل انقلاب الانقاذ واعتماده بالكامل على المليشيات والجيوش شبه المنظمة والعصابات وقطاع الطرق. مع العلم وانه منذ فجر استقلال الدولة السودانية عن المستعمر البريطاني وقع الجيش في مأزق التصدي للنزاعات الداخلية المسلحة، واخطر ما في هذا المأزق أن التصدي لهذا النوع من النزاعات يحتاج الي موارد كبيرة عجزت الدولة السودانية عن توفيرها ولكن لم يتجه الى الاعتماد بالكامل على المليشيات.
هذه الحديث ليس مجرد كلام يردد، بل هي منظومة متكاملة تُبنى داخل وجدان السوداني الوطني الغيور منذ اللحظة الأولى لميلاده وما تزيدها الايام والظروف والمعاناة الا توهجا؛ فالمواطن السوداني يُدرك أن الدفاع عن الوطن وعن الحقوق والحريات شرف لا يُضاهى، وأن الحفاظ على الأرض والعِرض وموارد البلاد يتطلب استعدادًا كاملًا لبذل الغالي والنفيس، دون حسابات الربح والخسارة. وكل ذلك قبل تاريخ 30 يونيو 1989.
ولذلك تجد هذا الاستعداد للفدا عند الحركة الطلابية وحركة العمال وحركة الشباب وحركة المزارعين وعند حركة الشباب. وعند السودانيين تتحول الشهادة إلى هدف سامٍ، يمنح المعركة معناها الحقيقي، ويُضفي على التضحية بُعدًا إنسانيًا وروحيًا عميقًا. لايحتاج الى عرس الشهيد الذي ابتدعه الكيزان لموتاهم. ولم تحتاج تضحياتهم الى إطار اعلامي وتوثيق بالصوت والصورة ومراسلين حربيين. لان هناك عقيدة مترسخة في الوعي العام، تبرز الدور المهم الذي تقوم به الحركة الوطنية في نضالاتها المختلفة، وهكذا تجد استمرارية نضالية لاتنقطع عراها وثيقة الصلة ببعضها ولم تحتاج الى برنامج ساحة الفداء الذي ساهم في انتشار الارهاب خلال تسعينات القرن الماضي وهو ذات ما تقوم به اطراف الحرب الان من خلال ما تقدمه صفحاتهم الرسمية واجهزتهم الاعلامية من اخبار كذوبة وتضليل للراي العام. وشهدا الحركة الوطنية لم يحتاجوا الى منظمة الشهيد الكيزانية كي ترعى اسرهم. لانهم من الشعب السوداني وهذا يكفي.
ولو حاولنا اعادة تعريف مفهوم البطولة ذاته، عبر الاقتراب من الإنسان الكامن خلف شهداء الحركة الوطنية من الجيش السوداني لراينا العجب العجاب حيث نتساءل لماذا هم بالذات اختاروا طريق الشهادة على طريق الحياة والدعة والنجوم والرتب؟؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره فهمًا عميقًا لمعنى الاصطفاء والتضحية؛ فالسلسلة الوطنية تُقدم الشهيد تلو الشهيد ليس كرقم في سجل البطولات، بل كنموذج إنساني متكامل، له أحلامه وتفاصيله اليومية، لكنه حين تُنادى الواجب، يُقدم نفسه طواعية، مدفوعًا بإيمان لا يتزعزع بأن الدفاع عن الوطن قدر لا يُرد. لهذا ذهبوا انقيا لم يشهدوا عمليات الارتزاق الواسعة وبيع المقاتلين والتي بدأتها الحركات المسلحة في ليبيا ثم انخرطت القوات المسلحة في نفس النشاط باستخدام قوات الدعم السريع في حرب اليمن والذي أستقل بهذا النشاط بعد فترة قصيرة بتشجيع من كل من السعودية والامارات، وقد كان ذلك أحد الاسباب الرئيسية للتوتر والنزاع منذ نهايات حكم البشير ووانفجر مع اندلاع الحرب.
وهكذا تجد ان ثوار يوليو كانوا ملتحمين مع ثوار اكتوبر 1964 وقد انحازوا مع صغار الضباط والجنود للثورة. وتجد ضباط رمضان هم نفسهم الذين انحازوا لثورة ابريل 1985 وتجدهم جميعا ابنا واحفاد لثوار حركة اللواء الابيض هكذا هم امتداد لبعض. ولكن بالمقابل فان طرفي الحرب اليوم منبتين لا صلة لهم بالشعب السوداني وقيمه الفاضلة فهم ورثة تركة البشير والترابي وصدق القائل من اين اتى هؤلاء.
واذا نظرت اليهم واعدت النظر الى سيرتهم النبيلة تجد تتجلى فيهم قوة الطرح في التركيز على الجانب الإنساني للمناضلين، تجد ذلك في علاقاتهم بزملائهم تجدها نبيلة تتجلى فيها الروح الرفاقية، وصفاتهم الشخصية تجدها مختلفة، ومواقفهم اليومية وحدها تشهد على امانتهم وصدقهم فهم الخيرة، بما يعكس صورة متكاملة تُقربهم من الناس، وتجعل بطولاتهم أكثر تأثيرًا وصدقًا وهذا ما يبقى ويحفظه الناس. كما تُجسد لحظات الاستشهاد باعتبارها لحظة فاصلة، يختبر فيها المناضل أقصى درجات الثبات، ليُثبت أن العقيدة التي تربى عليها لم تكن شعارات، بل يقينًا حيًا يُترجم إلى أفعال. وموت المناضل لا يعني موت القضية. لذلك لايصح مقارنتهم بطرفي الحرب اليوم الذين بين مسلم لثكناته وقواته كما حدث في الفاشر وبابنوسة ومدني وبين مستسلم ككيل وقبة وغيرهم فهم جميعا شبه بعض.
لعل ما يُميز هذه الرؤية أيضًا أنها لا تحصر البطولة في فئة بعينها، بل تمتد لتشمل الضباط وضباط الصف والجنود في ذياك الحين، في تأكيد واضح على أن منظومة القوة داخل الجيش السوداني كانت تقوم على تكامل الأدوار، ووحدة الهدف؛ كما تُبرز الدور الوطني لبقية فئات الشعب السوداني. الذين كانوا شركاء حقيقيين في مواجهة الدكتاتورية، مقدمين نموذجًا يُجسد تلاحم الشعب مع جيشه في معركة مصير واحد. لان الجيش السوداني لم يكن يرتزق من الامارات والسعودية بحجة حماية الحرمين مع العلم ان للحرمين رب يحميهما ولا يحتاجان لجيش السودان والشعب السوداني لا تعنيه الشرعية في اليمن او في افغانستان بل تعنيه ارضه وترابه وموارده ونهضته وعمرانه وهو ما يستحق الدفاع والحماية.
إن سر صلابة الجيش السوداني قبل 30 يونيو 1989 تكمن في هذه المعادلة الفريدة.. “عقيدة تؤمن بأن الشهادة حياة في سبيل الوطن السودان، ومقاتل يرى في التضحية طريقًا للخلود”.. لذلك، لا يخوض المقاتل السوداني معركته بحثًا عن النجاة، بل سعيًا لتحقيق الواجب، مهما كان الثمن؛ ومن هنا، يصبح النصر نتيجة طبيعية لإرادة لا تعرف الانكسار. وذلك عندما كان الجيش يدافع عن السودان وليس عن الكيزان.
تبقى عقيدة الجيش السوداني درسًا متجددًا في معنى الوطنية، ولانها غائبة في هذه الحرب حيث تتحارب المليشيات والجيوش شبه النظامية ويتساوى عندي طرفي الحرب. ولهذا لايوجد منتصر في هذه الحرب. خاصة وان جنرالات الجيش مشغولون بالصفقات التجارية لان الجيش ترك الجبخانة والحدود واعلن سيطرة الجيش وبقية المؤسسات الأمنية على قسم كبير من النشاط الاقتصادي والموارد المادية في البلاد مع العلم هذا ما أدى الى تفاقم الضائقة الاقتصادية والمالية وأزمة الحقوق والحريات والتي أدت في النهاية الى اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة. ومع اندلاع الثورة شعرت قيادات المؤسسات العسكرية والأمنية بخطر فقدان امتيازاتها التي اكتسبتها منذ نهايات حكم مايو وتعززت خلال فترة الانقاذ خصوصاً مع طغيان الرغبة في ايجاد حلول جذرية لكل مشكلات السودان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما شعرت الحركات المسلحة بنفس الخطر وتقاربت مصالحها مع مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية التي كانت تحاربها وتوج ذلك التقارب بتوقيع اتفاق سلام جوبا والذى كانت بمثابة تحالف غير معلن مع هذه المؤسسات ثم أعلن رسميا مع اندلاع الحرب. والحرب يمكن ان تندلع مجددا اذا لم نعي الدرس.
اليوم يجب ان يعي الجميع الدرس ويتحول الدفاع عن الأرض إلى رسالة، والتضحية إلى شرف، والشهادة إلى أعلى درجات النجاح؛ والنتيجة النهائية في امتحان لا يجتازه إلا من اختار أن يضع الوطن فوق الحياة نفسها
وهذه الجدارة تجدها عن ثوار ديسمبر ومن ناصرهم بوطنية مخلصة وعليهم الاتحاد من جديد لايقاف الحرب. وهناك مسألة مهمة ينبغي الانتباه لها فالتدريب الاحترافي للضابط أو الجندي في الجيوش المحترفة يتعدي مجرد التدريبات القتالية أو استخدام الاسلحة الي جوانب أخرى لا تقل اهمية عن ذلك وعلى رأسها احترام الدستور والقانون وحماية المدنيين واحترام حقوق الانسان وحماية المقدرات الوطنية والممتلكات العامة والخضوع الكامل للسلطة السياسية وغيرها من الأمور التي تشكل في النهاية ما يعرف بعقيدة الجيوش والتي اصبحت غايبة عن الجيش السوداني بعد 30 يونيو 1989.
elryahali@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم