العلمانيون واللغة .. التقية العلمانية أو معضلة التوصيل المخاتل (1) .. بقلم: إبراهيم عثمان
تساعد الفوضى الدلالية واللغة الضبابية و منظومات الدلالة الحافة والمحيطة أو الثانوية العلمانيين على عمليات الهجوم “الجرئ” تارة والتراجع التكتيكي تارة أخرى ، فيتعللون ويتدثرون بأخطاء الترجمة وغموض المصطلحات والمفاهيم وما يحدث لها من خسارة دلالية عند الترجمة ، بسبب غربتها عن الساحة الإسلامية بمنبتها وفضائها المعرفي الأصلي ، وبسبب ما يلحقها من تشويه من جانب الخصوم ، أو حتى بسبب ما يقوم به بعض الذين يتبنونها من العلمانيين العرب الحذرين من عمليات حذف وتعديل وتحوير أو شرح إعتذاري تسويقي يقلل من حمولتها الأصلية لكي لا يستفز جهاز المناعة الفكري لدى المتلقي المسلم الحريص على إسلامه والذي لن يقبل بسهولة مبدأ أن يتولى من لا يؤمنون بدينه من مجترحي المفاهيم والمصطلحات وأدوات القراءة الغربيين مهمة تفسير وتأويل دينه وضبطه على مقاس تصوراتهم ورغباتهم وطرائق تفكيرهم . فماركس بجدله أو دريدا بتفكيكه مثلا لن يقبل الكثيرون أن يكونا أولى بديننا من الشافعي أو القرضاوي أو الترابي أو طه عبد الرحمن أو أبو يعرب المرزوقي ، وقد “حذر” محمد أركون قارئه العربي المسلم “كل التحذير” بألا يحكم عليه إستناداً إلى ترجمات هاشم صالح فقط (مهما بلغ من الدقة والتدقيق في ترجمته) . ولذلك يرى أركون أنه ( لا يحق لأحد ،وخاصةً إذا كان عالماً راسخاً في العلوم الدينية على الطريقة المستقيمة السائدة في كل مذهب من المذاهب الأرثوذكسية المعروفة أن يتدخل في تعقيب أو مناقشة ناهيك عن أن يكفر الآخرين … إذا لم يحط علماً بما يقصده علماء الألسنيات المحدثون بمفهوم : “منظومات الدلالة الحافة أو المحيطة أو الثانوية” ) . وكأن أركون لا يعلم أنه في عصر الفضاءات المفتوحة والتثاقف ليس العلمانيون وحدهم من تمكنوا من التعرف إلى مفاهيم القراءة والمصطلحات الغربية ، فالكثيرون رجال دين وغيرهم لهم إطلاع واسع عليها، وكل الفرق أن أركون وجماعته يقدسونها ويبجلونها ويتعاملون معها بوثوقية إطلاقية ودوغمائية لا تتناسب مع دعوى التحرر من كل القداسات ، أضف إلى ذلك أن الشرط الإستباقي الذي وضعه أركون لمن يتصدى لمهمة مساءلة نصوصه ،إذا قرأناه مع تحذيره من الإكتفاء بفهمه عن طريق ترجمات هاشم صالح ، يكشف عن علم مسبق بأنه يقدم مشروعاً ملتبساً أحرى بعدم التفهم ، ولا يُتوقع أن يسلّم علماني لناقد غير علماني بأن عدته المفهومية قد اكتملت ولذلك يجوز له أن يقارب نصوص أركون أو غيره نقدياً ، فالشرط هنا لا يتعلق بمجرد معرفة المفاهيم والمصطلحات بل وبتبنيها وتبني كل مشتملاتها بما يجعل صاحبها علمانياً مكتملاً وإلا فلا يحق له أن يسائل إنتاجهم ويمتحن جهازهم المفهومي وعدتهم الفكرية ذات السيادة وصاحبة القول الفصل عبر جهاز مفهومي آخر أتت هي أساساً لمحاربته والقضاء عليه . وهو ما يمكن ترجمته إلى :ممنوع عليكم تماما الإقتراب من نصوصنا وقراءاتنا فدونكم ودونها ألف حجاب بجهلكم وعقليتكم “التراثية” البالية ،وهو منطق لا يقبلونه إن تم عكسه وقيل لهم : ممنوع عليكم الإقتراب من سنتنا وقرآننا وفقهنا بعدتكم المنهجية الغريبة ونواياكم المبيتة والمعلنة وعقلياتكم المستلبة …
لا توجد تعليقات
